تنتهي اليوم الخميس 6 أكتوبر 2016 حملة الدولة والأحزاب الانتخابية، بعد مضي حوالي أسبوعين على انطلاقها، حملة تأكد بالملموس والمراقبة أنها مرت رتيبة وباهتة، وأقل حماسة عند المنخرطين في لعبة المخزن وملهاته، لعبة مملة بعدما تم إدراك تفاصيلها وكشف ألاعيبها والوقوف عند عبثيتها التي أصبحت أكثر وضوحا بعد التجارب الانتخابية التي عاشها المغرب طيلة قرابة 60 سنة وبعد تكشفت طبيعة الحملة وما رافقها وسبقها وسيعقبها.

وجوه ووعود تتكرر وعزوف سابق لأوانه

واحدة من القصائد الشهيرة للشاعر العراقي أحمد مطر، تقول في مطلعها زار الرئيس المؤتمن بعض ولايات الوطن، وحين زار حيِّنا قال لنا: هاتوا شكاواكم بصدق في العلن، ولا تخافوا أحدا فقد مضى ذاك الزمن.. تدور عجلة الزمن ويغيب الرئيس ثم يعود عند حاجته لصوت هذا المواطن ويكرر نفس الخطاب، دون أن يحقق مطلب المواطن في الرغيف واللبن، ودون أن يؤمن له الصحة والتعليم والسكن، لكن يغيب حسن… ومع بعض التحوير جاز لنا إسقاط محتوى القصيدة على واقعنا الانتخابي، سياسي لا يظهر إلا بعد خمس سنوات، ليعيد الوعود، ويشهد الشهود، بل دولة تغيب عن واقعنا الاجتماعي الحارق ولا تظهر إلا عند حاجتها لأصوات الناخبين وشرعيتهم..

في الحملات الانتخابية يتحول السياسي إلى إنسان وديع، يضحك مع الصغير والكبير، يبتسم في وجه الجميع إلى درجة البلاهة، يصافح العابرين، يقبل الصغار، ويلج محلات التجار، يجلس في المقاهي يتجول في الأسواق الشعبية، التي يرتادها فقراء القوم، يمازح هذا، يسرد النكت لهذا، يضحك فوق طاقته، ويبذل مجهودا مضاعفا في تحمل مشاق التنقل وطبائع الناس على اختلافهم.. بل الأكثر من كل هذا يسوق صورة السياسي المنتظر، المحنك، اللبيب، القادر على صنع مفاتيح تحل أقفال أبواب جنة الدنيا، يبشر بالازدهار، وتغيير الأقدار، وخفض الأسعار.. يتعهد بتوفير العمل والقضاء على البطالة، الرفع من مقدار الأجرة الشهرية، وتحقيق التنمية الشاملة في مختلف المجالات..

كل هذه الوعود المكرورة على الأفواه والمكتوبة على المطبوعات، لم يعد السياسي المرشح يحتاج إعادة التلفظ بها بعدما صار المواطن يعيد شريطها حفظا عن ظهر قلب، فلا شيء تجدد.. لأن الأمر أكبر من وعود وإن كانت صادقة ما دامت مفاتيح السلطة وأقفالها في كرسي آخر يعرفه الجميع.

في أحد أحياء العاصمة الاقتصادية عاين موقع الجماعة نت حملة حزب يطلب ود الناخبين، تقدم إلينا أحد الشباب الذين يوزعون مطبوعات الحزب، ناولنا ورقة مطبوع عليها وجهان، واحد منهما رئيس جمعية معروفة، خبِر مختلف الألوان الحزبية، ولم يستقر على لون أو رمز، إنسان سياسي مع وقف التنفيذ لا يظهر إلا في الاستحقاقات الانتخابية، بينما الآخر رجل أعمال جديد في الميدان ولا يفقه غير لغة التجارة، ويعقد عليه الحزب أمل جلب الأصوات. قبل أن يغادر الشاب أشار بأصبعه إلى رجل الأعمال، مرددا العبارة الشهيرة “هذا رجل مزيان باغي يخدم وغادي يدير شي حاجة”!!

ما لفتنا في هذه الحملة برودتها وعدم تفاعل العابرين معها، وقد لاحظنا الناس وهم يرمون بالأوراق فور تسلمها من أيدي شباب الحملة، ومنهم من لم يكلف نفسه حتى إلقاء نظرة على محتواها. بالمقرب من نفس الشارع صادفنا حملة أخرى لحزب آخر أغلب من يحركها شباب يرتدون أقمصة وقبعات بيضاء منقوش عليها رمز واسم الحزب، نفس الرتابة، والناس لا يأبهون، وعلى وجوههم رسم تعبير التقزز لما تحدثه من فوضى إثر العشوائية التي تطالها، والأوراق التي تتركها مرمية على الأرض، وكأن هؤولاء المواطنين يلعنون في دواخلهم السياسة وما يأتي من مخزنها المحتكم وأزلامه البيّاعين الوهم للمواطنين..

موسم البيع والشراء في الأصوات

لا تعدو أن تكون الانتخابات بما هي عليه من حال، غير موسم تجاري يعمّر مرة كل خمس سنوات، تسود فيها المحسوبيات والزبونيات والرشاوي والتزكيات في ظل سقف سلطوي معلوم، فيكون الوضع أشبه بكرنفال للفرجة بعيد كل البعد عن الانتخابات كما هي البلاد التي تحترم نفسها ومواطنيها.

يحكي لنا أحد الفاعلين الجمعويين بسيدي مومن فضل عدم ذكر اسمه، بأن أحد المرشحين المشهورين بعمالة سيدي مومن البرنوصي، يضع برنامجا خاصا خلال حملة الانتخابات، يقوم فيه باستقبال المواطنين بساحة مجاورة لمسكنه، حيث يعدهم بحل مختلف مشاكلهم وتوظيف أبنائهم، ويمنحهم مقدارا من المال، وهو سلوك يستميل به سذاجة وفقر هؤلاء للتصويت للحزب الذي ينتمي إليه، بحسب قول متحدثنا.

غير بعيد عن العمالة السابقة، نجد نموذجا آخر في سياق ذاته ولكن بسيناريو مختلف، حيث تروج حكاية مسؤولة عن أحد المراكز الصحية الموجودة فوق تراب عمالة عين السبع الحي المحمدي، التي ولجت السياسة من باب حزب اكتشف فيها القدرة على جلب الأصوات للحزب، يقول أحد أبناء المنطقة بأن المسؤولة استطاعت في الانتخابات السابقة كسب أصوات مهمة لصالح الحزب، وكان مقابلها حوالي 130 ألف درهم، وخلال هذه الانتخابات تم استمالتها من طرف حزب آخر اشترطت عليه مقابلا مضاعفا، وصل إلى 300 ألف درهم، بحسب تصريح المتحدث ذاته، وكشف لنا بأن هذه الممرضة توزع الأدوية على المرضى والمواطنين الذين يقصدونها بالمركز الصحي، وتلبي حاجياتهم على غير عادتها، وهي المعروفة بصرامتها وشحها في منح الأدوية، بل وحرصها على أخذ مقابل مادي رغم مجانيتها يقول الشخص نفسه..

شهد على مهزلتها شاهد من أهلها

التقينا محمد (اسم مستعار) وهو رجل يقبل على الستين من العمر، مناضل قديم في حزب عتيد، خبر السياسة من داخل وخارج المؤسسات، وهو قيادي بارز في تنظيم نقابي تابع للحزب الذي ينتمي إليه بالدار البيضاء، سألناه عن خفوت الحملة الانتخابية خلال هذه الأيام، فأجاب بوجه تغطيه الحسرة كل ما نشهده اليوم في هذه الانتخابات يعبر عن المهزلة)، مضيفا وهو الذي خبر الحملات الانتخابية منذ سنين الانتخابات متحكم فيها والحزب الذي ينجح لن ينجز أي شيء، بل سيعمل وفق البرنامج الذي سيسطره له الماسكون في دواليب الحكم).

عندما يخبرك رجل خبر الممارسة السياسية من داخل المؤسسات، بعدم رضاه عن الواقع السياسي والانتخابي، وبأن المشهد فاسد وتحكمه أيادي المخزن، فهو تأكيد إضافي على أن المشاركة في لعبة الانتخابات لا تغدو أن تكون إسهاما في إطالة عمر العبث والفساد والاستبداد.