يزخر ميراث الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله بمناقشة جملة من القضايا الأساسية المرتبطة بالعلوم الإسلامية عموما، ومنها علم أصول الفقه؛ وذلك لما له من أهمية كبرى في المنهج الاجتهادي، ولما تمنحه المنهجية الأصولية أيضا من خصوبة وقابلية لتوليد الأحكام في كل مجالات الحياة.

ويشكّل مجموع المناقشات والمطارحات المبسوطة في مؤلفاته مناط التجديد الذي يرومه في هذا الحقل المعرفي من التراث العلمي الإسلامي، ويأتي هذا المقال للحديث عن أحد المبادئ الأصولية التي أثار الإمام النقاش حولها، وهو مبدأ العمل بالمصالح الشرعية، فما المقصود بمفهوم المصلحة؟ وماذا عن موقف العلماء منها؟ وما هو المحدّد المعياري للمصلحة في نظر الإمام رحمه الله؟ أو بعبارة أخرى كيف تقدر المصالح والمفاسد؟ ثم ما موقف الإمام رحمه الله من رافعي لواء المصلحة المتحررة من وصاية كل دين وخلق؟

أولا: الناظم الدلالي لمفهوم المصلحة

قال ابن فارس: الصاد واللام والحاء أصل واحد يدل على خلاف الفساد)، والمصلحة لغة واحدة المصالح، وهي مصدر بمعنى الصلاح، وقد ورد في مفردات الراغب: الصلاح ضد الفساد، وهما مختصان في أكثر الاستعمال بالأفعال)، يقال أصلح أي أتى بالصلاح وهو الخير والصواب، وفي الأمر بالمصلحة أي نفع، ورأى المصلحة في كذا واحدة المصالح أي الصلاح، ونظر في مصالح الناس وهم من أهل المصالح لا المفاسد.

والمصلحة بهذا المعنى تطلق على كل ما فيه نفع للإنسان سواء بالجلب والسعي؛ كتحصيل أسباب السعادات، أو بالمنع والدفع كدرء الآلام والمفسدات.

أما في اصطلاح علماء الأصول؛ فالمراد بالمصلحة المحافظة على مقصود الشارع، قال الإمام الغزالي رحمه الله بعد كلام: نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع). وعرّفها الإمام الشاطبي رحمه الله بقوله: المراد بالمصلحة عندنا؛ ما فهم رعايته في حق الخلق من جلب المصالح ودرء المفاسد على وجه لا يستقل العقل بدركه على حال، فإذا لم يشهد الشرع باعتبار ذلك المعنى؛ بل يردّه، كان مردودا باتفاق المسلمين).

وبهذا؛ يتبين أن مفهوم المصالح يقوم على مبدأي جلب المنافع ودرء المفاسد على وجه لا يستقل العقل بإدراكه بل يستعان على التوصل إليه بالشواهد الدالة على مقصود الشارع، و إلى هذه الخلاصة أشار الإمام ياسين رحمه الله، وذلك من خلال تأكيده أن المصلحة هي الشريعة، كلام الإمام الشريعة هي: وفي حدودها يجتهد العقل؛ لأنه لا يستقل بدركها على حال كما نصّ الشاطبي رحمه الله.

تابع تتمة المقال على موقع ياسين نت.