أجرى موقع لكم حوارا مع الأستاذ فتح الله أرسلان، نائب الأمين العام لجماعة العدل والإحسان والناطق الرسمي باسمها، حول انتخابات 7 أكتوبر التشريعية وجدواها، ومبررات مقاطعة جماعة العدل والإحسان، والبدائل التي تقترحها. نعيد نشره:

على الرغم من كون المغرب تغير بعد الربيع العربي، لم يتغير موقف جماعة العدل والاحسان من الانتخابات والمشاركة فيها، ومن اللعبة السياسية؟

نعم لم يتغير موقفنا من تقييم أساس الأزمة في المغرب التي نعتبرها تتجسد في بنية النظام، لم يتغير موقفنا لأن بنية النظام الاستبدادية لم يطرأ عليها أي تغيير وتبعا لذلك استمر المغرب في الاندحار نحو الأسوأ عل كافة المستويات.

وما دام الحكم ما يزال يصر على حصر دور الانتخابات في إضفاء الشرعية على استبداده وتبرير فساده وفي فرز مؤسسات شكلية لا يتجاوز دورها وظيفة خدمة الحكم غير المنتخب الممسك بأهم السلط المسيطر على الثروة المحصن عن المساءلة والمحاسبة، فإننا ما نزال متشبثين بموقفنا من انتخابات على هذا النمط وأوفياء لعدم خداع الشعب وتسويق الوهم له.

ودعنا نرصد فقط بعضا مما يجري حولنا هذه الأيام، مسيرة ضد “الحزب الحاكم” تشرف عليها من وراء الستار أم الوزارات وتقف أمامها الحكومة عاجزة شاكية، ووزير العدل يلجأ للتدوين على الفيسبوك ليبث تظلمه من عدم إشراكه في الإشراف على الانتخابات وهو العضو في اللجنة الحكومية لتتبع الانتخابات وهو المشرف على النيابة العامة المفترض فيها أن تكون بالمرصاد لكل التجاوزات غير القانونية، وترحال سياسي يتغير معه لون العضو والبرلماني وحتى الوزير بغية الوصول إلى المنصب، وبلاغ للديوان الملكي يلجم الأصوات ويرفع مستشاري الملك إلى مستوى “القداسة” التي زعموا أن دستور 2011 قطع معها نهائيا، ويعلي من شأن المؤسسة الملكية لتكون -كما كانت دئما- المتحكم والحكم وصاحب القول الفصل الذي لا راد لحكمه. هل هذه هي مظاهر التغيير التي أوردها سؤالكم وتودون لو غيرنا موقفنا تبعا لها؟!

موقفنا لم يبق جامدا بل تعزز وتقوى على مستوى دعاماته السياسية التي يعززها الواقع البئيس الذي يعيش على إيقاعه المشهد الرسمي المتخبط التائه، وعلى مستوى المرتكزات الأكاديمية العلمية التي نبني عليها موقفنا، ولك وللقارئ الكريم مطالعة الوثيقة الصادرة يوم الأحد 18 شتنبر عن الأمانة العامة للدائرة السياسية بخصوص انتخابات 7 أكتوبر التشريعية، وعلى مستوى المبادئ الأخلاقية والقيمية التي تدعونا للاصطفاف إلى جانب الغالبية العظمى من الشعب المقاطعة لألعوبة المخزن التي لا تؤدي من دور سوى إطالة عمر الاستبداد والفساد.

غير ما مرة تشكون من الحصار والتضييق الممنهج بصيغ وأساليب مختلفة، لماذا لا تتفاوضون مع النظام وتمنحوه فرصة حتى تنخرطوا في التغيير السياسي من داخل المؤسسات التي تتاح بها الكثير من الفرص؟

لقد أسهمت التجارب المتكررة في توضيح ما نقوله دائما، وهو أن المؤسسات التي تفرزها هذه الانتخابات لا تملك من أمرها شيئا ولا تستطيع حلا ولا ربطا، وأن السلطة الحقيقية التي تسير وتقرر وتقود وتحكم يحتكرها الملك ومحيطه، أي أن لب الإشكال الذي يعترض الانتخابات في السياق المغربي هو أن الحاكم لا ينتخب ولا يمكن مساءلته، والمنتخب لا يحكم ويتلقى فقط الضربات عن الحاكم الفعلي. ما نقوله يعززه الواقع والتصريحات والمنطوق والمفهوم، ويكفيك قول رئيس الحكومة الحالي السيد عبد الإله بنكيران إن المغرب تحكمه دولة موازية لا يَدري من يسيرها، وخلاصة الوزير الأول السابق السيد عبد الرحمن اليوسفي التي بثها في محاضرة بروكسيل الشهيرة والتي أكد فيها ما أسماه جيوب المقاومة. فمع من نتفاوض؟ ومن أجل ماذا؟ علما أن المخزن لا يفاوض إنما يملي من جهة واحدة وعلى الجهة الأخرى التسليم بلا اعتراض ولا حتى امتعاض.

أما عن الحصار والتضييق الممنهج، فهو واقع تؤكده الملفات والمحاكمات والسجون والبيوت المشمعة والتضييق على الحياة الخاصة للعديد من الأعضاء في الرزق والتنقل والدراسة والتوظيف، وهو ما نعتبره ضريبة الموقف وثمن الكلمة وعنوان الدفاع عن هذا الشعب المقهور.

لكن بموقفكم هذا لأكثر من ثلث قرن، ستضيعون فرصا كبيرة وستمنحون فرصا أكبر لتغلغل الاستبداد والفساد داخل المجتمع؟

لقد أوضحنا بما يكفي، في وثائقنا وأوراقنا وتصريحاتنا، أن الاستبداد والفساد اختيار رسمي، والمخزن الذي يسميه البعض بالتحكم أو الدولة العميقة أو ما شابه يستثمر ما تعتبره فرصا كبيرة تتيحها الانتخابات المخدومة والمتحكم فيها لتزيين الواجهة وتجديد الشكل ومد المشهد بالحيوية وخداع العالم الداعم.

إننا نستغرب لهذا الاستبداد والفساد الذي يواصل التغلغل داخل المجتمع والدولة، رغم أن الجميع؛ حكومة ومعارضة وملكا وهيئات للحكامة ومؤسسات رسمية مختلفة تدعي جميعها محاربته!

الانتخابات على النمط الذي أجريت به طوال ستة عقود لم تشكل يوما فرصة جدية نحو تغيير جوهري وظلت فقط مناسبة لتغيير واجهات شرعنة الاستبداد المستحكم. وهذا ما يجعل الرهان عليها انتظارا للذي يأتي ولا يأتي. فيما الفرص الحقيقية لفتح المسار السالك نحو التغيير العميق هي النابعة من حركة الشعب وكان آخرها وليس أخيرها حراك 2011 الذي حرك الآسن وخلخل الموازين التي ظلت ستة قرون مائلة كليا لصالح الاستبداد، ويكفي أن الكل يجمع على أن ما تحقق سنة 2011 مما يصنف مكتسبات ما كان ليحدث لولا انتفاضة المجتمع خارج سياج المؤسسات التي كانت وما تزال عديمة الجدوى.

تريدون أن يكون للانتخابات معنى وللمشاركة فيها جدوى، فهل بموقفكم هذا الذي لم يتغير ستساهمون في مواجهة الاستبداد؟

نعم بمثل موقفنا هذا نساهم في مواجهة الاستبداد؛ بعدم منحه الشرعية التي يحتاجها كل مرحلة لتجديد حكمه، وبكشف تلاعباته وحقيقته الاستبدادية، وبرفع الصوت عاليا في المجتمع كشفا للأعطاب والكوارث التي لا تحصى، والوضوح التام في تحديد المسؤولين الحقيقيين عنها، وبالعمل مع الشرفاء والأحرار أفرادا وجماعات لتأسيس نسق سياسي بأعمدته الصلبة التي أقرتها التجارب الإنسانية الناجحة وهي: لا حكم لغير المنتخب، والتداول على الحكم، وربط السلطة بالمحاسبة، وفصل السلطة عن الثروة، وضمان حقيقي للحريات.

إننا بموقف المقاطعة للعبث الحاصل نساهم فعلا في تقليص عمر الاستبداد، ولعل في زلزال الربيع العربي، الذي جاء ليؤكد أن التغيير يحدث من منصة الشارع لا من قبة المؤسسات، درسا بليغا لمن يعتبر.

قد يكون هذا الطريق طويلا ومكلفا لكنه بالتأكيد سيوصل إلى النتيجة كما أوصل غيرنا من الدول التي عرفت تقدما وتطورا، لكن الطريق الآخر الذي هو الانخراط في الجوقة جرب بالفعل وكانت نتائجه الحتمية دائما هي الذوبان والانبطاح.