أصبحت جودة التعليم الملقن لأبناء المغاربة، بمثابة الهم الأول بين أولويات المعيش اليومي للأسر المغربية، وصارت تخصص مبلغا شهريا من ميزانيتها الشهرية، وإن قلَّت، في سبيل أن يحظى أبناؤها بما يساعدهم ويدفعهم قدما نحو التحصيل العلمي، بعدما أخذت أعطاب التعليم العمومي تكبر، وصار الهاجس هو التوجه إلى المدرسة الخاصة، لينال التلميذ حقه من تعليم ضاع في المدرسة العمومية، التي أُهملت بسبب انعدام سياسة إصلاحية جدية وفعالة. لكن، هذا الهروب نحو التعليم الخصوصي، كملاذ تعليمي آمن، يخفي وراء ستاره معاناة أخرى للأسرة المغربية..

رحلة البحث عن مدرسة خصوصية آمنة

يعد اختيار المدرسة الخصوصية، أصعب اختيار يتخذه الآباء، لضمان تحصيل تعليمي جيد لأبنائهم، بعدما انتشرت هذه المدارس بشكل كبير في مختلف الأحياء، وتجاوز عددها عدد المدارس العمومية، حيث تصيب أغلب الأولياء الحيرة، خوفا من تسجيل الابن بمدرسة قد يكتشف فيما بعد بأنها لا تلبي الحاجيات التي قصدها من أجلها.

بشارع ابن تاشفين بالدار البيضاء التقينا أمّا خرجت لتوها من مدرسة خاصة، بعدما أودعتها ابنها، سألناها عن سبب اختيارها لهذه المؤسسة الخاصة فردت قائلة قمت بعدة زيارات لمؤسسات خاصة مختلفة، لم أجد فيها ما يشجعني على تسجيل ابني بها، وبعد حيرة وبحث مضني، اخترت هذه المؤسسة، لأنني وجدت بداخلها الفضاء التربوي الآمن لابني، فهو في بداية مشواره الدراسي، ومهم جدا أن يبنيه على قاعدة تعليمية صحيحة).

الإشكال ذاته قابل زوجان التقيناهما بالقرب من مؤسسة خاصة بحي عين السبع، الزوجان عبرا لموقع الجماعة نت عن حجم الصعوبات التي واجهتهما لاختيار المؤسسة التي يستأمنانها على ابنهما سجلنا ابننا في السنة الماضية بإحدى المؤسسات الخاصة، التي عرضت علينا مبلغا شهريا يناسب وضعنا الاجتماعي، لكن بعد 3 أشهر لم يعد يرغب في الذهاب إليها، فاضطررنا إلى توقيفه بعدما اكتشفنا غياب بيداغوجية تربوية، عبر تعليم الأطفال بطرق متطورة بما فيها الجانب الترفيهي، لدفع الطفل للتأقلم وتحفيز رغبته في التعلم). أمام هذا الواقع اضطرا الزوجان لنقل ابنهما هذا الموسم لمؤسسة أخرى، لكن لم تكن المهمة سهلة في رحلة بحث عن مدرسة آمنة، يقول الزوجان في هذا الإطار اضطررنا قبل بداية هذا الموسم، إلى زيارة مدارس كثيرة، وكلما سمعنا بمدرسة جيدة توجهنا إليها، لكن لم نجد الأنسب لابننا، والأكثر ملاءمة لظروفنا الاجتماعية، فلم نجد في الأخير، غير اختيار تسجيله بمؤسسة وجدناها تستجيب لكثير من شروطنا، وان كانت لدينا بعض الملاحظات عليها).

ويختم الزوجان حديثهما لنا حول هذه المعاناة التعليم الخصوصي أضحى اليوم بديلا عن العمومي، ولو أن الدولة وفرت على الأقل نصف الشروط التي نبحث عنها لاخترناها، بدل أن نصرف كل شهر ضعف الثمن الذي كنا ندفعه للمدرسة الأولى السنة الماضية، وهو ما أثر على ميزانيتنا الشهرية، وفرض علينا إعادة تحيين برنامجنا المعيشي).

بين الاستثمار والوظيفة التربوية

مع هذا الكم الهائل المنتشر للمدارس الخصوصية، أصبح سؤال جودة ما تقدمه محل استفهام، خاصة بعدما أصبح الهاجس المادي يطغى عليها، وغدا مردودها التحصيلي مرتبط بمنطق كلما كان الدفع مرتفعا ينال التلميذ مزيدا من الخدمات التفضيلية)، وهذا ما يؤكد تلاعب بعض هذه المؤسسات.

ففي حي عين السبع مثلا توجد أكثر من 40 مؤسسة خاصة، عددا منها تعتمد برامج أجنبية صرفة، وتستقطب أفضل الأساتذة في جميع المواد، ولا حظ فيها لأبناء الطبقة المتوسطة، لأن أسعارها لا تقل عن 2500 درهم في بعض المستويات، مع ارتفاعها حسب الامتيازات، فيما النصف الآخر من هذه المؤسسات تقل أثمنتها، لكن تبقى شكوك الآباء قائمة حول طبيعة التحصيل التعليمي الذي يتلقاه أبناؤهم.

صنف آخر من هذه المؤسسات، توجد بالأحياء الشعبية، تحدد تعريفات منخفضة، قد تصل إلى 500 درهم، من أجل فتح الباب لذوي الدخل المحدود لتدريس أبنائهم بها، لكن محتواها التعليمي يبقى محدودا، مع ضيق الفضاء. يحكي لنا العربي، الذي سجل ابنيه بإحدى هذه المدارس، أشتغل مستخدما بشركة تجارية، وأجري لا يتجاوز 3000 درهم، اخترت تسجيل ابني الأول، بمؤسسة خاصة قريبة من مسكننا، حتى أضمن له الحد الأدنى من شروط التعليم، المفقودة في المدرسة العمومية، ثم ألحقت ابني الثاني بنفس المؤسسة، رغم أن ظروفي الاجتماعية لا تسمح، حيث قررنا أن نخفض مستوى معيشتنا، والتخلي عن عدة أشياء، في سبيل أن ينال أطفالي حقهم من التعلم، ويسيروا في مسيرتهم الدراسية على السكة الصحيحة).

التعليم الخصوصي البديل القسري

تتضارب بعض المعطيات غير الرسمية، عن نسبة الخوصصة التي اكتسحت التعليم العمومي، تراوحت بين 30 و60%، وهو ما يظهر سياسة الهروب نحو خوصصة التعليم التي اعتمدتها الحكومة، بدل إصلاح التدهور الذي طاله منذ نهاية عقد الثمانينيات.

أمام التدهور التعليمي الذي يشهده المغرب، مع توالي السنوات، وبإقرار مراكز ومؤسسات دولية متخصصة، باتت مسألة الجودة كابوسا، يطرد النوم عن أجفان الأولياء، خاصة عند الفئات الاجتماعية المتوسطة، والأخرى ذات الدخل المحدود، مع ارتفاع مصاريف المعيشة، وبدأ يفرض نفسه بديلا قسري على أغلب الأولياء، وهو ما زاد جشع أصحاب المؤسسات التعليمية الخاصة. فلم يعد هذا الأخير يتمتع بهيبته التربوية التعليمية، بعدما اخترقته العقلية المادية الصرفة، التي تفكر في المردود الربحي قبل المردود التعليمي.

وزاد من هذا التسيب الحاصل، رفع الدولة يدها عن قطاع التعليم، حتى تتملص من مسؤولياتها، وهو ما يفتح الباب مشرعا لسماسرة هذا القطاع ليعبثوا بمجال رهين بتقدم البلاد بمختلف قطاعاتها، ويرسم الخريطة المستقبلية لأبنائها.