ربما كنت مثلنا، لا ترضى أن تعيش في وطن منخور ويائس ويابس كعصف مأكول، بل تريد أن تراه دائما رائعا كأبيك وحنونا كعيون أمك.

ربما كنت مثلنا، شاهدت ذات يوم دموع أخيك التي تشق القلب نصفين، حين ماتت زوجته الشابة نتيجة إهمال طبي وفي بطنها توأمان وفي حضنها طفلتان لم تستوعبا بعد معنى رحيل ماما.

ربما كنت غاضبا مثلنا لو شاهدت جثة شاب لفظه البحر بعد أن انقلب به القارب وهو يحلم بوطن أحلى وأنقى وأرحم، وحين فتشه رجال الدرك وجدوا في جيبه الأيمن مصحفا صغيرا ملفوفا بعناية وسط قطعة بلاستيكية سوداء كي لا يصيبه البلل، ربما أهدته له أخته الصغرى أو خطيبته الجميلة التي لا يزال يلفها الحزن والكمد بعد أن فقدت قلبا أحلى وأنقى وأرحم..

ربما كنت حانقا مثلنا حين تقرأ في الجرائد عن طفل انتحر عندما حرموه من أدواته المدرسية رغم مليون محفظة، أو تسمع عن الفقراء الذين ينامون بلا عشاء والأرامل اللواتي احترقت قلوبهن وهن يبحثن عن رغيف ساخن للأطفال الجوعى… قد تكون حانقا حين تقرأ عن شظف العيش وفقر الحاجة ومذلة السؤال رغم خيرات “المملكة المحسودة”.

ربما كنت غاضبا مثلنا، وأنت تتابع تصريحات السياسيين فتدرك حالة التيه والارتباك عندما يكون الواقع مضببا والحقيقة مداسة بنعال الفساد والاستبداد… ما أصعب الكلمة الحرة الأنيقة في سطر من الترهات!!

ربما كنت رياضيا مثلنا، تمارس الجري كل صباح خلف المواصلات العامة وتقفز الحواجز لمشاهدة مباريات فريقك المحلي وتمارس رياضة الصبر كلما أردت الحصول على وثيقة إدارية عادية وتلعب القفز الثلاثي حين تطفح مواسير الواد الحار في الشوارع وتمارس المصارعة كل يوم للحصول على أبسط حقوقك كمواطن وربما تتألق مثل الملايين من المغاربة في البطولة الوطنية اليومية للحصول على طرف الخبز.

ربما كنت مندهشا مثلنا، ذات جمعة، حين يصعد إمام المسجد المنبر، بعد أن غاب ليومين، وتشاهد بعض الكدمات الزرقاء على وجهه وتتساءل بسذاجة عن المجرم الذي ”زوق” هذا الوجه المتوضئ المتلألئ الحامل لكتاب الله فتصدمك حقيقة الهراوات التي لا تفرق، في الرباط، بين أبيض وأسود ولا عربي وعجمي إلا بالتقوى!!

قد يعصرك الألم وأنت ترسل بعض الدريهمات لابن أختك، الحاصل على دكتوراه الدولة في العلوم الاقتصادية بدرجة مشرف جدا، كي يتمكن من شراء أقراص الدواء بعد أن لسعته شمس الظهيرة أمام البرلمان أو شجت رأسه إحدى الهراوات الطائشة برتبة مشرف جدا وتتذكر بحسرة كيف كان يساعدك في حل مسائل رياضية من الدرجة الثانية بمجهولين.

ربما كنت غير مهتم بمطلب التشغيل، لأنك تعيش حياة كريمة وتحقق دخلا كبيرا، ولكن صدقني لن تستمتع بحياتك وأنت محاصر بالجائعين، لن تستقيم حياتك في مجتمع مطحون تمتلك فيه القلة سيارات فارهة، وتنجب الكثرة أطفالا تجرح هذه السيارات طوال الوقت بمسامير صدئة.

من المستحيل أن تكون رافضا فكرة تطهير القضاء إلا إذا لم يسبق لك أو لأحد من معارفك أن طارد قضية لسنين في المحاكم وهو يحاول أن ينتزع حقه دون فائدة. ومن المستحيل أن تكون رافضا فكرة تطهير المرفق العمومي إلا إن لم يسبق لك أن اضطررت لدفع رشوة في كل مرة تحتاج فيها إلى شهادة أو ترخيص ما…

ربما كان أحد أقاربك أو جيرانك أو أبناء بلدك ممن قضوا رحلة الحياة في بؤس وفاقة، أو ممن عاشوا وماتوا ولم يذوقوا طعم اللحم إلا في الأعياد، أو ممن سكنوا دور الصفيح، أو ممن لا يستطيعون الوصول إلى بيوتهم إلا بخوض المجاري، إنك إذن مطالب من أجل كل هؤلاء، قارئي العزيز، أن تحدد موقفك من هذه الانتخابات وأن تضع نقاط الأيام المقبلة فوق الحروف، فتكون مثلنا مقاطعا لكل هذا العبث…