وأطل علينا العام الهجري الجديد 1438ه.

 

عام ندعو الله تعالى أن يكون مفتتح خير وبركة ورفعة لأمتنا المستضعفة، ومنطلق عز وفتح ونصر لرجالها ونسائها، ومبعث تجديد لهممهم وعزائمهم، وسط الخيبات التي تتلاطم أمواجها على الإنسانية المقهورة، ولا يحصد منها الإنسان المغلوب على أمره التائه في دنياه بين سبل الظلم إلا الريح.

 

لأمة الإسلام، حيثما وليت وجهك في هذه الأرض، مآتم تنعى أبناءها، وترثي أحوالها، وتشكو حظها العاثر مع حكام الجور فيها، وتتوجه إلى الله العلي القدير السميع العليم المجيب الناصر بالدعاء، عسى تُكشف عنها الغمة، وتُرَدُّ إليها الروح، وتسري في أطرافها الحياة من جديد.

 

محن متواترة يأخذ بعضها برقاب بعض يتجدد بها تفتيت الأمة – بعد تمزيقها إبان مخطط سايكس بيكو قبل مائة سنة – في الشام بحلبها الشهباء التي صارت بحرا من الدماء، وفي دمشقها الفيحاء التي باتت رهنا للاستبداد حليف الأعداء… وفي العراق الذي غزته الطائفية النتنة المقيتة حتى صارت تحكمه المليشيات تحت راياتها العِمِّية… وفي ليبيا التي يكاد يحجب دخان الفتنة والخيانة والعمالة للأعداء فيها الصورة المشرقة لجهاد عمر المختار… وفي مصر التي صودرت فيها كلمة الشعب وإرادته وحريته… وفي اليمن… وفي كل بقعة من بقاع الإسلام…

 

محن وعذابات لا أمل في كشفها إلا إن وعينا بأن هذا الإنسان المطحون في طواحينها في حاجة إلى هجرة فردية ينتقل بها من زمن الغفلة إلى زمن العبادة والذكر والعبودية الخالصة لله تعالى، مثلما تحتاج الأمة إلى هجرة جماعية تزحف بها من قرون الذلة والفرقة والتشتت والاستضعاف والغثائية والتخلف في آخر ركب الأمم إلى عهود تتجدد فيها عزتها ووحدتها وقوتها ورسالتها وشهادتها على الناس.

 

ولا أمل في ذلك إلا إن سمونا إلى ما يمكن أن تجدده فينا ذكرى الهجرة النبوية من معاني البذل لله والإيمان به وبغيبه والتوكل عليه واليقين في نصره والأخذ بالأسباب واسترخاص النفس والنفيس في سبيل الغاية العظيمة.

 

نعم؛ كانت الهجرة النبوية عظيمة بقدر ما حملت قلوب المهاجرين إلى المدينة المنورة من إيمان وإحسان وإيقان وصدق في طلب الله وما عند الله، فتَقَوَّتْ بهم النواة الأولى لدولة القرآن على النحو الذي لا يزال مثالا ومرجعا تاريخيا عظيما نباهي به الأمم، ولكن سر عظمة تلك الهجرة كان وليد روح الصحبة النبوية التي حملتهم على بساطها الذي أسرى بهم إلى دار الهجرة متعاليا على آلام فراق مكة وأهلها، وعلى حسرة ما سُلِبَ منهم فيها من أموالهم، وعلى مشقات الزحف الطويل الذي لا يستطيعه إلا من سبقت لهم من ربهم الحسنى.

 

وفي صحبة أبي بكر لنبي الرحمة في رحلة الهجرة ألف معنى ومعنى مما تحتاجه الأمة من صحبتها له صلى الله عليه وسلم، محبةً له، وتعلقا به، واتباعا لأثره، وتأسيا بسنته، وكينونة مع وارثي رسالته، وجهادا لإعلاء كلمات ربه، وتفانيا في خدمة دعوته، وصبرا على السير الطويل الشاق في سبيله.

 

فاللهم ابعث في قلوبنا ما كاد يخبو من معاني الهجرة معه إليك، وأحي في أطرافنا ما شُلَّ من همة طلب وجهك، واسلك بنا من سبلك ما يقوي إيماننا بموعودك، وقوِّنا بمدد من عندك يغنينا عن الاعتصام بغير حبلك، وعجّل بالنصر والفتح القريب… آمين.