الموقع السياسي والموقف السياسي في تجربة العدل والإحسان

أصدرت جماعة العدل والإحسان في شخص الأمانة العامة للدائرة السياسية وثيقة تؤكد من خلالها موقفها القاضي بمقاطعة انتخابات 7 أكتوبر 2016، وقد اعتمدت تفصيلا وافيا في الجواب عن سؤال: لماذا المقاطعة؟

فقد افتتحت الوثيقة تفاصيلها بالتأكيد على أن الانتخابات محطة دورية لتقييم عمل الحاكمين وفرصة لاختيار النخب الحاكمة وآلية للتداول على السلطة) (الوثيقة المنشورة على موقع الجماعة نت)، مما يعني أن العمليات الانتخابية مجرد جزء من العملية السياسية المنظمة للشأن العام وتدبيره، وأنها أهم آلية في المحاسبة العامة والتداول على السطلة بإرادة شعبية.

لذلك لم تنحصر الوثيقة في مناقشة الأسباب المباشرة في المقاطعة، بل بنت تحليلها لهذه الأسباب على أساس نقد العوامل الرئيسة في فساد العملية السياسية وعدم تأهلها لجعل الانتخابات مناسبة لتجسيد الإرادة الشعبية.

وهو ما يؤكد أن الموقف السياسي الجزئي من الانتخابات مبني على موقف سياسي كلي من اللعبة السياسية وقواعدها الكبرى؛ سواء المشكلة لروح الدستور أو المتحكمة واقعيا في مفاصل العملية السياسية.

ولاشك أن هذا النوع من التحليل يرجع إلى أن جماعة العدل والإحسان لم تبن موقفها السياسي الجزئي فقط على معطيات مرتبطة بالسياق الخاص بالعملية الانتخابية، وإنما على طبيعة موقع المعارضة المؤسس لخطها السياسي ابتداء؛ أي ارتباطا بالطبيعة الاستبدادية للنظام السياسي في المغرب، والتي وفرت كل عوامل الفساد الذي يضرب في أعماق الحياة الاجتماعية والاقتصادية والمالية، فضلا عن السياسية، لحد قهر كل أنواع العمل السياسي والمجتمعي الفاضل، ومحاصرته إلى مستوى إنهاء كثير من عناصره (أشخاص، منظمات مجتمعية، أحزاب، إعلام، رجال أعمال…..).

وهو ما يفهم منه أن طبيعة معارضة العدل والإحسان للطبيعة الاستبدادية للنظام السياسي في المغرب مما يميزها عن ماهية المعارضة الحزبية؛ سواء من داخل قبلة البرلمان أو من خارجه، الأمر الذي يدلل على أن خطها السياسي لا يتجه الوجهة الإصلاحية الجزئية؛ بل يراهن على بناء المؤهلات المجتمعية والسياسية القادرة على تقويض الاستبداد وفرض الإرادة الشعبية التي ينبغي أن تتجسد في عمليات انتخابية كاملة الأهلية السياسية عند توفر ظروفها من خلال الضغط المجتمعي الواضح.

من نقد الاستبداد المدستر إلى نقد الاستبداد المطلق

تكشف الوثيقة عن المستوى التجديدي في الخطاب السياسي لدى جماعة العدل والإحسان، ذلك أن صياغتها استرسلت في نقد مستوى الاستبداد المدستر والمقنن والمنظم في الوقت الذي استند في هذا الاسترسال على المعطى الواقعي الكلي؛ وهو واقع الاستبداد المطلق الذي يهمين على الحياة السياسية والمجتمعية ويطبق عليها جملة وتفصيلا.

فيلاحظ أن خط الوثيقة انطلق من كشف امتدادات الاستبداد في تفاصيل العملية السياسية عبر الملاحظات المتعلقة بالإطار القانوني والتنظيمي للانتخابات، وهي ملاحظات تنضاف إلى ما سبق تسجيله بخصوص السياق الدستوري والسياسي، لتكون النتيجة في رأينا لعبة انتخابية مصنوعة على المقاس تصب في تكريس الاستبداد وما يرتبط به من فساد. إنه إصرار واضح على حرمان المواطنة المغربية والمواطن المغربي من حقهما في انتخابات ديمقراطية حقيقية تفرز مؤسسات لها سلطة ومصداقية) (الوثيقة المنشورة على موقع الجماعة نت).

فقد عبرت الوثيقة بهذا عن طول نفس في نقد الاستبداد المدستر والمقنن والمنظم، ولاشك أن هذه القدرة في هذا الاسترسال لم تكن لتحصل لولا الموقف الجذري من الاستبداد الكلي المطلق الذي يشكل ماهية النظام السياسي الذي اقتضى اختيار موقع جذري للمعارضة المجتمعية وموقفا سياسيا واضحا.

لذلك، فالانتقال إلى نقد تفاصيل الاستبداد وامتداداته في مفصال الدستور ومخرجاته، وفي القوانين المنظمة، وفي الخريطة الانتخابية عموما، ليس ذهابا مع المعطى والنفس الاصلاحيين بقدر ما هو مرحلة من مراحل زحف الموقف الجذري من الطبيعة الاستبدادية للنظام السياسي في اتجاه بناء القوة المجتمعية المؤهلة وحدها لحمل مشعل الحرية وتقويض أركان الاستبداد والفساد وفرض الإرادة الشعبية.

فمقاطعة انتخابات صورية في آخر المطاف لن تصب إلا في مصلحة الحرية، وهو ما تحملت هذه الوثيقة الصادرة عن جماعة العدل والإحسان همه بدعوتها الشعب المغربي وكل غيور على مستقبله إلى عدم المشاركة في مضيعة الوقت والجهد.