تفاعلا مع موقف جماعة العدل والإحسان المقاطعة لانتخابات 7 أكتوبر التشريعية والداعية إلى مقاطعتها، وتوضيحا لموقفها وتبيانا للأسس التي ينبني عليها هذا الموقف، وتحليلا لموقف المشاركة أيضا ونتائجه، أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الدكتور عبد الواحد متوكل رئيس الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان. هذا نصه:

ركزتم في الوثيقة الصادرة عنكم الخاصة بانتخابات 7 أكتوبر على الإطار الدستوري والسياسي للانتخابات، وهو ما تكرر في وثائق سابقة سواء في انتخابات 2011 التشريعية أو 2015 الجماعية. لماذا هذا التركيز؟ وكيف يؤثر الإطار العام الدستوري والسياق السياسي على الانتخابات؟

ركزنا على الوثيقة الدستورية لأنها تعكس بالنص الصريح طبيعة النظام السياسي القائم أو الجاثم على رقابنا في هذا البلد. وذلك ليعلم أننا لا نتجنى ولا نفتات وإنما نتحدث عما هو منصوص عليه بالفعل في الدستور ولا نتكلم من فراغ. والذي يقرأ قراءة سريعة مواد هذا الدستور، سيرى بنفسه أنه أمام وثيقة تؤصل للاستبداد وحكم الفرد، وتهمش المؤسسات السياسية الأخرى، وتمنع بالتالي الشعب المغربي من المشاركة في إدارة شؤونه. الوثيقة تنص بالصريح الواضح على أن كل الصلاحيات الهامة هي بيد المؤسسة الملكية ومن يحيط بها دون أن تكون هذه المسؤولية موضوع محاسبة. الوثيقة تبين أن الذي ينتخب لا يحكم وأن غير المنتخب هو الذي يحكم بالفعل، وأن الحكومة شكلية والقرار الحقيقي ليس بيدها. والوثيقة الدستورية هي التي تبين أن البرلمان بصلاحياته المنقوصة بالقوة والفعل لا يمكن أن يؤدي وظيفته المنوطة به كما هو متعارف عليها في الأنظمة التي تحترم شعوبها. لهذه الأسباب وغيرها نحيل على وثيقة الدستور ليعلم من لا يعلم أننا لانطلق الكلام جزافا، وإنما نتحدث عما هو مكتوب ومدون وبوسع أي أحد أن يعود إليه ليحكم بنفسه. ثم إننا لسنا وحدنا من يقول هذا الكلام. فإذا رجعنا إلى كثير من الدراسات العلمية التي تناولت الدستور المغربي بالدراسة والتحليل منذ صدوره، فسوف نجد من العبارات التي تتكرر في كلها، وأقول في كلها، وهي أن دستور 2011 احتفظ للملك بسلطات شبه مطلقة أو واسعة جدا أو عبارات من هذا القبيل لتأكيد نفس المعنى.

أما تركيزها على السياق السياسي لأنه هو المعيار الآخر الذي يحيل على الممارسة ويختبر الأقوال والشعارات ويبين صدقها أو كذبها. لقد سمعنا رئيس الحكومة السيد عبدالإله بنكيران يقول مرارا إنه لا يحكم وأن الذي يحكم هو الملك، وأن هناك دولتين، دولة يرأسها الملك ودولة لا يعرف من يرأسها لكنها حاضرة بثقلها دون أن تكون موضوع محاسبة. ورأينا كيف قد تمرد عليه بعض وزرائه في أكثر من مناسبة وفي قضايا هامة ولم يستطع القيام بأي شيء، بل إنه يلتمس لذلك بعض التفسيرات التي لا يمكن أن يقتنع بها هو نفسه فضلا عن الآخرين. والسياق السياسي هو الذي يبين أن كثيرا من الشعارات المرفوعة مثل الانتقال الديمقراطي ودولة الحق والقانون وفصل السلط واستقلال القضاء وغير ذلك ما هي إلا شعارات للاستهلاك ليس إلا. فالواقع وما يعج به من متناقضات وتوترات سياسية واجتماعية والضغوط التي يتعرض لها المعارضون من سياسيين ومثقفين وعلماء، والتضييق الذي يمارس على الجمعيات والصحافة لكي لا تتجاوز الحدود المرسومة، والمضايقات التي تستهدف المنظمات الحقوقية التي تفضح انتهاك حقوق الناس والشطط في استعمال السلطة… وغير ذلك من الظواهر الموجودة بالفعل على أرض الواقع كلها تؤكد غياب الإرادة السياسية لدى الحاكمين ومن يدور في فلكهم للإصلاح ومحاربة الفساد. إذن فنحن نجمع بين المكتوب والممارسة لتكتمل الصورة وتنجلي طبيعة النظام الاستبدادي الذي ابتلينا به.

تحدثتم عن صورية المؤسسات التي تفرزها الانتخابات سواء كانت برلمانا أو حكومة، يخالفكم البعض الرأي ويرى أن دستور 2011 منح صلاحيات أوسع لهذه المؤسسات ويؤكد أن الإشكال في الفاعل السياسي الذي يحجم عن تفعيلها وليس في النص الدستوري؟

لا أريد أن أكرر ما قلته. نحن لسنا بصدد قضية تحتمل تأويلات متعددة. نحن أمام نصوص صريحة تبين أن للحكومة صلاحيات محدودة جدا مقارنة مع صلاحيات الملك التي تكاد تكون لا محدودة. ثم ما أعطي بيد لهذه المؤسسات على هزاله أخذ بيد أخرى. فمع كل حق يقره الدستور أو صلاحية يمنحها تجد في الدستور نفسه أو في الإجراءات القانونية والتنظيمية أو الممارسة ما ينسفها من الأساس. فحرية الانتخاب يقابلها نظام انتخابي فاسد يجعل العملية الانتخابية كلها بدون معنى، وكون الملك ملزم بنص الدستور أن يعين رئيس الحكومة من الحزب الفائز لا يعني شيئا لأنه سيضطر للتحالف مع أحزاب فاسدة أو معروفة بولائها اللامشروط للنظام، وبالتالي فإنه يمكن إسقاط الحكومة في أي لحظة لاسيما إن بدا للماسكين الحقيقيين بدفة الحكم أنها أصبحت مزعجة أو لم تعد تخدم الأهداف المرسومة لها. وأنا هنا لا أبرئ المشاركين في المؤسسات الرسمية من المسؤولية من حيث إنهم يحجمون كما تقول عن ممارسة حتى تلك الصلاحيات المخولة لهم على محدوديتها، ولكن يبدو أنهم مصرون على المشاركة أيا ما كانت الظروف ورغم كل المعوقات والكوابح التي تحدثنا عن بعضها والمانعة من القيام بالإصلاحات الضرورية التي يحتاجها البلد. ربما يطمعون بهذا الإصرار في إنجازات تجعل من المشاركة في المؤسسات المغشوشة خيارا مستساغا. وذلك في تقديري الضعيف مستبعد جدا. فالخمس سنوات الماضية مدة كافية لاختبار هذا الرهان.

قلتم أيضا أن الإطار القانوني والتنظيمي الذي ينظم بشكل مباشر العملية الانتخابية يؤدي دور “ضبط قانوني قبلي لهندسة خارطة انتخابية على المقاس”. كيف ذلك؟

في اعتقادي الإطار القانوني يترجم بصورة أوضح ما يعتمل في رؤوس الحكام والأهداف الحقيقية التي يتوخونها من وراء الانتخابات. فإذا كانت الوثيقة الدستورية تكرس بالنص ثوابت الحكم الاستبدادي، فإن الإجراءات القانونية والتنظيمية تأتي لتخدم تقنيا هذا الهدف. وهكذا لتفادي أي مفاجآت تكون غير سارة للحكام، فإن وزارة الداخلية تتولى، كما دأبت على ذلك منذ ستين سنة، رسم خارطة سياسية مبلقنة عملا بقاعدة فرق تسد الشهيرة، ومنعا من وصول أي حزب إلى الأغلبية التي تمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده. ولتحقيق ذلك تعتمد وزارة الداخلية عدة آليات منها نمط الاقتراع، والتقسيم الانتخابي الذي يقوي فرص الأطراف المرغوب فيها ويضيق على أخرى وغير ذلك مما يساعد على الضبط القبلي لمخرجات العملية الانتخابية. وهناك إجراءات أخرى مفضوحة لا يمكن أن يصدق أحد أنها لضمان النزاهة والشفافية وقطع الطريق على إمكانية التلاعب بالنتائج. فكيف نفسر مثلا هذا الإصرار العجيب على توزيع الناخبين على حوالي 40 ألف مكتب اقتراع في مجموع التراب الوطني، علما بأنه لا يستطيع أي حزب مهما بلغت شعبيته، إن كانت له، أي يرسل مندوبين عنه إلى كل المكاتب ليراقبوا سير الاقتراع وحضور عد الأصوات؟ ألا يفتح هذا الباب واسعا للتلاعب بالنتائج، لاسيما إن استحضرنا أن السلطات المحلية الخاضعة لتعليمات وزارة الداخلية هي التي تقوم بالتعيين في مكاتب التصويت؟

رغم المثالب التي تسجلونها، يرى المشاركون في العملية الانتخابية أن المشاركة أفضل من المقاطعة وأن سياسة الكرسي الفارغ لا تقدم شيئا وتتعارض مع منطق السياسة القائم على التدافع وتوسيع دائرة المكتسبات خطوة خطوة ولبنة لبنة ولا تأتي ضربة لازب؟

أعتقد أن الادعاء بأن المقاطعة في الحالة المغربية لا تقدم شيئا ادعاء لا يستند على أساس. لقد تبث بالتجربة أن سياسة “ملء الكرسي” بشروط المخزن هي التي لم ولن تقدم شيئا. وليث الفشل انحصر في الأداء، إذن لهان الخطب ولكان بالإمكان تكرار المحاولة. لكن العطب امتد إلى الكيانات الحزبية التي ركبت هذه المغامرة. فلا هي حافظت على مصداقيتها وعلى امتدادها الشعبي ورصيدها النضالي، ولا هي حققت مكتسبات معتبرة يكون فيها عزاء لبعض ما ضاع وتغري المخالفين أن يحذوا حذوها. فأين هذه المكتسبات التي يتحدثون عنها وعن إمكانية توسيع دائرتها في قطاع التعليم وفي قطاع الصحة وفي الإدارة وفي محاربة اقتصاد الريع ونهب ثروات البلد وتهريب الأموال خارج الوطن والرشوة والمحسوبية؟ أين هي هذه الإنجازات في القضاء على الأمية والإجرام وأوكار الفساد وأحزمة الفقر التي تتمدد باستمرار وحوادث السير وظاهرة القمامة؟ وأين هذه المكتسبات في التقارير الدولية التي يحتل فيها المغرب المراتب المتأخرة في أكثر من مجال؟ إن الخبر ما ترى لا ما تسمع، وإذا جاز لأي جهة أن تتحدث عن مكتسبات، فإن النظام أولى بذلك، إذ هو الذي تمكن من خلال إدماج تيارات سياسية وحزبية وحتى ثقافية ودينية كانت لها صولة ومكانة في القلوب فسقطت في أعين الناس ولم يعد يلتفت إليها أحد.