1. تقديم

يعتري كل تحليل لبنية النظام السياسي قصورا منهجيا عندما يركز فقط على علاقة هذه البنية بالانتخابات دون ربطها بامتداد مضامين “البيعة” كما عرفها تاريخ هذا النظام منذ أكثر من 14 قرنا رغم بعض صور الاختلاف مع هذا السلطان أو ذاك، وهو ما يؤثر على نتائج التحليل معرفيا وعلى نمط البدائل.

ففي مقالات سابقة تم التركيز على أن النظام السياسي في المغرب يتمايز كثيرا عن كل الأنظمة العربية تمايزا يكشف عن درجة قوته وتماسكه ووضوح مقاصد، مما خوله خبرة تاريخية هائلة في التكيف السريع والواعي والمحكم مع كل أنواع المستجدات، بل التحكم في مسارات العديد منها وفق منظومة تفكير خاصة لها القدرة على الإبداع في توليد وتوفير آليات الامتداد والاستمرار.

فهو نظام يمتاز بعمق تاريخي لأكثر من 14 قرنا، وبعمق ديني من خلال موقع السلطان أو الملك في بنيته بما يجسده من معنى ديني، وبعمق اندماجي في التجربة الغربية دون فقد أي مستوى مؤثر من عمقيه التاريخي والديني.

فتكامل هذه الركائز الثلاث في ما بينها من جهة، ومع ما تطلبه من التحكم في مصادر الثروة وامتلاكها من جهة ثانية، جعل من النظام السياسي في المغرب قوة تصورية وخبرة عملية ليس من اليسير اختراقها؛ لا من حيث الكفاءة في التحليل ولا من حيث الكفاءة في إعادة التركيب، خاصة أنها بنية استبدادية مغلقة في جوهرها منفتحة في كثير من أشكالها.

ولذلك يمكن التساؤل: ألا يمكن توفر الكفاءة في نقد بنية النظام السياسي نقدا متكاملا في المغرب عندما تكون الأداة النظرية جامعة في خط تفكير واحد بين مستوى نقد مفهوم البيعة باعتباره القاعدة الأصلية لهذه البنية وبين نقد مفهوم الديموقراطية كما ترعاه هذه البنية منذ ما سمي بالاستقلال والتي تشكل قاعدة المؤسسات السياسية ما دون موقع الملك؟

2. ماهية استبداد النظام السياسي في المغرب

ما ينبغي تأكيده، ومما أصبح معلوما، أنه لا مستقبل للأنظمة الاستبدادية، وعلى هذه القاعدة ينبغي أن نبني تحليلنا للواقع السياسي وقراءتنا لماضيه لأن المستقبل للحرية كما صار واضحا من حجم التضحيات التي أبانت الشعوب من خلالها عن إصرارها نحو هذا الأفق.

فمازال تاريخ المغرب السياسي يحتاج إلى تعميق البحث وربط حلقاته ربطا يكشف عن تجربة النظام السياسي المتكاملة، ذلك أن بناء التصور السليم عن بنية هذا النظام كفيل بأن يؤسس للمداخل الحقيقية لتقويض ماهيته الاستبدادية وفرض واقع الحرية الحقيقية.

فقد خضع تكوين الدول المتعاقبة على المغرب إلى ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية، لكن القاعدة العامة لا تخرج عن المعنى الديني، خاصة من جهة موقف العلماء من هذا الزعيم أو ذاك، وكذلك موقف رجال التصوف الذين كانوا دوما يشكلون ثقلا كبيرا عبر جميع مراحل تكون هذه الدول.

ولما تحصل الغلبة لهذا الزعيم أو ذاك يرسخ نظامه وفق نظام البيعة كما نُظر له في كتب واجتهادات الفقه السلطاني مع اختلافات لا ترقى إلى أي تعديل جوهري على شكل الحكم وماهيته.

ولذلك تشكلت ماهية الاستبداد من جهة أن أساس الحكم لا يكون على اختيار الإرادة العامة بل من خلال الغلبة في صراع حول الحكم الذي يرسخ عبر اعتماد البيعة التي يكون العلماء والزعماء مادتها؛ خاصة المحيطين بالحاكم المتغلب بالسيف، ومن جهة أن هذا المتغلب يصبح هو الآمر والناهي في البلاد، وغالبا هو من يعين خليفته وقد يحدث صراع بين ابنائه و أقاربه حول أحقية من يكون حاكما بعد وفاته، دون أن نغفل أن هذا الاستبداد يحدث فيه تغير حسب الطبيعة البشرية للحاكم من غير أن يخرج نظام الحكم عن الماهية الاستبدادية حيث لا تسمح الظروف الفكرية والثقافية والواقعية بالانتقال إلى نظام الشورى، إذ يُكتفى بما يسمى بأهل الحل والعقد، الذين غالبا ما يكونون هم العلماء والفقهاء المؤيدين مسبقا.

نعم، لا يخلو تاريخ المغرب السياسي قبل الاستعمار من إنارات كبيرة تسعى إلى توسيع دائرة الشورى، لكن الظروف النفسية والفكرية والسياسية عموما لا تسمح بتحول هذه الإنارة إلى نظام متكامل، وهذا لا يمنع البحث من الخوض فيها، لأن التغيير لا يحصل من نقطة الصفر، بل هو تجمع حلقات تاريخية حتى وإن كانت منفصلة عن بعضها زمنيا.

فإلى أواخر القرن التاسع عشر كان المجتمع متآلفا مع هذه الطبيعة الاستبدادية لأنها مؤطرة بنظام تفكير تبريري سائد عند العلماء يومها ومحكوم بنظرية المستولي بالسيف والحرص على تجنب الفتن والاقتتال الذي لم يكون إلا مدمرا، في جميع الأحوال، ولم تكن بنيات المجتمع قادرة على تحمل تبعاته.

لكن لما بدأت تظهر الأطماع الاستعمارية الحديثة للمغرب، خاصة بعد احتلال الجزائر ومعركة “إيسلي” التي انهزم فيها الجيش المغربي وانكشف ضعفه وضعف الدولة حصل تحول كبير في علاقة السلطان بالمجتمع، لأن نظام البيعة سيعرف اهتزازا إذ ستتدخل الإرادة الشعبية في التأثير عليه. لذلك كان ما عرف بالبيعة الحفيظية والعزل العزيزي نقطة تحول في علاقة نظام الحكم بمفهوم البيعة.

3. البيعة الحفيظية والعزل العزيزي والاستعمار وتحول ماهية الاستبداد في المغرب

تشكل بيعة العلماء للسلطان عبد الحفيظ في مراكش والدعوة لعزل السلطان عبد العزيز ثم الاعتراض من طرف علماء فاس عليها ثم بيعتهم للسلطان عبد الحفيظ لحظة مفصلية في تاريخ المغرب السياسي الحديث، ذلك أن الأسباب المبررة التي اعتمدها علماء مراكش تستحضر لأول مرة عبر صياغات واضحة الواقع الاجتماعي والاقتصادي والمالي للبلاد، كما تستحضر شعور عامة الناس من هذا الوضع السيئ الذي يزداد سوءا مع تزايد الأطماع الاستعمارية.

فقد انتبه كثير من الباحثين إلى حضور المعطى المجتمعي في هذا خاصة لما بدأت تتصاعد وثيرة الاحتجاجات على سياسات السلطان عبد العزيز الذي فسح المجال واسعا للأطماع الاستعمارية، إلا أن وتيرة هجوم الاستعمار على المنطقة عامة وعلى المغرب خاصة كان أسرع بكثير من وتيرة تطور مفهوم “البيعة” كما صيغ في البيعة الحفيظية التي سميت بـ”البيعة المشروطة” حيث ظهرت فيها نبرة التعاقد لا نبرة مبايعة المستولي بالسيف فقط حتى اعتبرها علال الفاسي إخراجا لنظام الحكم من حكم الملكية المطلقة إلى حكم الملكية الدستورية.

ومع استفحال آثار الاستعمار دخلت الأمة في معركة أخرى تتعلق بالعلاقة مع المستعمر على الأرض ولم يبق أي مجال لمناقشة نظام الحكم من خلال تطوير مفهوم البيعة واكتشاف آليات عملية حتى يصبح نظام شورى، في حين أن الحركة ضد المستعمر أعادت الاعتبار لشخص الملك حتى أحاطت به الأساطير مثل ظهوره في القمر، وبعد خروج المستعمر كان قد هيمن خطاب سياسي ذو مرجعية تمتح من مفاهيم سياسية جديدة كليا على الخطاب السياسي التقليدي تبلورت ضمن السياق الغربي ولها جاذبيتها وحصلها أغلب رجال المقاومة السياسية عند وجودهم وإقامتهم مدة بالديار الغربية واحتكاكهم بالتاريخ السياسي الغربي الحديث وبمفاهيمه.

فبعد الاستقلال السياسي ستهيمن نخبة على التفكير في مستقبل المغرب السياسي تستند على مفاهيم كالديموقراطية وحقوق الإنسان وعلى أرضها تبني عملها السياسي، لذلك ستصبح الأحزاب اللاعب الجديد في الحياة السياسية المغربية مضافة إلى الملك ونخبته من العلماء والزعماء المكونين للمؤسسة الملكية، ومع مرور الزمن وتكاثر الأحزاب ستصبح مشروعية هذه الأحزاب لا تتعلق بخلفيتها الصراعية مع الاستعمار، أي برصيدها من مقاومته، لكن بشرعيتها الجماهيرية ارتباطا بالعمليات الانتخابية التي عرفها المغرب منذ خروج الاستعمار.

وبهذا أصبحت بنية النظام السياسي في المغرب تتكون من حقلين كبيرين مندمجين:

أ‌- الحقل الديني: إمارة المؤمنين.

ب‌- الحقل السياسي: الانتخابات التي سقفها قبة البرلمان، والمؤسسة الملكية القائمة على البيعة.

والمتمعن في البناء الدستوري والسلوك السياسي للمؤسسة الملكية يدرك أن الحقل الأول مهيمن على الحقل الثاني، لذلك لا يمكن أن ترقى الانتخابات في بنية النظام السياسي في المغرب إلى المس بماهية البيعة في حين أن مفهوم البيعة يمتد عبر بنود الدستور ليحدد المضمون السياسي للعملية الانتخابية ومن ثمة المضمون السياسي للديموقراطية في المغرب.

من هنا ندرك أن الخطاب السياسي النقدي في المغرب الذي راهن على تطوير السلوك الديموقراطي في العملية السياسية لم يؤثر بشكل جوهري لا في بنية النظام السياسي في المغرب ولا في بنية المجتمع إلا ضمن السياقات التي يرسمها النظام السياسي.

مما يعني أن العمليات الانتخابية لا تتعلق بنظام الحكم بقدر ما تتعلق بتنظيم حقل هامشي بالنسبة للنظام، لكنه هام مع تطور الحياة المجتمعية والسياسية، وهو التناوب على القيام بمسؤولية المؤسسات السياسية المنتخبة المساعدة ضرورة للمؤسسة الملكية في إدارة الحكم وتنظيم السلطة، مما جعل كل مراحل العمليات السياسية ومضامينها خاضعة لإرادة المؤسسة الملكية ورهينة باختياراتها وتحديد ما يناسبها في هذه المرحلة أو تلك، الأمر الذي عمق فساد العلمية السياسية.

وهو ما يعني أنه حصل تحول جوهري في الماهية الاستبدادية للنظام السياسي في المغرب، فبعد الاستعمار سيخرج من الإطار التقليدي لحركة مفهوم البيعة إذ ارتبط بأهل الحل والعقد كنخبة وسيط بين المؤسسة السلطانية فقط لترسيخ نظام الحكم في الحياة العلمية والسياسية والمجتمعية للأمة إلى إطار أوسع شمولا وهو إعطاؤه مضمونا سياسيا خاصا لمفهوم الديموقراطية كقاعدة منظمة لحركة الأحزاب وتنافسها على القيام بمهام سياسية وظيفية بالنسبة للمؤسسة الملكية.

وإذا أضيف هذا إلى أن المؤسسة الملكية لاعب محوري في مجال الثروة ومصادرها وتوزيعها والتداخل المشبك مع مصالح دول ومؤسسات خارجية سيصبح الأمر أشد تعقيدا؛ فلا يستطيع الخطاب السياسي المطالب بالديموقراطية نقده نقدا كافيا، كما لا يصمد الخطاب المستند على أي معنى ديني على نقده وتصويبه خارج نظام الموعظة والنصيحة الجزئية التي من طبيعتها أنها لا تغير شيئا بالنسبة للأنظمة السياسية الكلية.

4. خلاصة

خلاصة ما يسعى هذا المقال الذهاب إليه أن تقييم العمليات الانتخابية في المغرب والعمل على فتح آفاق تحررية لها ليس له فائدة كبيرة ما لم يحصل ضمن سياق مندمج يمكن من نقد جذري لمفهوم “البيعة” كقاعدة كلية تترسخ عليها الطبيعة الاستبدادية للنظام السياسي مهما كان المعنى الإنساني والقيمي والأخلاقي لشخص الملك، ومهما كان عليه واقع الانتخابات التي لا تفرز إلا موظفين سامين منتخبين مساعدين للمؤسسة الملكية.

وإن عزل المولى عبد العزيز وما وقع للمولى عبد الحفيظ بعد لا يتعلق بالماهية الأخلاقية لشخص الملك، لكن بما صارت إليه الأوضاع المترتبة على سوء التدبير المنعكس على الحالة الاجتماعية للمواطن، وعلى العلاقات الخارجية مع كل الطامعين في خيرات البلاد، وعلى نوع الثراء الذي يصبح عليه المقربون وحتى المنتخبون، خاصة أن في هذه الحالة يصبح نافذون في الحكم يعملون لمصالح الغير.

إن القراءة الصحيحة لتاريخنا وفق رؤية شمولية يمكنها أن تتقدم بنا خطوات نحو الحرية والكرامة والعدل عوض الركون إلى عملية سياسية أصبحت سوق كلام، وربما بهرجة تصرف عليها الملايير التي يحتاج إليها الوطن ليفك رقبته من الدين الخارجي الذي كان من أهم عوامل الانتفاضات على السلطان عبد العزيز.

ومعنى هذا أن فرض الحرية وترسيخ نظامها عبر الانتخابات لن يمر إلا عبر تطوير الحراك المجتمعي الذي يفرض على النخبة من العلماء والمثقفين والزعماء والسياسيين الركون إلى إرادته، لأنها لا تكون إلا موافقة للصواب لارتباطها بمطالب العدل والكرامة والحق وبمصالح الأمة في الحاضر والمستقبل.