“تجارة العيد” عبارة تعكس الظاهرة التي صارت رائجة بشكل واسع كل عام، خلال الأيام التي تسبق عيد الأضحى بحوالي أسبوع أو عشرة أيام، حيث تعرض في الشوارع، وبين الأزقة وداخل الأحياء، بضائع متنوعة تخص مستلزمات العيد، كعلف الخروف (التبن)، الفحم (الفاخر)، البصل، وباقي الأغراض التي تطول لائحتها. وراء رواج هذه التجارة الموسمية، نجد شبابا في أعمار مختلفة، يفترشون الأرض، أو ينصبون خيما صغيرة، لعرض أسلعتهم للعامة، من أجل كسب قوت مؤقت، يتحرك كلما تحركت مثل هذه المناسبات المعدودة على امتداد السنة، بعدما فرضت عليهم الظروف حياة الفقر والحاجة، بسبب البطالة، وندرة فرص العمل.

أبيع الفحم والبصل لأعيل أسرتي

في مستهل هذا الربورطاج توجهنا إلى “كراج علال” أحد أبرز الأسواق التجارية الشعبية بالدار البيضاء، في هذه السوق تجد النساء ضالتهم، ومتعتهم، حيث تتنوع البضاعة على مختلف الأنواع والأشكال، ويدخل الجديد من شتى الروافد، سواء داخل المغرب أو خارجه. في زاوية بأحد أزقة هذا السوق، نصب عبد الحق ابن 18 ربيعا، خيمته الصغيرة، وعرض بضاعته المكونة من الفحم والبصل وعلف الخروف.

وبعد أن استقبلنا بابتسامة وترحاب داخل خيمته، سرد لنا بعض تفاصيل حياته التي دفعت به إلى ممارسة مثل هذه التجارة الموسمية، يقول عبد الحق ابن “درب السلطان” أحد أفقر الأحياء بمدينة الدار البيضاء قررت هذه الأيام التي تسبق العيد أن أتاجر في الفحم و”الجلبانة” والبصل، من أجل كسب قوت يومي)، ليضيف ظروفي المعيشية السيئة هي ما دفعني لهذه التجارة، فأسرتي لا تجد مالا لتقتني أضحية العيد، وأنا مثلا ملزم بشراء مستلزمات الدراسة التي على الأبواب، إضافة إلى مصاريف العيش اليومية)، ثم يواصل عبد الحق في حديثه لموقع الجماعة نت عن وضعه العائلي نحن خمس إخوة يتامى، فبعد وفاة الوالد أصبحت أنا “رجل البيت”، فإخوتي لازالوا صغارا ووالدتي لا قدرة لها على العمل، لهذا أبذل كل ما في وسعي لإيجاد أي عمل أو تجارة لتوفير الحد الأدنى من المستلزمات المعيشية لأسرتي)، ومع نهاية فترة هذه التجارة المؤقتة، كيف يتم تدبير الحال المعيشي؟ يجيب بتعبير يظهر حجم المعاناة التي يعيشها من أجل توفير لقمة عيش للأسرة عندما تنتهي فترة مثل هذه التجارة الموسمية، أضطر للبحث عن أي عمل كمياوم، كيفما كان، وأحيانا أشتغل حارسا للسيارات والدراجات، وذلك كلما سمحت لي الفرصة، أو وجدت وقتا خارج الفترة الدراسية، المهم أن أكسب قوت أسرتي بأي وسيلة شريفة وحلال).

وأمام هذه المعاناة التي تدفع بعبد الحق للدخول في معركة ضد قسوة هذه الظروف، يكشف لنا معاناة أخرى تتمثل في تحرش السلطات المحلية به وبأمثاله، والتضييق على تجارتهم، يشرح لنا عبد الحق أمام هذا الوضع الذي نعانيه، الدولة لا تهتم لشأننا، ولا تعيرنا أدنى اهتمام، بل تسعى في المقابل بالتضييق على مورد رزقنا غير الثابت)؛ وحكى لنا عن واقعة حدثت له، عندما همت السلطات المحلية ذات صباح بهدم خيمته، وتوقيفه عن المتاجرة في الفحم والبصل، وهو ما قابله باستغراب واحتجاج، خاصة أنه يتاجر في مواد ليست محظورة كالحشيش، حسب تعبير عبدالحق، وهذا ما دفعهم للتراجع والمغادرة.

تجارة واحدة والظروف مختلفة

من “كراج علال” توجهنا إلى حي عين الشق، ثم الحي المحمدي، نفس التجارة تنتشر بين الأحياء الشعبية، لكن قصص أصحابها تختلف وتتنوع بين الطالب المعطل، والإطار المعطل، وصاحب الدبلوم، ورب الأسرة بلا عمل، و… لا يتسع ربورطاج مثل هذا لتسليط الضوء عليها، حالات كثيرة جدا، حركت عجلة اقتصاد البلاد في هذه الفترة، لكسب ما قل من مورد مالي، لضمان قوت أيام معدودات، تنتهي ثم تحيى من جديد المعاناة التي تسببت فيها سياسات الحاكمين، وتبدأ معها رحلة أخرى مضنية للبحث عن مورد آخر للعيش، أو مناسبة أخرى لمباشرة تجارة موسمية جديدة بحثا عن لقمة عيش “مر”.