أعلنت جماعة العدل والإحسان عبر وثيقة رسمية صادرة عن الأمانة العامة للدائرة السياسية عن مقاطعتها لما سمته عبث السابع من أكتوبر 2016) مؤكدة رفضها المشاركة في انتخابات صورية يقاطعها غالبية الشعب)، ويأتي هذا الموقف الذي اتخذ حسب الوثيقة بعد دراسة وتمحيص للسياق الدستوري والسياسي والإطار القانوني والتنظيمي لهذه الانتخابات انسجاما مع مبادئ الجماعة ومواقفها الرافضة لتزكية الفساد والاستبداد لذلك وانسجاما مع مبادئنا ومواقفنا، ورفعا لأية شرعية عن قوى الفساد الاستبداد، ورفضا لتزكية مؤسسات الأقلية التي تنبثق عن انتخابات شكلية يقاطعها السواد الأعظم من المغاربة).

موقف المقاطعة هذا كان مستندا إلى مجموعة من الاعتبارات الدستورية والسياسية والقانونية والتنظيمية والواقعية .

فعلى مستوى الدستور الذي يؤطر هذه الانتخابات فقد رصدت الوثيقة العديد من المعايب والاختلالات التي تكرس الحكم المطلق وتوفر البيئة الحاضنة للاستبداد والفساد بعيدا عن المساءلة والمحاسبة لتخلص في الأخير أنه دستور يكرس الاستبداد ولا يفضي إلا إلى انتخابات شكلية تزين صورة المستبدين، وتحاول إخفاء استبدادهم البشع) لأن طبيعة الانتخابات لا يمكن أن تكون إلا من طبيعة الدستور الذي تنظم وفقه. دستور يفتقد حسب الوثيقة للشرعية والمصداقية على اعتباره ممنوحا من مخزن خول لنفسه احتكار كل السلط والصلاحيات من خلال جعل المؤسسة الملكية فوق كل المؤسسات الأخرى التي أفرغت من مضمونها لتصبح مؤسسات صورية تُحال إليها أدوار ثانوية وتكميلية في مشهد سياسي رسمي مغرق في العبث).

فبقوة الدستور والقانون يمسك الملك بصلاحيات واسعة في علاقته بالبرلمان والحكومة والقضاء ومؤسسات الحكامة والمؤسسات العمومية ما يعني ضرب مقوم من المقومات والمبادئ الأساسية للديمقراطية وهي فصل السلط واستقلاليتها. فالملك هو الذي يرأس المجلس الوزاري الذي يحسم في السياسات العامة والقضايا الاستراتيجية وهو من يعين نصف أعضاء المحكمة الدستورية ورئيسها وله الحق في حل مجلسي البرلمان أو أحدهما وله أن يخاطب البرلمان دون أن يكون مضمون خطابه موضوع أي نقاش، وهو من يقوم بتعيين رئيس الحكومة وأعضائها وله الحق في إعفائهم دون ضوابط دستورية دقيقة ومضبوطة وهو الذي يرأس المجلس الأعلى للأمن والمجلس العلمي الأعلى وهو من يتولى الإعلان عن حالة الاستثناء وحالة الحصار بل أكثر من ذلك هو الحكم الأسمى والساهر على تطبيق الدستور وإعمال القانون.

أما على المستوى السياسي فالوثيقة ترصد مجموعة من الاختلالات البنيوية التي تفرغ الانتخابات من جدواها وفاعليتها وتنافسيتها؛ فقواعد اللعبة السياسية “ديمقراطية” مغربية جد موجهة وجد مقننة، كرّست بشكل قانوني وسياسي غير سليم هيمنةً سلطويةً للمخزن داخل النسق السياسي المغربي على باقي الفاعلين؛ حيث لا يوجه النقد للمؤسسة الملكية، ولا حتى لمحيطها، وإنما لسلوك الحكومة وحدها، علما بأن الصلاحيات الحقيقية هي بيد البلاط الملكي لا بيدها. أما الأحزاب السياسية فهي لا تسعى إلى الحكم لكي تحكم كما هو الشأن في البلاد الديمقراطية، وإنما لتشارك فقط في هامش من السلطة ضيق جدا وفي نطاق مؤسسات دستورية صورية).

كل ذلك في ظل احتكار المخزن للسلطة والثروة والإعلام والتضييق على المعارضين وقمعهم.

أما من الجهة القانونية فالوثيقة تقف بتفصيل على أدوات المخزن وآلياته لضبط الخريطة السياسية وهندستها على المقاس. فحتمية الانتخابات هي إذا خارطة انتخابية متحكم فيها تكرّس الاستبداد والفساد رغم ما يبدو من تغيير في الوجوه والأشكال والشعارات والوعود).

فاحتكار وزارة الداخلية لإدارة دواليب العملية الانتخابية والتقطيع الانتخابي ونمط الاقتراع كلها آليات تندرج في هذا السياق.

وفي الأخير تؤكد الوثيقة على أن موقف المقاطعة لا يعني العزلة والانعزال وإنما هو موقف واع ومسؤول يفرض مزيدا من التحرك والانخراط والإسهام إلى جانب كل الفضلاء والغيورين من أجل الضغط لتوسيع هامش الحريات وتحقيق ديمقراطية حقيقية.