وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا.

آية جامعة ونصيحة علية ووصية ربانية، وبرنامج عمل أو قل مشروع عمر ببنود ثمانية:

1: الصبر

وهو الحبس والثبت والتحمل، وعلى الصبر مدار الأمر كله، قال صلى الله عليه سلم: “الصبر شطر الإيمان”. وإنَّ مِن أقلِّ ما أوتيتُم اليقين وعزيمة الصبر، ومَن أُعْطِيَ حظه منهما لم يبالِ ما فاته من قيامِ الليل وصيام النهار) 1 .

2: صبر النفس

والنفس بيت القصيد وموضوع التطبيق حتى تُقتل صبرا كما تقول العرب، وقتل عنفوانها جهاد وأي جهاد، فالأمر شاق وليس بالسهل الهين، ودونه عقبات وابتلاءات. وكما قيل: التجلد خير من التبلد)، والمنية خير من الدنية، ومن عَزَّ بَزَّ.

3: المعية والصحبة

“مع” فهي تقتضي الصحبة والموافقة والمحبة، وليس صحبة أي كان، بل حددت الآية صنفا مميزا لا يمكن لصحبة ذوي الطبائع الخسيسة أن تشحذ هِمَّتَنَا أو تقوي عزمنا على فعل الخير) 2 .

4: “الذين”

الجماعة المؤمنة المحفزة.

5: “يدعون ربهم”

ذكر ودعاء، تبتل واستحضار لمعاني العبودية في كل وقت وحين، ورجاءٌ في رحمة الله وخوفٌ من عذابه.

6: بالغداة والعشي

دلالة على الدوام وهو عنوان الصدق وبرهانه.

وبالتالي فالصحبة والذكر شرطان لتحقيق إرادة وجه الله.

7: “يريدون”

الإرادة بعد النية والعزم: وومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن، يريدون وجهه.

ولابد هنا أن نفرق بين الإرادة بما هي حركة وسعي واقتحام دائم ومحاولة متكررة وبين الأماني المعسولة وهي خمول وتواكل وتلكؤ وانتظار عاجز، فالتمني طلب المحال بل هي فاكهة النوكى، أما السعي الدؤوب فمنطلقه الهمة السامقة، أي الباعث على الفعل، وتكون باستصغار ما دون النهاية من معالي الأمور وانتعال الثريا.

طالع أيضا  ومضات تدبرية رمضانية -1-وصايا سورة الأنعام

وصدق الخليفة عمر الفاروق رضي الله عنه إذ يقول: لا تصغرنّ همتك فإني لم أر أقعد بالرجل من سقوط همته).

فالهمـة رزق من الله عز وجل، والله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ومن حكمته سبحانه أن فاضل بين خلقه، فمنهم صاحب الهمة الفأرية، تعيش أبد الدهر بين الحفر، زادُها العَوَز وطبعها الخَوَرُ، حائمة حول الأنتان والحُشّ، تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خيرٌ، ولا خبر عندها أن الله يُحَبُّ ويُطلب، وهمة دجاجية لا تكاد تحلق حتى تخلد إلى الأرض، وهمم نسرية صَافَّاتٍ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ، متعلقة بمن فوق العرش، فصلها ابن القيم فقال: لذّة كل أحد على حسب قدْره وهمته وشرف نفسه، فأشرف الناس نفسا، وأعلاهم همة، وأرفعهم قدرا، من لذّته في معرفة الله، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتودد إليه بما يحبه ويرضاه. فلذته في إقْباله عليه، وعكوف همته عليه. ودون ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله، حتى تنتهي إلى من لذته في أخس الأشياء من القاذورات والفواحش في كل شيء من الكلام والفعال والأشغَال) 3 .

8: “تصحيح النية”

إرادة وجه الله، يريدون وجهه فهم لا يتقربون إلى الله تعالى أشرا ولا بطرا ولا رياء، ولكن سمتهم الإخلاص، ولا يضرهم بعد ذلك العمل القليل.

لا شك أن علو الهمة وتجريد القصد وصحة النية شرط في السلوك إلى المولى، يقوى ويضعف بحسب مدى يقين المومن في الله وإقباله عليه ذكرا ودعوة ومجاهدة.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في آخر وصاياه: وأوصي كل ذي همة يقظة أن لا يكون له من دون وجه الله عز وجل مطلب يحجبه عن الله. طلب الثواب والأجر والجنة شرع من الشرع. وإرادة وجه الله، والسعي إلى مرضاة الله بما يرضي الله ويقربنا من الله مرمى الهمم العالية. بشرط العمل الدائب والنية المتجددة).


[1] إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، بيان فضيلة الصبر.\
[2] عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، ص 338، إيديتور، ط 1، 2000م.\
[3] الفوائد، ابن قيم الجوزية، ج 1، ص 150، دار الكتب العلمية بيروت، ط 2، 1973 م.\