يطلع علينا مستهل كل شهر شتنبر من كل سنة موسم دخول مدرسي جديد وتطلع معه عندنا آفات أعطاب عقود طويلة من التدبير السيء لقطاع يقرن بتأسيس الحياة وبناء المستقبل عند الأمم العاقلة. ومع هذه الأعطاب المزمنة تتجرع الأمة والناشئة جرعات مريرة هي ثمار خبيثة لجرائر حصائد استبداد مستفرد بكل عناصر بنية الحياة العامة للبلاد في مختلف مجالاتها السياسية والاقتصادية والمجتمعية.

سياقان أساسيان يحكمان المشهد التعليمي العام وسمتان أساسيتان تطبعان هذا المشهد؛ أما السياقان فهما: سياق “الوفاء” لنهج المقاربة التحكمية في جميع مفاصل مدخلات ومخرجات العملية التدبيرية للسياسة التعليمية. وسياق “الاستمرار” في تشييد وهم انتظار “إصلاح جديد” سيكون مهوى آمال تغيير جذري يضع قاطرة التعليم على سكتها المستقيمة المتجهة إلى “إنتاج” الزبون التربوي الصالح لمضغ مزيد من منتوجات الحاكم الواعدة بمدرسة النجاح المفعمة بالحياة والإنصاف والجودة والمساواة. طبعا نقصد هنا المواطن “الصالح لهم”، “الناجح” في سلوك دين الانقياد في حدود الدوائر المغلقة المرسومة المضبوطة. وأما السمتان اللتان تطبعان ذلكم المشهد التعليمي في ذلكم السياقين فهما: سمة الإجماع العام على تكرار خطاب الأزمة من خلال الإقرار الرسمي بفشل المنظومة التعليمية المغربية (فشل أم إفشال؟) عبر عمليات تهريب كبرى للمسؤولية بإلقاء اللوم على الجهاز التنفيذي من دون القدرة على محاسبة الفاعل الحقيقي عن مسؤوليته التاريخية في رهن مصير أجيال من الناشئة للمصالح الذاتية وللأجندة الخاصة لمنظومة الاستبداد والفساد. ثم سمة الاستعجال والارتجال في تنزيل ما يزعم أنه “إصلاح جديد” يرتق في بوتقة واحدة فتوق تدابير متخبطة ورقاع رؤية تائهة. ويربط بين هذين السياقين وتلكم السمتين إجراءات تدبيرية تنفيذية يظهر منها اتجاه نحو استقالة الدولة من ملف التعليم وتوجه عام لضرب المدرسة العمومية.

اجتمعت هذه “الخلطة” بسمات التحكم والأوهام والفشل والاستعجال لتكب التعليم المغربي (إلى جانب مجالات تدبيرية مجتمعية أخرى) في ذيل سلم التنمية البشرية نتيجة حتمية متوقعة لحصائد الخطاب الوثائقي وحصيلة الإنجازات المتألقة في سجل الفشل التاريخي العام.

في حصائد الخطاب تضخم في بلورة مشاريع متداخلة واستعراض مفاهيم متباينة وإنتاج ركام وثائقي تائه بين تدابير تعلن عن نفسها ذات أولوية، وبين دراسات تقول إنها تشاورية، وبين رؤية تزعم لنفسها الصلاحية الاستراتيجية في واقع فاقد للثقة في المدرسة مفتقد للحافزية والدافعية لممارسة مهنة الرسالة المؤهلة لولوج عالم المستقبل وبمنهجية مستمرة في الارتهان لنهج الاستبداد المخزني في توجيه وتخطيط فلسفة وسياسة التعليم على أعين الآليات الاستشارية الوفية للتعليمات السامية بعيدا عن تفعيل مقتضيات الإشراك الفعلي للشعب وللقوى المجتمعية الفاعلة والصادقة، وبطريقة مستمرة أيضا في إغراق المجال التعليمي بقضايا سجالية تغيب المعنى الحقيقي للمشروع المجتمعي النابع من الهوية المجتمعية، وتغيب معنى المدرسة العمومية المستجيبة للحاجيات الآنية والمستقبلية للمجتمع لصالح الانخراط اللامشروط في النهج العولمي الغامض المؤله للطوابع التقنوية التي تنفي من دائرتها معنى الإنسان ومعنى التعلمات للإنسان.

كانت حصيلة الإنجازات انحدارا فظيعا في الوظائف التربوية والقيمية لمدرسة فقدت “جاذبيتها” وثقة المجتمع فيها لما غيبت هوية الفرد المتعلم المسلم لصالح رهن القيم المجتمعية بمفاهيم منتجة في سياقات طاحونة التغريب المجتثة الجذور عن سياقاتنا الأصيلة.

كانت حصيلة الإنجازات مزرية لما أخطأت التدابير الإجرائية موعدها مع شعارات التعميم والجودة والتكافؤ والجدوى بسبب مقاربة اعتنت بالأعداد الكمية أكثر من اعتنائها بجودة بنى الاستقبال والاستيعاب في ظل اكتظاظ مهول واهتراء كبير لفضاءات العمل وتقادم للآليات والوسائل التعليمية.

كانت حصيلة الإنجازات تدنيا خطيرا في مستوى التعلمات الأساسية بسبب سياسة لغوية ممكنة للخيارات الفرنكوفونية مع تدثر وقائي بلبوس الانفتاح على شَرَكِ التنويع في لغات التدريس، وبسبب غياب الحسم في النموذج البيداغوجي وغياب منهاج تعليمي ملائم مستجيب للحظة الآن ولغد المستقبل.

وكانت المحصلة الجامعة من هذا الركام الوثائقي المؤطر برؤية استراتيجية لا يعرف قبيلها من دبيرها تماديا في إهدار المال العام والجهد الإنساني في تجريب ضائع الوجهة والغاية تدخل معه المنظومة التربوية في سلسلة الإصلاحات المأمولة خطابا المرجأة إنجازا وتدبيرا.

إن إعادة الجدية للعلاقات التربوية، وبناء الحافز للتعلم لدى المربي والمتعلم، وبناء المدرسة العمومية الجديرة بحمل هم التربية والتعليم والتكوين والإعداد، والتأسيس لمدرسة قادرة على مجابهة عوالم المعرفة المنظورة والمستورة الهاجمة من كل مكان، لن تجدي معها التدابير المعهودة والوصفات المكرورة المنسوجة لدى خائطي المجالس المرعية، ولن تنفع معها الرؤية البعيدة عن تلمس جوهر العطب ورأس الداء في جسم المنظومة العليلة منذ أمد بعيد.

إنما المجدي النافع أن يفك الاستبداد قبضته عن رقبة التعليم وعن رقبة مختلف مجالات الحياة العامة، وأن يفك الاستبداد قبضته عن رهن القطاع باستراتيجيات الاستكبار العالمي. بهذا فقط يكون التعليم قضية الشعب بإرادة حرة مستقلة تعالج مشاكله وأدواءه بنفس جماعي في إطار جبهة عامة يتداعى فيها الكل تحت سمع وبصر الشعب وتحت سمع وبصر الشعب إلى تغيير حقيقي نابع من مشروع مجتمعي حافظ للهوية الجامعة قابل للتنزيل العلمي والعملي.