التمكين السياسي للمرأة… مشاركة المرأة… ولوج المرأة مراكز القرار… إدماج النوع الاجتماعي في السياسات العمومية، مصطلحات ومفاهيم يرتفع منسوبها في فترة الاستحقاقات الانتخابية سواء في برامج الاحزاب السياسية أو في خطاباتها. وقبل الحديث عن المرأة والانتخابات في المغرب، لا بد التأكيد على نقطتين أساسيتين:

* المشاركة السياسية في أي مجتمع هي محصلة نهائية لجملة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والمعرفية والثقافية والسياسية والأخلاقية، حيث تتضافر هذه العوامل في تحديد بنية المجتمع المعني ونظامه السياسي، وتحدد نمط العلاقات الاجتماعية والسياسية ومدى توافقها مع مبدأ المشاركة. إذ لا يمكن الحديث عن الأدوار التي يمكن للمرأة أن تشغلها دون فهم لبنية المجتمع والنظام السياسي وآليات اشتغالهما.

* إن بلورة شروط الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان لا يتم دون فتح مجال لمشاركة المرأة وإدماجها في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

مسار مشاركة المرأة في الانتخابات التشريعية

رغم إقرار الدستور للحقوق السياسية للمرأة منذ سنة 1962، إلا أن هذه المساواة تم اختزالها في حق التصويت، حيث لم تتمكن المرأة من ولوج المؤسسة البرلمانية إلا سنة 1993. فبعد أن كانت حصيلة ترشح 8 نساء في انتخابات 1977 هي صفر، وكذلك كانت نفس النتيجة سنة 1984 رغم تضاعف عدد المرشحات، كانت سنة 1993 بداية ولوج المؤسسة التشريعية، فتم انتخاب امرأتين من 36 مرشحة، وعرفت سنة 1997 نتيجة مماثلة رغم التزايد الملحوظ في عدد المرشحات “87 مرشحة ” وقبيل الانتخابات البرلمانية لسنة 2002 تم تبني عدد من التدابير القانونية والإجرائية من أجل تفعيل المشاركة السياسية للمرأة (آلية الكوطا إجراء قانوني مرحلي يسمح بتطوير الثقافة السياسية وتدليل العقبات أمام مشاركة المرأة). لقد مكنت هذه الآلية من فوز 35 امرأة في انتخابات 2002 من 266 مرشحة، 30 بفضل اللائحة الوطنية بنسبة 10.8 في المائة ليحتل المغرب المرتبة 70 عالميا، وسجلت هذه النسبة تراجعا طفيفا في انتخابات 2007 وذلك بفوز 4 نساء فقط في اللوائح المحلية، وفي انتخابات 25 يونيو 2011، أدرج البرلمان في القانون التنظيمي الجديد لمجلس النواب الصادر في 4 أكتوبر 2011 كوطا نسائية، باعتماد لائحة وطنية خصصت 60 مقعدا للنساء و30 للشباب دون سن الأربعين مع اقتصار لائحة الشباب على الذكور فقط. وصلت نسبة النساء المنتخبات في مجلس النواب 16.7 في هذه الانتخابات وذلك بفوز 60 امرأة في اللائحة الوطنية و 7 نساء في اللوائح المحلية.

إن واقع هذه المشاركة ما زال دون المستوى المطلوب، ويرجع هذا الضعف إلى مجموعة من العوائق الثقافية والاجتماعية والسياسية، مع أن المرأة تشكل نصف الساكنة أو أكثر، وهي معنية مثل أخيها الرجل بتدبير الشأن العام، إلا أن هذا الوجود العددي لا يوظف بالشكل اللائق داخل المجتمع.

عوائق مشاركة المرأة في الانتخابات

إن إعطاء المرأة حق التصويت والترشيح لا يضمن ممارسته والتمتع به بكل حرية بسبب مجموعة من العوائق الذاتية والموضوعية، ويساهم الوضع الاجتماعي في التأثير على المشاركة السياسية التي تعبر عن حرية المواطن في التعبير عن رأيه، ولكن المواطن، وخاصة المرأة، لا يلجأ دائما لممارسة هذا الحق، ولا يهتم بالحياة السياسية بل ويتهرب من كل ما هو سياسي. إن اجتماع الفقر والأمية مضافة إليها الثقافة السائدة في المجتمع حول أدوار المرأة، هذه العوامل تجعل من الصعب على النساء الانخراط في أي نشاط سياسي أو مجتمعي أو مجرد التفكير في ممارسة أي دور في تدبير الشأن العام. فالأمية تسد على المرأة منافذ المعرفة والوعي بحقوقها ودورها الأساسي في التغيير والبناء، بينما يكبلها الفقر ويجعل تفكيرها اليومي ينصرف إلى توفير قوت يومها وقوت من تعولهم والبحث عن توفير أبسط الخدمات الاجتماعية كالتطبيب والتعليم والعيش الكريم، بل إن هذه الأوضاع التي تعيشها شريحة مهمة من النساء تجعلها تنظر إلى العمل السياسي مجرد ترف لا يمسها ولا يهتم بحاجياتها الآنية والمستعجلة. تضاف إلى هذه العوائق، الأجواء التي تمر فيها الاستحقاقات الانتخابية المتمثلة في التحكم في مخرجاتها من التقطيع الانتخابي وفي مرحلة إيداع الترشيحات وفي نمط الاقتراع المعتمد.

وفي ما يتعلق بولوج المرأة مراكز القرار السياسي، فقد عرف المغرب طفرة عددية في الولوج إلى المؤسسة التشريعية كما سبقت الإشارة، ولكن تبقى ذات فعالية ضعيفة في التأثير على اتخاذ القرار أو أنها لا تلج مراكز القرار. وشكلت محطة الانتخابات المحلية والجهوية لسنة 2015 أوضح نموذج على الغياب شبه المطلق للنساء في رئاسة الجماعات والجهات أو تغييبهن من طرف الأحزاب والهيئات السياسية، مما يجعلنا نطرح مجموعة من التساؤلات:

– بعد مساهمة النصوص القانونية في إحداث التطور النسبي الحاصل حاليا، ألا يمكن القول إن الأمر اليوم يتجاوز الآلية القانونية والمجتمعية ويسائل الدولة والأحزاب بل يضعها وجها لوجه أمام مسؤوليتها في قضية أصبح واضحا أنها متورطة تورطا كبيرا في ما يعترضها من إعاقات؟

– هل تشجيع النساء على اقتحام المنافسة السياسية والانتخابية ينم بالضرورة عن وجود مشاريع سياسية تستحضر النساء كقضية ولا تختزلهن في هويتهن كجنس أو تحصر حضورهن في الكم والعدد، على الرغم من أهميته؟

– ثم ألا يمكن في النهاية التنبيه إلى أن الكفاءات النسائية المغربية في مختلف المجالات تختار، إرادياً، في ظل الوضع والسياق السياسي العام المتسم بمركزة السلطات، وواقع الفساد والاستبداد، الابتعاد عن مواقع المنافسة الانتخابية؟

وماذا بعد؟

إن الارتهان للمعالجة القانونية في موضوع المشاركة السياسية للمرأة وولوجها مراكز القرار عبر تدخل الدولة بإقرار نظام الكوطا وتشجيع الأحزاب على ترشيح النساء، يختزل تمثيلية المرأة في عدد المناصب المحجوزة للعنصر النسوي ووسيلة للريع السياسي ولم يستطع أن يفرز لنا كفاءات نسائية لاعتمادها على المصالح الشخصية والولاءات للنافذين في الحزب. والتجربة تجعل من الصعب حصر التمكين السياسي للمرأة في المعالجة القانونية، خاصة إذا ارتبط هذا الإجراء بالنتائج بدلا من أن يكون حاضرا على مستوى الترشيح لما فيه من إخلال بحرية اختيار الناخبين. إلا أنه لا يمكن اعتبار رفع حجم التمثيلية النسائية مؤشرا على التطور الديمقراطي، بل يتم استغلال الوجود العددي للمرأة في تحسين الصورة الديمقراطية للأنظمة وآلية للتسويق السياسي، أو استجابة لضغوطات خارجية تربط بين منح المساعدات وتحسين وضع النساء.

من نافلة القول إن حصول تغيير في قدرة المرأة على المشاركة السياسية، يستلزم تضافر جهود مجموعة من الفاعلين السياسيين على المستوى الوطني والمحلي، كما يتطلب إجراءات وآليات تضمن مشاركة فاعلة وفعالة للمرأة في المشهد السياسي، وتبني الأحزاب لاستراتيجية واضحة تكفل المشاركة السياسية للمرأة من خلال تدليل العقبات ونشر الديمقراطية الداخلية، وتطوير الثقافة السياسية، وتعزيز حضور المرأة في الهياكل المركزية للأحزاب، والالتزام بتأهيل المرأة وتمكينها سياسيا والاستفادة من التجارب الناجحة، وقبل كل هذا وبعده دمقرطة المشهد السياسي باعتماد دستور متوافق عليه. ففي ظل انتخابات متحكم في مخرجاتها سلفا، لن ينبثق عنها إلا مؤسسات صورية وشكلية يغيب فيها تحقيق العدل والكرامة والحرية للمواطن، لن تحظى المرأة فيها، وللأسف الشديد، إلا بتوظيف صورتها كواجهة لتلميع المشهد السياسي.