أجرى موقع أنباء 24 حوارا مع الأستاذ رشدي بويبري، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان والباحث في علم الاجتماع، حول انتخابات السابع من أكتوبر وموقف الجماعة منها وتحليلها لمختلف أطوارها ومراحلها. نعيد نشره.

ما هي السياقات التي تجري فيها الانتخابات الحالية؟

تجري الانتخابات الحالية في سياق محلي ودولي بالغ التعقيد. فعلى المستوى العالمي انطلقت منذ سنة 2012 حرب شرسة وصريحة على إرادة الشعوب العربية والاسلامية في التحرر والانعتاق من نير الاستبداد والفساد. وكانت البداية من مصر بعد الانقلاب العسكري الغاشم على التجربة الديموقراطية الوليدة مرورا بتونس فليبيا ثم سوريا.. وانخرطت في هذه الحرب القذرة قوى الاستكبار العالمي في تنسيق تام مع أنظمة الاستبداد العربي. ورغم أن النظام المغربي اختار الالتفاف والمناورة للتعامل مع مطالب الشعب المغربي في العدل والكرامة والحرية، إلا أنه أعلن كذلك الانخراط في هذه الحرب من خلال خطوات عملية سواء بدعم الانقلاب العسكري في مصر وتوفير غطاء سياسي له أو الاصطفاف مع أنظمة الخليج التي تولت كِبَر محاربة ما سمي بالربيع العربي. وظهر هذا جليا في الخطاب الذي ألقاه ملك المغرب في القمة الخليجية الأخيرة واعتبر فيه أن الربيع العربي كان وبالا على المجتمعات العربية وحقبة سوداء من تاريخها السياسي الحديث، وكان في هذا توضيحا لمن لا تزال على عقله غشاوة أو متعلقا بالأوهام. لقد كان ذلك الخطاب إعلانا رسميا بقرار المخزن إغلاق قوس الانفتاح الديموقراطي (حسب تعبير المدلسين) الذي طالما رُوِّج له إبان الحراك الشعبي وبعيده. ولعل هذا أيضا ما يفسر كثيرا من السلوكيات المخزنية التي تناسلت منذ عدة شهور. خلاصة القول أن انتخابات 7 أكتوبر تنعقد في سياق تراجع سياسي كبير محليا ناهيك عن انهيار الوضع العام والذي يجسده التدهور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وغيره. يضاف لما سبق تكالب دولي صارخ على شوق الشعوب العربية والاسلامية وتوقها للعدل والحرية والكرامة، ومنها الشعب المغربي.

تعرف الانتخابات بكونها آلية لفصل السلط والتداول عليها، هل ينطبق هذا الأمر على الانتخابات في المغرب؟

يمكن تعريف السلطة بشكل عام بأنها: القدرة على اتخاذ قرار وإنفاذه). ويمثل البرلمان، كما هو معلوم، في الأنظمة الديموقراطية سلطة أساسية تتكفل بوظيفتي تشريع القوانين ومراقبة العمل الحكومي صيانة لحقوق الشعب وحماية لمصالحه. لكن الأمر في المغرب يختلف تماما عما هو عليه الحال في الدول الديموقراطية. فالسلطة التشريعية للبرلمان المغربي محشورة في الزاوية بإطار دستوري يحد من فعاليتها ويتحكم فيها بل يعطي الحق الكامل للملك في إلغائها وتجاوزها. يضاف إليه إطار عرفي توجهه التعليمات التي تأتي عن طريق مستشاري الملك وتحدد توجهات النخب التشريعية. أما مهام الرقابة فلا تمارس إلا في نطاق التهريج والمزايدات الفارغة التي لا تزعج أصحاب القرار. فمنذ تأسيس البرلمان المغربي لم يسجل أي تأثير حاسم له في اتجاه الحد من فساد السلطة التنفيذية أو معاقبة انحرافاتها الكثيرة وسياساتها المتناقضة دوما مع مصالح الشعب. وعموما فالواقع أكبر شاهد على شكلية وهزال الأداء التشريعي والرقابي للبرلمان المغربي، وهو واقع لا يرتفع مهما دلس المدلسين.

تجري الانتخابات تحت غطاء دستور يصفه البعض بكونه دستور ممنوح ومفروض. هل هذا الأمر صحيح؟ وكيف تفسر ذلك؟

من أهم الأعطاب التي تطعن في جدوى الانتخابات ومصداقيتها في المغرب، الإطار الدستوري الذي يتحكم فيها منطلقا ومخرجات ويفرغها من أية قيمة ويجعلها ممارسة فلكلورية صورية لا غير. فهذه الممارسة لا تفرز من يملك القدرة على تنفيذ برنامجه الانتخابي الذي يتعاقد مع عموم الشعب عليه أو مجرد محاولة تحقيق الوعود المغرية التي يغدقها على الناس إبان الحملة الانتخابية. فقد صار في علم القاصي والداني أن دستور 2011 لم يتمكن من الحد من الهيمنة الكاملة للنظام الملكي على مقاليد الحكم بل إنه كان فرصة لتعميق هذه الهيمنة من خلال ترسيم عدد من الأعراف المخزنية بحيث صار لها نفوذ أكبر بعد إعطائها بعدا قانونيا دستوريا. وقد كانت السنوات الخمس الأخيرة مشتلا لقياس درجة ديموقراطية هذا الدستور ومدى صدق النظام المغربي في تبني التغيير الديموقراطي وقد كانت النتيجة فاضحة لكل من انساق وراء الأوهام وروج الأباطيل. فأي خير يرجى من انتخابات تتم في ظل إطار قانوني وسياسي كهذا، لاشك أنها لن تكون إلا تركيزا للاستبداد وتشجيعا على جرأة أخطر للفساد على أمن الشعب ومستقبله.

كيف تتوقع مشاركة الناخبين في الانتخابات المقبلة، في ظل سخط عارم عن أداء الحكومة الحالية؟

لا نحتاج إلى كبير عناء لنستنتج أن خيار مقاطعة مهزلة انتخابات 7 أكتوبر خيار رائج وراجح وكلمته مسموعة وحججه مُفحِمة. فحيثما وليت وجهك إلا وواجهتك تعبيرات السخط والتأفف من مهزلة طال أمدها وهزل مددها. فكثير ممن اعتاد التصويت في الانتخابات السابقة صار لا يخجل من إعلان وجوب مقاطعة هذا العبث.

كيف تقيم أداء الحكومة الحالية التي تقودها العدالة والتنمية انطلاقا من تدبيرها لعدد من الملفات والقضايا؟

لا يتسع المجال في هذا الحوار لبسط القول في تقييم أداء حكومات بنكيران الثلاث خلال الخماسية الفائتة. وهو أمر ورد بتفصيل وتدقيق علمي في كثير من التقارير المحلية والدولية سواء تلك التي قامت بإجراء تقييم عام للتجربة الحكومية أو تلك التي ركزت على مجالات بعينها. وقد أصدرنا في الدائرة السياسية لجماعة العدل والاحسان عددا من التقارير منها ما أنتجه المجلس القطري تضمنت تفاصيل كثيرة في تقييمنا لهذه الحكومة، كما أصدرت عدد من مؤسسات الدائرة السياسية ذات الاختصاص مجموعة من التقارير والدراسات في الموضوع. وقد شهدت معظم تلك التقارير، الداخلية منها والخارجية بمراكمة هذه الحكومة أصنافا من الفشل ومستويات مريعة من التراجعات في معظم المجالات التي لها تماس مباشر مع الشعب المغربي وتأثير على حياته ومعيشته ومستقبله واستقراره. فقد تجرأت هذه الحكومة بكل صلف على انتهاك كثير من الحقوق التي انتزعها المغاربة بنضالاتهم المريرة وتضحياتهم الجسيمة. بل إنها انحازت إلى صف المستبدين والفاسدين بالدفاع عن سياساتهم وتبرير اختياراتهم والتفنن في تنفيذها ضدا على مصالح الشعب وحقوقه. وما أوضاع القطاعات الاجتماعية (الصحة والتعليم..) وملف التقاعد وصندوق المقاصة، وغيرها، عنا ببعيد. لقد ظهر بارزا للعيان أن من تولى هذه الحكومة استفرغ الجهد، خلال هذه السنوات الخمس العجفاء، أساسا في استرضاء الحكام الفعليين للبلد وإثبات حسن نيته وصلاحيته للخدمة في در المخزن أكثر من تهممه بخدمة الشعب ومصالحه.

دعوتم في بيان لكم صادر عن الأمانة العامة للدائرة السياسية لمقاطعة الانتخابات، ما هي مبررات هذه الدعوة؟ وكيف تردون على من يصف موقفكم بالجمود؟

مقاطعة الانتخابات، بالنسبة لجماعة العدل والاحسان، سلوك سياسي يندرج في إطار مشروعها السياسي العام الذي شعاره وجوهره الانحياز الصريح لعموم الشعب المغربي وتبني صادق لهمومه وقضاياه وحرص على مصالحه وانخراط كامل في الدفاع عنها تحقيقا لسعادته ورقيه. وقد قدمت الوثيقة الصادرة عن الأمانة العامة للدائرة السياسية توضيحات وافية وشروحات كافية لموقف المقاطعة هذا. فقد ركزت على إبراز انحراف الأساس الدستوري الذي تقام بناء عليه الانتخابات فضلا عن اختلال الوضع السياسي والاجتماعي لتخلص إلى أن الظروف الحالية التي يعيشها المغرب لا تسمح مطلقا بإجراء استحقاق انتخابي يؤدي إلى إحداث ولو اختراق بسيط في جدار الاستبداد السميك. كما دعت الوثيقة عموم المغاربة إلى تلقين المستبدين والفاسدين، ومن يتواطأ معهم أو يخدم أجنداتهم، درسا بليغا بمقاطعة هذا العبث عله يكون فرصة لرجوعهم عن غيهم أو تهييئا لموجة تغييرية شاملة تعيد توازن القوى لصالح الشعب. ولعل ما يزيد من مصداقية الدعوة لمقاطعة انتخابات 7 أكتوبر هذا الهجوم المنظم الذي ووجهت به من أطراف متشاكسة ظاهرا متآلفة مصلحة وولاء. فاتهام أصحاب خيار المقاطعة بالعدمية أو الجمود مع عدم القدرة على الرد العلمي الحجاجي على أطروحتهم دليل على نجاعة هذا الخيار ومدى تخوف الطرف الآخر من حجمه ومآلاته. فالنظام المغربي أنفق جهودا ضخمة وأموالا هائلة للتسويق لتجربته في الالتفاف على الحراك الشعبي المغربي وأظهر نفسه بمظهر النظام القوي الماسك بزمام الأمور والقادر على إخضاع القوى السياسية المشاغبة والمناوئة واستيعابها بل توظيفها لخدمة سياساته وترسيخ شرعيته. لدى فنسبة مقاطعة قياسية للانتخابات التشريعية ستكون موجهة بالأساس للنظام الحاكم وناقوس خطر يدرك الماسكون بزمام الأمور دلالته وتأثيره على شرعيتهم لأنه سلوك سياسي قد يحطم الواجهة الخادعة التي طالما غطى بها الاستبداد وجهه البشع وروج من خلالها لسياساته اللاشعبية الخطيرة. ولعل هذا ما يفسر هذا الهجوم المتعدد المصادر على خيار المقاطعة.

لماذا لم تنزلوا للتعبئة لقرار المقاطعة خاصة أن هناك أطرافا أخرى تنزل لنفس الغرض؟

هذا القرار مبني على تقدير سياسي حيث رأينا أن المزاج الشعبي العام منحاز بشكل كبير وواضح لموقف مقاطعة الانتخابات، وهذا ما عبر عنه العزوف الهائل للمغاربة عن التسجيل في اللوائح الانتخابية رغم الحملة الكبيرة التي قادها النظام للتشجيع على ذلك. يضاف إليه فتور الاهتمام الشعبي بالحملة الانتخابية الجارية. بناء عليه قدرنا أنه لا قيمة مضافة لخيار التعبئة الميدانية لهذا الموقف. لكن في المقابل نبذل جهودا إعلامية وتواصلية مهمة، في حدود الامكان والمتاح، لنحاور عموم الناس حول قناعاتنا وحججنا الداعمة لموقفنا. ومع ذلك نقدر ونحترم رأي من رأى غير رأينا ونقدر مساهمته في رفع منسوب الوعي العام والدفع بخيار المقاطعة والإقناع به.

توقعاتك فيما يخص نتائج انتخابات 7 أكتوبر؟

يصعب في هذه الظروف التكهن بنتائج هذه الانتخابات أو إصدار تقدير محترم بصددها بسبب الأجواء التي تمر فيها واختلاط بعض الأوراق هنا وهناك. لكن المؤشرات الصريحة تبرز بما لا يدع مجالا للشك أن المخزن يبذل منذ مدة جهودا كبيرة لضبط مخرجات هذه العملية والتحكم في نتائجها وما سينبثق عنها من مجلس وحكومة. وهذا ما يفسر هذا اللغط السياسي المتصاعد من كل الأطراف وهذا التنابز الذي وصل حد السفه والإسفاف من طرف البعض.

على سبيل الختم؟

لا تمثل الانتخابات التشريعية الحالية بالمغرب رهانا سياسيا حقيقيا للمغاربة. فالتباري فيها يجري بين من يقدمون أنفسهم خداما للأعتاب الشريفة يتنافسون في تقديم فروض الولاء والطاعة لمن يهيمن على مقدرات المغرب ويتحكم في مصيره وليس همهم خدمة الشعب أو رعاية مصالحه لأنها في أحسن الأحوال مرهونة بمصالح الحاكم بأمره الذي يحكم ولا يحاسب. فبعد مدة وجيزة ستتبخر كالعادة الوعود الخلابة ويرجع المغاربة لتجرع مرارة الواقع الذي لن يرتفع إلا بإرادة مخلصة للتغيير الحقيقي وهبة راشدة للشعب وللمخلصين من أبنائه وخدامه.