يعتبر الكثيرون أن مقاطعة الانتخابات موقف عدمي. قد نتفهم نبل وصدق مواقفهم، إلا أننا نختلف معهم تماماً، فمقاطعة الانتخابات من وجهة نظري قمة الإيجابية.

المقاطعة في أساسها تتجاوز مسألة الانتخابات إلى التوعية بالممارسة الديموقراطية الحقيقية وإعادة الحديث عن المطلب الحقيقي، وهو إقرار دستور ديمقراطي شعبي وإطلاق باب الحريات والتعددية السياسية الحقيقية.

المقاطعة تدعو ليكون صوت الجميع مسموعاً في مطالبتهم بمؤسسات ومجالس ذات صلاحيات حقيقية غير شكلية، وانتخابات تحترم القواعد الديمقراطية.

المقاطعة انحياز لمطالب الشعب بعملية انتخابية حقيقية ينعكس أثرها على حياتهم وتمنحهم فرصة المشاركة الفاعلة في صناعة القرار .

إن وصف المقاطعة بالعدمية، يناقض نجاح تجربة المقاطعة في عدة دول في كشف شكلية الانتخابات والتأكيد على المطلب الشعبي الديمقراطي.

العدمية هي أن أكون جزءا من مشهد ومسرحية تسخر من تطلعات الشعب المغربي، جزءا من مسرحية لأجل أن تخبر الرأي العام الدولي أن لدينا انتخابات يقبل عليها المواطن، لا غير.

العدمية هي المشاركة في انتخابات لا تنتج سوى مؤسسات مجردة من الصلاحيات الحقيقية.

العدمية أن أشارك في نسق سياسي مغلق وجامد، أن أشارك في تجربة جامدة لا تحقق سوى نجاح واحد هو نجاح مسرحية هزلية تخدم المخزن وشبكة مصالحه استمرارا نفس النسق السياسي.

أكدت كل التجارب والمحطات الانتخابية بالمغرب أنها تستحق المقاطعة واللامبالاة الواسعة بالمسلسل العبثي الانتخابي التي تعكس شعور المواطن المغربي بهذه العبثية وإدراكه للمسرحية الكامنة وراءها.

ولعل العدد الإجمالي لطلبات المقيدين في اللوائح الانتخابية الذي بلغ 500.305 طلبا، وهي أضعف نسبة مقارنة مع السنوات السابقة التي لم تنزل فيها عن المليون طلب، يعكس بشكل واضح حجم العزوف المتنامي.

وفي المقابل يروج البعض أن هذا التراجع الكبير في الإقبال على التسجيل في اللوائح الانتخابية مرجعه إلى السلوك الانتخابي للشعب المغربي الغير مستعد للانتخابات، وهذا غير صحيح، بل العكس، فهذا العزوف عن التسجيل يثبت مستوى وعي المواطن وفهمه العميق لماهية المشاركة الشعبية الحقيقية، وتبين مستوى تطلعاته وتوقه لعملية سياسية حقيقية.

وفي الأخير يجب التأكيد على ان مقاطعة المهزلة الانتخابية ليست مجرد موقف سلبي، بل موقف إيجابي لأنه يحمل رسائل ومضامين، لأنه يعبر عن وعي، عن رفض العرض السياسي الرسمي، ورفض الالتفاف على الاحتجاجات الشعبية الداعية إلى إسقاط الاستبداد والفساد والمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

إن مقاطعة المسرحية الانتخابية، تخبر الجميع أننا كمواطنين واعون جيداً، وتطلعاتنا أكبر من مجرد صوت نبدده في التصويت لمن أدرك جيداً أنه لن يفعل شيئا لأجل وطننا.

كل انتخابات… وأنا عدمي.