مع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي لـ 7 أكتوبر 2016، تتصاعد حدة الهجمات على خيار المقاطعة، ويجتهد المناوئون له في إظهاره كخيار “عدمي” لا يؤطره أي رهان حقيقي أو نظر استراتيجي، ولا يفضي لأية مصلحة للوطن أو المواطن. وقد بلغ مستوى هذه الهجمات إلى حد اتهام من يقاطع الانتخابات بـ”خيانة الوطن” كما ورد على لسان أحد الوزراء السابقين. هذا مع إحجام تام عن مناقشة المبررات التي يسوقها المقاطعون لتبرير موقفهم والتأسيس له منطقيا وسياسيا.

إن الثقافة والممارسة الديمقراطيين، في مستوياتهما الدنيا، يقران، بداهة ومنطقا، بخيار المقاطعة كنوع من التعبير المتمدن السلمي عن الرفض. وإن كل محاولة لإدانة المقاطعين أو الداعين إلى المقاطعة أو التهجم عليهم ورميهم بالنعوت المشينة أو قمعهم والتنكيل بهم لا يمكن إلا أن تكون سلوكات استبدادية مدانة من وجهة نظر حقوقية وديمقراطية. ولا يمكن لمن يملك حسا ديمقراطيا حقيقيا أن تصدر عنه هذه المواقف والسلوكات أو يكون متعاطفا معها. لذلك فإن استشراء التهجم على خيار المقاطعة في وسائل الإعلام دون منح أصحاب الخيار فرصة للرد هو دليل دامغ على فراغ إعلامنا من أي مضمون ديمقراطي حقيقي ما دام خادما لـ”خيار أوحد” تحشد كل وسائل الإقناع وكل تقنيات البرباغاندا لترويجه وطرحه كـ”رهان أوحد للتغيير وللاستقرار” مع قليل أو كثير من الإدانة السافرة أو المضمرة لخيار المقاطعة الذي يتم تقديمه كـ”رهان عدمي” لا يمكن أن يفضي إلا إلى الاضطراب.

في هذا المقال سأحاول، بحول الله، أن أوضح الرهانات الكامنة وراء خيار المقاطعة بعد تقديم تحليل للمقاطعة كـ”واقع” ذي مغزى سياسي وازن رغم كل المحاولات اليائسة لتجاهله والقفز عليه.

المقاطعة كخيار تاريخي

يجمع المراقبون للشأن السياسي في المغرب على أن مقاطعة الانتخابات كانت “سمة غالبة” ملازمة للانتخابات في المغرب منذ اقتراع 14 شتنبر 1984 لتسجل مستوى قياسيا خلال اقتراع 9 شتنبر 2007 الذي لم تستطع الجهود الكبيرة التي بذلها المخزن إعلاميا وسياسيا دفع المغاربة نحو المشاركة. إذ لم تتجاوز نسبة المشاركة المعلن عنها رسميا حدود 37 بالمائة كأدنى نسبة مشاركة على الإطلاق اعترف بها رسميا. فما الذي يجعل المقاطعة “خيارا شعبيا مفضلا” في المغرب؟

المقاطعة كتعبير عن التوجس واهتزاز الثقة في الدولة

في عهد الملك الحسن الثاني كانت المشاركة في الانتخابات مرتبطة بـ”الاستجابة لإرادة الملك” وتجسيدا لسلطة المخزن الذي يلجأ إلى ما يشبه الإكراه لدفع الناس إلى المشاركة. فعلاقة المواطن بالدولة لم تكن، على العموم، علاقة “ودية”، فكان، ولا يزال، النفور والتوجس طابعا ثابتا في تعامل المغاربة مع الدولة وتقييمهم لمبادراتها. فيكفي أن تكون الدعوة إلى الانتخابات صادرة عن المخزن/الدولة لتكون مثارا للشك لدى المواطن وموضوعا للتوجس وطرح الأسئلة عن جدواها ونفعها.

وقد عرف هذا النوع من السلوك التحكمي تراجعا بينا في عهد الملك محمد السادس وتغيرت أشكاله دون أن يختفي تماما بعدما تواترت الأنباء عن ممارسة ضغوطات على المواطنين للتسجيل في اللوائح الانتخابية مقابل حصولهم على وثائق إدارية أو للحصول على بطاقة “رميد”. وجود هذه الأشكال من الإكراه كاف جدا لخلق “رد فعل نفوري” لدى المواطنين من الانتخابات إذا ما أضيف إليها الموقف السلبي العام للشعب من الدولة.

المقاطعة كخيار شعبي معبر عن “فقدان الجدوى”

الشعب المغربي، في عمومه، شعب متفاعل مع الواقع منفتح على كل جديد لم تؤثر كثيرا أميته الطاغية على مواكبته لكل ما يظهر نفعه وجدواه. فقد اشتهر المغاربة بسرعة استيعابهم وتفاعلهم مع المستجدات بل وتطويعها بما يحقق لهم استفادة قصوى منها. ففي قمم جبال المغرب يمكنك أن تجد شيخا أميا أو سيدة مسنة يحملان هاتفا نقالا ولديهما معرفة مدققة عن “جغرافيا وجودة شبكة الربط” في محيط مسكنهما! المغاربة، إذن، شعب “حريص على ما ينفعه” لا تعوزه القدرة على الاستطلاع والاستكشاف وتحصيل المعلومة متى تأكد لديه نفعها وفائدتها في حياته المعيشية ومستقبل أيامه. فلماذا لا نرى، إذن، اهتماما مماثلا بالانتخابات؟

عرف المغرب منذ استقلاله 8 استحقاقات تشريعية و12 استحقاقا محليا. قبيل كل استحقاق تقدم الوعود بسخاء بتحقيق النمو والرفاهية للشعب والمكانة الرفيعة للوطن بين الأمم. ويجند الإعلام الرسمي لتقديم الانتخابات كباب سحري سيفتح على الشعب إمكانات لم تكن متاحة له من قبل. لكن النتائج كانت على الدوام أبعد ما تكون عما يقدم من وعود. مما يولد “رد فعل شرطي” طبيعي يفيد “اللامبالاة” لتحقق “إشراط متكرر وثابت” مؤداه “فقدان الجدوى”. فطبيعي أن لا يلتفت المستمع حين تأكده من أن “النداء لا يعنيه” ما دام قد استجاب مرات من قبل دون أن يتحقق “مضمون النداء”. هذا “الإشراط” غير متعلق بالمستوى التعليمي أو الثقافي وإنما هو متعلق بمدى “مطابقة النداء لانتظارات المنادى عليه”. بعبارة أخرى: الانتخابات لم تشكل يوما تحديا بالنسبة للمواطن المغربي بعدما ثبت، بالتجربة المتكررة، أنها “فاقدة للجدوى” بالنسبة إليه وإن كانت “ثابتة الجدوى” بالنسبة للمرشح والحزب والنظام السياسي.

المقاطعة كخيار شعبي معبر عن الرفض

في مستوى معين من مستويات الوعي، يدرك المواطن أن حرص الدولة والأحزاب على الانتخابات ليس حرصا على مصلحة المواطن كما يتم التأكيد على ذلك في الخطاب الرسمي. فالمواطن يقيم مستوى خدمات الدولة وطبيعة تعاملها مع احتياجاته الأساسية وأسلوبها في التعامل مع مطالبه فيتحصل لديه أن هناك “قطيعة بين الخطاب والممارسة” فيتولد لديه “موقف الرفض” الواعي للانتخابات لكونها “نوعا من الاستدراج” لتحقيق مصالح أطراف أخرى بعيدا عن نطاق مصالحه. المواطن، في هذا السياق، يقاطع تعبيرا عن “رفضه أن يستعمل كأداة” أو أن يكون “موضوعا للتسخير والاستعمال” دون أن يستفيد أو تعود عليه العملية بفائدة ما. في هذا السياق يفهم لجوء الأحزاب إلى “إرشاء المواطن” كنوع من “تبادل المنافع” وكمنهجية لتطويع هذا “المستوى” من “الوعي”.

المقاطعة كخيار سياسي واع معبر عن المعارضة والاحتجاج

وفي مستوى متقدم من الوعي السياسي، غالبا ما يرتبط بمستوى تعليمي متقدم أو/وانتماء سياسي منظم، يتخذ المواطن المقاطعة موقفا سياسيا “مفكرا فيه بعناية” ومؤسسا على دفوع ومبررات ذات طابع سياسي مبنية على موقف الرفض للنظام السياسي والإطار الدستوري والقانوني والتنظيمي والتقني والسياق الحزبي والسياسي الذي تجري فيه الانتخابات. والمثير للاهتمام أن المبررات المقدمة بهذا الخصوص تكاد تكون متماثلة عند عموم المقاطعين من هذا الصنف رغم تباين مرجعياتهم وانتماءاتهم السياسية. ويكتسب هذا الصنف من المقاطعة طابعا واعيا من خلال قدرة المقاطعين على التأسيس للخيار والمحاججة عنه وتقديمه كخطوة تأسيسية لخيار سياسي جديد.

فإذا كانت المقاطعة الراجعة إلى “غياب الجدوى” أو “المعبرة عن الرفض” مرتكزتين على خيارات فردية شخصية دون رهانات محددة تروم التأسيس لخيارات بعينها على أرض الواقع السياسي أو المجتمعي، فإن “المقاطعة السياسية الواعية” تستبطن رهانات سياسية ومجتمعية متعددة ذات أبعاد متفاوتة.

المقاطعة كثقافة سياسية مجتمعية

لا يحتاج الباحث في علم الاجتماع السياسي إلى عناء كبير لملاحظة وإثبات أن مقاطعة الانتخابات قد أضحت مكونا أساسيا للثقافة السياسية لدى المواطن المغربي؛ فالإقناع بالمشاركة الانتخابية أصبح مسألة أولى على أجندة الأحزاب السياسية بل إن منها، في مفارقة غريبة، من يدعو المواطنين إلى التصويت ولو كان لصالح أحزاب أخرى! “فالمهم هو المشاركة”! ويشهد على ذلك اتجاه النظام السياسي، قبيل كل استحقاق، إلى استفراغ كل طاقته الإعلامية والترويجية والمالية لإقناع المغاربة، من الجنسين ومن الشباب على الخصوص، بالإقبال على صناديق الاقتراع. فالمقاطعة أصبحت “موقفا شعبيا أصليا” من الانتخابات تبذل الجهود بكل قوة لتغييره من طرف النظام والأحزاب السياسية من أجل الحفاظ على حد أدنى من مشروعية النظام في أعين الأقلية المشاركة في الانتخابات وفي أعين الشركاء والمراقبين في الخارج.

رهان الوعي وتجديد الخطاب السياسي

يراهن المقاطعون على بث الوعي بالمقاطعة كـ”خيار واع” ذي طبيعة إرادية يتبناه المواطن كتعبير ناضج عن كرامته واستعصائه على أساليب الاستمالة الإعلامية والحزبية. فيقدمون الحجج المؤسسة للخيار كتأكيد لعجز الانتخابات عن فرز تمثيل حقيقي للشعب وانتفاء أية إمكانية لتحقيق عائد مفيد للمواطن من وراء المشاركة بالنظر إلى “الكوابح” المتعددة والقوية المبثوثة على طول “آلية اتخاذ القرار وإنفاذه” في كل مفاصل السلطة في الدولة. إن قوة حجج المقاطعين وتوجهها نحو القواعد المؤسسة للنظام (الدستور، القوانين، نمط الاقتراع… إلخ) يجعل من المقاطعة موقفا “منتجا للوعي” السياسي العميق بالاعتماد على خطاب معقلن رصين في مقابل الخطاب التخويفي أو الاستقطابي أو الصراعي أو الترويجي أو الديماغوجي الذي يطبع حملات الداعين إلى المشاركة. ليشكل بذلك خطاب المقاطعة سبيلا لـ”تجديد الخطاب السياسي” والارتفاع به عن رداءات التنابز والاتهام والضرب تحت الحزام التي تشكل سمة غالبة على خطاب وسلوك النظام والأحزاب السياسية قبيل انتخابات 7 أكتوبر 2016.

رهان القضم المتدرج من شرعية النظام الحاكم

تراهن القوى السياسية، المطالبة بالتغيير، على خيار المقاطعة الانتخابية كاستراتيجية سياسية مدنية سلمية تقضي بعدم منح التزكية للنظام السياسي والنيل التدريجي من شرعيته من خلال تعميم المقاطعة الشعبية وجعلها خيارا أغلبيا يتجه نحو التحول إلى “خيار شامل”. ولا يخفى ما يمكن أن تشكله “المقاطعة الشاملة للانتخابات” من ضغط سياسي هائل على النظام يضعه في موقف المضطر للتنازل في اتجاه الاستجابة للمطالب السياسية لقوى التغيير المتعلقة أساسا بإقرار دستور ديموقراطي حقيقي شكلا ومضمونا وصياغة ومصادقة يكفل السيادة الكاملة للشعب من خلال مؤسسات ديموقراطية تمثيلية حقيقية تعكس بصدق ودقة إرادة الشعب.

رهان تأطير الرفض/الاحتجاج

من خلال خطابهم السياسي المعقلن، يسعى المقاطعون لتأطير “الأغلبية الصامتة” التي يقاطع طرف كبير منها تعبيرا عن “عدم الجدوى” أو تعبيرا عن “الرفض”. وهو دور هام للغاية يساهم بشكل عميق في استقرار المجتمع متى كانت التنظيمات المقاطعة والمؤطرة للمقاطعة تنظيمات مدنية تؤمن بالديمقراطية وبالصراع السياسي السلمي. فـ”تأطير الرفض” في بيئة استبدادية من أجل تصريفه في قنوات سلمية مدنية وظيفة سياسية لا تقل أهمية ونبلا عن تأطير المواطنين في سياق مشاركة انتخابية في بيئة ديمقراطية حقيقية سليمة.

رهان المصداقية والحفاظ على مسار التغيير السلمي

لا ترى القوى المقاطعة للمشاركة الانتخابية أي جدوى من الرهان على النظام كـ”منبع إرادي” ممكن للتغيير. لذلك فهي تتجه كليا بخطابها السياسي إلى عموم الشعب باعتباره “أداة التغيير” والقوة الوحيدة الكفيلة بالضغط من أجل فرض التغيير على نظام يشكل الاستبداد “محوره المركزي الثابت” الذي تدور في فلكه كل السياسات والتوجهات الكبرى للدولة. لذلك فهذه القوى معنية بشكل كبير بالحفاظ على مصداقيتها في أفق التجذر وسط الشعب وتأطيره للسير معه على درب التغيير الديمقراطي. وبالموازاة مع هذا الرهان على الحفاظ على المصداقية من خلال مقاطعة الانتخابات، تتآكل مصداقية القوى المشاركة تحت سقف الاستبداد مما يضاعف من التفاف الشعب حول القوى المنحازة إلى خيار الرفض الشعبي.

إن صمود قوى التغيير على موقفها المقاطع وحفاظها على كامل مصداقيتها يشكل عنصرا هاما وحاسما في معادلة التغيير. وإلا فسيجد الشعب نفسه مندفعا نحو الفوضى والاضطراب في حال غياب قوى ذات مصداقية منحازة إلى خياره الرافض عند بلوغ تناقضات نظام الاستبداد وإفرازاته مستوى لا يمكن احتماله شعبيا. فعند تؤجج الاحتقان في أوساط الشعب مع غياب “تأطير سياسي للرفض” يصرف هذا الاحتقان في مسالك التعبير السلمي المنضبط قد تتحول الفوضى العارمة إلى انحراف خطير يهدد استقرار الوطن ويشرعن لاستبداد جديد بأسماء جديدة وشعارات تداعب تطلعات الشعب.

رهان التأسيس لإرادة الشعب

يركز دعاة المشاركة على إمكانية تحقيق “شرعية الإنجاز” من خلال “المشاركة الانتخابية” تحت سقف دستوري مطعون في ديموقراطيته وتمثيليته للشعب في ظل آليات الضبط والتحكم التي يحيط بها النظام دستوريا وقانونيا وتنظيميا وتقنيا وعرفيا صلاحيات المجالس المنتخبة. بينما يركز دعاة المقاطعة على محدودية ما يمكن تحقيقه في ظل مشهد سياسي متحكم فيه ويصرون على ضرورة “مراكمة شرعية الانجاز من خلال الضغط الشعبي” القائم على “إسماع صوت الشعب” عبر الاحتجاج السلمي القوي والحضور الكثيف المنظم في الشارع كوسيلة نضالية ضاغطة تؤسس لـ”إرادة الشعب” خارج إطار مؤسسات النظام التي يعتبرونها صورية لا تفيد إلا في إضفاء الشرعية على النظام في أعين الخارج.

وقد شهد المغرب، منذ سنة 2015، حركات احتجاجية شعبية سلمية وازنة تمكنت من تحقيق “شرعية الإنجاز” وتقديم نماذج تحتذى لقدرة الشعب على فرض أجندته على نظام الاستبداد. فاحتجاجات مدن الشمال ضد شركة “أمانديس” وحراك الطلبة الأطباء والأساتذة المتدربين كانت لحظات قوية على درب إقرار “إرادة الشعب”. وفي الساحة الآن حراك الـ10 آلاف إطار تربوي المطالبة بالإدماج وحراك الموظفين المتنامي والمطالب بإلغاء ما سمي “إصلاحا” لأنظمة التقاعد وعشرات الحركات الاحتجاجية للمعطلين ومختلف الفئات الاجتماعية. إن تنامي الاحتجاج في الشارع مرتبط بشكل وثيق بوجاهة المقاطعة الانتخابية بصفتها تأكيدا لـ”إرادة الشعب” في مواجهة “إرادة الاستبداد” ورفضا عميقا للمؤسسات القائمة على انتخابات صورية وتعبيرا عن اليأس التام من إمكانية تحقيق التغيير الديمقراطي المنشود من خلال هذه المؤسسات.

رهان القطيعة والتأسيس

المقاطعة الانتخابية، في كل مستوياتها من حيث الوعي، تعبر عن الرفض. لذلك فهي من القواعد الهامة “لتشكيل الوعي الشعبي الاحتجاجي” الذي يمكن أن يتطور، تدريجيا، على أساس ما تتم مراكمته من “شرعية الإنجاز”. ليتحول هذا الوعي نوعيا إلى “إرادة شعبية” ضاغطة تطالب بالقطيعة مع الاستبداد وإقرار “مبادئ جديدة مؤسسة للدولة” ترجع في كليتها إلى “إرادة الشعب” المعترف بها كـ”أمر واقع” اكتسب شرعيته بما راكمه من إنجاز لصالح فئات واسعة من الشعب. وتدريجيا تقدم “إرادة الشعب” نفسها كـ”أمر واقع” جديد يسعى بصلابة ليكون “بديلا” لأمر واقع استبدادي كان يكتسب شرعيته من سلطة القوة المادية الباطشة ومن سيطرته على دواليب الدولة وعلى التعليم والإعلام. ليتجه مسار التغيير نحو إعادة تأسيس الدولة على قيم الكرامة والعدل والحرية والسلام التي يمثلها النظام الديمقراطي النابع من إرادة الشعب.

المقاطعة الانتخابية، إذن، تعبير أولي جنيني عن إرادة الرفض القابلة للتطور، متى صادفت تأطيرا سياسيا مناسبا من قوى سياسية ذات مصداقية وذات أجندة وطنية واضحة، لتشكل قاعدة لتأسيس إرادة الشعب.

ولا بد من التأكيد، على سبيل الختم، على أن المقاطعة الانتخابية لا تشكل إلا نوعا من المقاطعة يمكن أن تتأسس على أرضيته أشكال أخرى من المقاطعة والفعل النضالي المعبر عن الرفض أكثر تقدما وأثرا وقدرة على الضغط على النظام في سيرورة تطور طبيعي لأساليب الاحتجاج والتعبير عن إرادة الشعب. وفي هذا السياق يمكن فهم التخوف الكبير الذي تبديه الأنظمة المستبدة تجاه المقاطعة الانتخابية. فهي لا تراها مجرد مقاطعة انتخابية وإنما تمهيدا سياسيا للقطيعة والتغيير الجذري المؤسس لـ”سلطة الشعب” المناقضة كليا لـ”سلطة الاستبداد”.