تقديم

من العوائق الأساسية والبنيوية التي تعيق عمل الحكومة والبرلمان على السواء، وبالتالي تجعل العملية الانتخابية غير ذات جدوى هي قضية التشريع القانوني؛ ففي الديمقراطيات الغربية، يلعب البرلمان دورا أساسيا في الأداء التشريعي، سواء باقتراح القوانين على مختلف درجاتها، أو بمناقشة الجدوى من إصدار القوانين المقترحة من طرف السلطة التنفيذية، حيث يمكن إلغاؤها، أو إدخال تعديلات عليها، قبل التصويت عليها؛ كما أن له سلطة مهمة في مراقبة أداء السلطة التنفيذية، وذلك بإيجاد التوازن المطلوب بين المؤسسات الدستورية للبلاد، وقد شكل، مثلا، وسيلة لتقييد سلطات الملكيات المطلقة وإضعافها مثلما ما حدث في بريطانيا منذ 1215 إلى 1689، أما في الحالة المغربية، فالحكومة والبرلمان يجدان أمامهما عوائق دستورية كثيرة، تحول دون أداء مهامهما، ذلك ما سنحاول معالجته من خلال الورقة الآتية.

العوائق الدستورية للتشريع الحكومي والبرلماني

يعتبر مجموعة من المتتبعين للشأن الدستوري، أن دستور 2011 يعتبر ممنوحا وغير ديمقراطي، نظرا للأدوار المهمة الممنوحة للملك، والتي تساهم في تقييد أدوار باقي المؤسسات الدستورية، خاصة الحكومة والبرلمان.

صلاحيات الملك التشريعية

منح دستور 2011 صلاحيات واسعة في مجال التشريع للسلطة الملكية، وهي سلطة أخرى غير السلطة التنفيذية الممثلة في الحكومة، ويظهر ذلك من خلال الفصول الآتية:

– يبين الفصل 42 أن الملك هو رئيس الدولة، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، بمعنى أن الملك هو الذي يفصل في أي نزاع قد ينشأ بين المؤسسات الدستورية للبلاد، بينما في الديمقراطيات الغربية فإن النزاع الدستوري يتم معالجته غالبا في مؤسسة دستورية محايدة، وبذلك ينشأ ما يعرف بتوازن السلط والفصل بينها؛ وحتى على افتراض أن هذه المؤسسة موجودة بالمغرب، وهي المجلس الدستوري، إلا أنها تعتبر مؤسسة ملكية بامتياز، حيث أن الملك يعين نصف أعضائها، ومن بينهم رئيس المجلس.

– الفصل 48 يبين صلاحيات المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك بحضور المجلس الحكومي، هذا منطوق الفصل، لكن الواقع أثبت حضور مستشاري الملك، وهم رجال الدولة الفعليون، أو “حكومة الظل” كما يوصفون، ليست لهم أدوارا محددة، وليس لهم قانون واضح ينظم اختصاصاتهم؛ والمجلس الوزاري له صلاحيات واسعة، يهيئ الملك جدول أعماله، وله أن يعقده متى شاء، ويتدارس في قضايا محددة في الدستور، إلا أن المثير، هو أن المجلس الوزاري له وصاية كاملة على المجلس الحكومي، الذي يرأسه رئيس الحكومة ، فقبل مدارسة القوانين المزمع تشريعها من طرف هذا الأخير، يجب إقرارها والمصادقة عليها في المجلس الوزاري (انظر الفصل 92 من الدستور).

– الفصل 50 يعطي للملك صلاحية تنفيذ القانون خلال الثلاثين يوما التالية لإحالته إلى الحكومة بعد تمام الموافقة عليه، يعني أن الحكومة هي فقط محطة للموافقة على قانون ما، وتسبقه محطات أخرى للإعداد لا تساهم فيها؛ وبمفهوم المخالفة، فإن الملك إذا اعترض على القانون فإنه لا يمكن إصداره. ويعزز هذا الرأي الفصل 95 الذي مضمونه أن: للملك أن يطلب من كلا مجلسي البرلمان أن يقرأ قراءة جديدة كل مشروع أو مقترح قانون. تُطلب القراءة الجديدة بخطاب، ولا يمكن أن ترفض هذه القراءة الجديدة).

صلاحيات الأمانة العامة للحكومة التشريعية

انطلاقا من طبيعة المهام التي تقوم بها الأمانة العامة للحكومة، فهي توجد في ملتقى جميع مؤسسات الدولة، باعتبار أن مهمتها الأساسية تكمن في تأمين حسن سير العمل الحكومي. وتضطلع الأمانة العامة للحكومة، حسب ما جاء في قانونها التنظيمي، بمهام تنسيق عملية تحضير مشاريع النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بمختلف القطاعات الوزارية والقيام بمهمة تتبع مسار كل مشروع نص قانوني والتحقق من مطابقته لأحكام الدستور وعدم منافاته للنصوص التشريعية المعمول بها وكذا ترجمته إلى اللغة الفرنسية. لذا فإن دورها يكمن في مواكبة كل مشروع نص منذ مرحلة إعداده إلى حين صدوره بالجريدة الرسمية. والأمين العام للحكومة موظف سام يعينه الملك، وهو عضو دائم في الحكومات منذ الاستقلال، وقد أعطيت له مرتبة وزير منذ 1966، وتعاقب على هذه المهمة 5 أمناء عامين ضمن الثلاثين حكومة المتعاقبة على “حكم” المغرب، آخرهم السيد إدريس الضحاك المعين منذ 20 غشت 2008؛ وتعتبر هذه المؤسسة مقبرة أو ثلاجة للقوانين، فلها صلاحية إلغاء القوانين المقترحة، أو تعديلها، أو إبقاؤها في الأرشيف دون مناقشتها، و يتهمها المتتبعون بتسييس القوانين من خلال الخضوع للوبيات الاقتصادية والسياسية وإخراج قوانين على مقاس مصالح هذه اللوبيات، ناهيك عن قلة الكفاءة لدى العاملين في هذه الوزارة 1 ؛ حيث قال الدكتور عثمان الزياني أستاذ القانون الدستوري بالكلية متعددة التخصصات بالراشيدية: أن القوانين التنظيمية يجب أن تمر كلها بالمجلس الوزاري الذي يترأسه الملك، مما أثار غضب البرلمان وسط سيل من الاتهامات بانحياز الأمانة العامة للحكومة، وعدم استقلاليتها، واتهامها بأنها تعتبر مقبرة حقيقية للقوانين، أو بتعبير آخر “ثلاجة القوانين”)، فضلا عن طبيعة وجودة القوانين التي تقوم الأمانة العامة للحكومة في اعتمادها، والتي رأى فيها البرلمانيون أنها معيبة من حيث الصياغة واللغة) 2 .

على سبيل الختم

يتيبن من خلال هذه الورقة أن الحكومة والبرلمان لا يتوفران على صلاحيات حقيقية للتشريع، وإنما يخضعان لسلطة الملك والأمين العام للحكومة، وهما شخصيتان غير منتخبتين، ومن الكذب الواضح والافتراء الفاضح أن تدعي الحكومة أن لها الفضل في التشريع وإصدار القوانين؛ فما الجدوى من الانتخابات المنتجة لمؤسسات دستورية شكلية محكومة؟


[1] الدكتور خالد الإدريسي، جريدة العلم، بتاريخ 2014/5/8.\
[2] حسن الأشرف، جريدة هسبريس الإلكترونية، 2013/11/18.\