دشنت المدارس العمومية يوم الاثنين 19 شتنبر 2016 الموسم الدراسي الجديد، كما قررته مسبقا الوزارة الوصية على قطاع التعليم، موسم ينطلق على وقع احتجاجات افتراضية، أطلقها نشطاء مغاربة على موقع التواصل الاجتماعي الفايسبوك، تطالب الدولة بالاهتمام بهذا القطاع الذي لم يعد مرادفا للقيم النبيلة والسامية التي طالما التصقت به منذ مطلع شمس الإسلام، بعدما هوى إلى الحضيض في مغربها، وصار بعيدا كل البعد عن الجودة التي تليق به.

هذه الاحتجاجات الافتراضية من المتوقع والمنتظر أن تخرج إلى أرض الواقع، حسبما أعلنت جمعيات آباء وأولياء التلاميذ، وتوعدت بموسم ساخن بعدما غدا مستقبل المتمدرس المغربي في خطر.

تعليم جيد.. أمل الأمهات يصدمه ألم الواقع المخيف

يقال بأن وجه المريض يعبر عن حاله، والمغزى ذاته نسقطه على حال المدرسة المغربية، فيكفي أن تلقي نظرة خاطفة على واجهتها لتتخذ فكرة أولية عن وضعها.

جل المدارس في المغرب تتشابه، داخلها كواجهتها، لا تتحسس بأنك تلج صرحا تربويا لتروي عطشك المعرفي، وتمتح من معينه العلمي، وهذا ما يجعل التلميذ يعيش في دوامة بين التحصيل القسري لبناء مستقبله، وواقع بئيس لا يساعد على النهل المعرفي، الشيء الذي يفقد أغلبية الأجيال بوصلة التخطيط الدراسي، ويجعلها تواكب المنهج الدراسي على علاته بطرق تعلمية سطحية، (لإجراء الامتحان)، ثم تتخلص مما مر على عقولها من محفوظات وتمارين، وكأنها أزاحت عنها عبئا ثقيلا يعيقها..

مع افتتاح هذا الموسم، توجه موقع الجماعة نت إلى إحدى المدارس العمومية، لرصد الأجواء الأولية للدخول المدرسي، وكانت الملاحظة الأولى هو العدد الكبير من التلاميذ المرفوقين بأولياء أمورهم، بينما الأمهات يغطين باب المدرسة، وأخريات يجتمعن مثنى وثلاث ورباع في جنباتها، ويتبادلن أطراف الحديث بعد أن انتهت مهمتهن الصباحية في مرافقة أبنائهن إلى المدرسة، والاطمئنان على ولوجهم بأريحية، فأغلبهن يعرفن بعضهن، بعدما تآلفن في السنة الفارطة، وكن أغلبهن بين الثلاثينيات والأربعينيات من العمر.

توجهنا إلى إحداهن لأخذ رأيها حول جودة وجدوى المدرسة العمومية التي يدرس بها ابنها، قالت دون أن تفصح عن هويتها المدرسة هي الأمل الوحيد ليضمن ابني مستقبله، ويصير له شأن في المجتمع) ثم أردفت بخصوص الجودة نريد لأبنائنا أن يتعلموا ما يفيدهم في حياتهم، وأن يدرسوا جيدا ليجنوا ثمار ما حصدوه، وهنا يلعب المعلم دورا مهما في تلقين التلميذ، كما أن المناهج المدرسية لها أهمية كبيرة في ذلك..)، وقبل أن تتم السيدة كلامها التقطت صديقتها خيط الحديث معبرة عن عدم رضاها عن المستوى التعليمي السائد، قائلة بصفتي أم تلميذ تأمل في أن يسير أبناؤها على سكة العلم السليم والصحيح، ليحققوا طموحاتهم في المستقبل، فأنا غير راضية بتاتا على الوضع التعليمي ببلادنا)، وأضافت الأم التي بدت من حديثها بأنها ذات مستوى تعليمي لا بأس به نحن أسرة بسيطة ذات دخل محدود، ولو توفرت لنا الإمكانيات لاخترنا تدريس أبنائنا بالتعليم الخاص على زلاته، على الأقل نضمن شيئا من الجودة الغائبة بالفضاء التعليمي العمومي)، وزادت الأم التي تحدثت بحسرة وصبت جام غضبها على المدرسة العمومية النظام التعليمي بالمغرب هو من بين أسوأ الأنظمة التعليمية في العالم، نظام تغيب عنه الرؤية البيداغوجية، اكتظاظ غير معقول في الأقسام، مناهج دراسية لا تليق، كتب مدرسية كثيرة تثقل كاهل ميزانيتنا، وتكسر ظهور أطفالنا، وهي خاوية المحتوى، لا وجود لمقاربة تربوية تعليمية، إضافة إلى النقص التكويني لدى المعلمين، واللائحة تطول..) قبل أن تختم بالقول ندرس أبناءنا مضطرين في مثل هذه المدارس، وقلوبنا تعتصر ألما وخوفا على مستقبلهم، لأنه لا خيار أمامنا، لكننا نتشبث بأمل أن يتغير هذا الواقع ذات صباح).

الجودة الطوبيكية

من المعروف بأنه لا تقوم قائمة لأية دولة دون تعليم جيد لأبنائها، فالتعليم الجيد يبني دولة جيدة متقدمة في مختلف المجالات، وتكفينا أمثلة الدول المتقدمة حاليا، التي تجعل من التعليم أولى أولوياتها، وتخصص له ميزانيات ضخمة وكافية، هذا التخلف لا يفسره إلا غياب إرادة النهوض بالقطاع بسبب استشراء الفساد والاستبداد الذي يتغذى من وسط يسوده الجهل والأمية.

وفي هذا الصدد صرح لنا مستشار تربوي وديتاكتيكي، فضل عدم ذكر اسمه، في مسألة الجودة قائلا السياسة التعليمية المعتمدة في القطاع، تطرح أكثر من سؤال، في ظل خطاطة واستراتيجية غير واضحة، على الرغم من البرامج المقترحة التي يرجى منها إعادة التأهيل، كما أن غياب تحفيز رجال التعليم في ظل ظروف قاسية لا تؤهل صاحبها ماديا ولا معرفيا، مع عدم تطوير تقنية العمل من خلال برامج شكلت ارتجاجا معرفيا لدى رجل التعليم، فتبني سياسات تعليمية ذات خصوصيات لا تمت بصلة بواقعنا، حيث أملت علينا ضعفا معرفيا واضحا كرس هذا الهزال في البرمجة).

وختم الخبير كلامه بالقول الجودة المتحدث عنه سابقا، تبقى طوبيكية، في واقع تشوبه شوائب، حيث لا زلنا نتلمس بصيصا من الأمل في ظل واقع يحتاج إلى مخلص ليترجم صحة المفهوم، ونرقى به إلى المأمول..).