تتألف كلمة حب من حرفين فقط، إلا أنها تعني في الإسلام شيئا عظيما، فهي أصل من أصول الدين، وحقيقة من حقائق الإيمان. فهذه الكلمة للأسف مسخت عند أهل الأهواء فاعتبروها ميل الذكر للأنثى فقط، أو حصروها في الجانب الحسي، بينما هي في الأصل شيء أعظم وأزكى من ذلك، فبذكرها يلهج العابدون، ويوصي بها الصالحون، ويسعى إلى ترسيخها المتقون.

فالحب من أساسيات الدين الإسلامي، وقد كان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم محبا لأهله وأزواجه، وأصحابه وكل الناس، وكانت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها أحب نسائه إليه.

أنواع الحب

– حب الله ورسوله

تعتبر محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلى درجات الحب وأكثرها أجرا، وأوجبها على المسلم، فالطريق إلى الله عز وجل تبدأ من حب الله ورسوله، وتنتهي بحب الله ورسوله، فحب الله ورسوله حلقة واحدة، لا يمكن الفصل بينهما، ولا يمكن أن تتحقق واحدة دون الأخرى، وهي موجبة لحب الله لعبده، وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخيه والشوق إليه.

قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ 1 .

– حب المؤمنين لبعضهم

لقد حرص الإسلام على تنمية الحب بين المؤمنين، لدرجة أنه حذر من كل ما يتسبب في إفساد هذا الحب مثل النميمة وغيرها من الأمراض التي تبني العداوة بين المؤمنين، وأوجب الصلح بينهم إذا نزغ الشيطان بينهم.

إننا في زماننا الحالي نحتاج إلى من يحيي معاني الحب في الله بين المؤمنين من جديد، كما كان الصحابة رضوان الله عليهم فيما بينهم. فعن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما تحابا اثنان في الله تعالى إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه”. فالحب في الله ليس رابطة تجمع المؤمنين لمصالح مادية، وإنما هي رابطة إيمانية، تكون لله، لا لشيء آخر، فما كان لله دام واتصل وما كان لغيره انقطع وانفصل. ومن ذلك حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: “رجلان تحابا في الله اجتمع عليه وتفرقا عليه” 2 .

– الحب في الحياة الزوجية

رغم بساطة حياة النبي صلى الله عليه وسلم وانشغاله الشديد بأمور الدعوة الإسلامية، إلا أن حياته مع زوجاته أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن كانت تتسم بالحب، وتوجد مواقف عديدة تبين هذا الود منها:

1- إظهار الحب لزوجاته صلى الله عليه وسلم

من أشهر القصص حديث أم زرع الطويل، وفي نهايته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: “كنْتُ لكِ كأَبِي زرعٍ لأمِّ زرعٍ” 3 .

2- اللعب مع أهله

روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ في سفرٍ وهي جارية، قالت: “لم أَحْمِلِ اللَّحمَ، ولم أَبْدُنْ، فقال لأصحابه: (تقدَّموا)، فتقدَّموا، ثم قال: (تعالَيْ أُسابقك)، فسابقتُه، فسبقتُه على رجلي، فلما كان بعدُ – وفي رواية: فسكت عني حتى إذا حملتُ اللحمَ، وبَدُنْتُ، ونسيتُ – خرجتُ معه في سفرٍ، فقال لأصحابِه: (تقدَّموا)، فتقدَّموا، ثم قال: (تَعالَيْ أسابقك)، ونسيتُ الذي كان، وقد حملتُ اللحمَ، فقلتُ: كيف أُسابقُك يا رسولَ الله وأنا على هذا الحالِ؟ فقال: (لَتفْعَلِنَّ)، فسابقتُه، فسبقَني، فجعل يضحكُ، وقال: (هذه بتلكَ السَّبقة)” 4 .

3- التعبير عن حبه لأزواجه

من ذلك ما روي عن عمرو بن العاص أنه أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: “أيُّ الناسِ أحَبُّ إليك؟ قال -أي النبي-: (عائشة)، قلتُ: مِنَ الرجالِ؟ قال: (أبوها)” 5 .

– حب الوالدين والإحسان إليهما

نظرا لأهمية حب الوالدين ، وقيمته في سعادة المجتمع، اعتبر الاسلام حبهما قيمة عليا في رسالته، وساميا من أهدافه، فالأب والأم هم أساس الأسرة.

لقد بذل الوالدان كل ما أمكنهما على المستويين المادي والمعنوي لرعاية أبنائهما وتربيتهم، وتحملا في سبيل ذلك أشد المتاعب والصعاب، حتى أن الله تعالى قرن طاعتهما والإحسان إليهما بعبادته وتوحيده بشكل مباشر فقال: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا وقال تعالى وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا.

– الحب بين الجنسين

إن الحب من المشاعر القلبية التي لا سيطرة للإنسان عليها، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

وقد ضرب الله مثالاً في قصة إعجاب ابنة شعيب بموسى عليه السلام على الحب كمشاعر تلامس القلوب، فكانت نتيجته تعريضها بشمائله وعرض والدها الزواج على موسى عليه السلام؛ فأنفق من عمره الشريف عشر سنين في سبيل حبه لها.

فالحب بين الجنسين لا بد أن يترجم بالزواج وفق ضوابط الشريعة الإسلامية، وقد جاء تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم لهذا المفهوم وذلك بقوله: “لم يُرَ للمتحابين مثل النكاح” 6 .

ومن قصص الحب التي حدثت في عهد الصحابة رضوان الله عليهم أنه أُتيَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بغلام من العرب وجد في دار قوم بليل فقال له: ما قصتك؟! فقال: لست بسارق، ولكني أصدقك:

تعلقت في دار الرباحي خَــودة ** يدل لها من حسنها الشمس والقمر
لها من نبات الروح حسن ومنصب ** إذا افتخرت بالحسن صدقها الفخر
فلما طرقت الدار من حب مهـجة ** أتيت وفيها من توقــدها جمـر
تبادر أهـل الـدار لي ثم صَيَّـحوا ** هو اللص محتوم له القتـل والأسر
فلما سمع علي شعره رقَّ له، وقال للمهلب بن رباح: اسمح له بها نعوضك منها. فقال يا أمير المؤمنين سله من هو لنعرف نسبه؟!

فقال: النهاس بن عيينة العجلي. فقال: خذها فهي لك.

ومن غرائب القصص ما ذكر أن المهدي خرج إلى الحج حتى إذا كان في السفر يتغذى فأتى بدوي فناداه: يا أمير المؤمنين، إني عاشق! ورفع صوته.

فقال للحاجب: ويحك ما هذا؟!

قال: إنسان يصيح إني عاشق!

قال: أدخلوه. فأدخلوه عليه، فقال: من عشيقتك؟! قال: ابنة عمي. قال: أولها أب؟ قال: نعم، قال: فما له لا يزوجك إياها؟! قال: هاهنا شيء يا أمير المؤمنين. قال: ما هو؟ قال: إني هجين. قال له المهدي: فما يكون؟! قال: إنه عندنا عيب.

فأرسل المهدي في طلب أبيها فأُتي به، فقال: هذا ابن أخيك؟ قال: نعم.

قال: فلم لا تزوجه كريمتك؟! فقال له مثل مقالة ابن أخيه. وكان من ولد العباس وعنده جماعة.

فقال: هؤلاء كلهم بنو العباس وهم هجن ما الذي يضرهم من ذلك؟

قال: هو عندنا عيب.

قال: زوجه إياها على عشرين ألف درهم، عشرة آلاف للعيب، وعشرة آلاف مهرها.

قال: نعم.

فحمد الله وأثنى عليه وزوجه إياها. فأتى ببدرتين فدفعهما إليه، فأنشأ الشاب يقول:

ابتعت ظبيـة بالغــلاء وإنما ** يعطي الغـلاء بمثلها أمثـالي
وتركت أسواق الصباح لأهلها ** إن الصباح وإن رخصن غوالي
إن الحب من المعاني العظيمة التي يسعد الإنسان بها، وهي من الصفات التي لا تنفك عن ابن آدم، فكل آدمي لا بد أن تجري هذه المعاني عليه؛ الحب، والبغض، والرضا، والكره، والفرح، والشدة، والحزن…

والحب يسمو بالنفس ويحلق بها في فضاء من السعادة والجمال، ويضفي على حياتنا بهجة وسرورا، ويكسو الروح بهاء وحبورا.


[1] آل عمران 31-32.\
[2] حديث رواه البخاري ومسلم.\
[3] رواه البخاري.\
[4] صحيح: السلسلة الصحيحة 254/1.\
[5] رواه البخاري.\
[6] رواه ابن ماجة.\