على هامش ظهور إحصائية إسرائيلية رسمية تؤكد نمو المبادلات التجارية بين المغرب والكيان الصهيوني، أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الأستاذ أحمد ويحمان رئيس المرصد الغربي لمناهضة التطبيع. هذا نصه:

كشفت إحصاءات رسمية إسرائيلية مؤخرا عن انتعاش لافت في حركة المبادلات التجارية بين المغرب والكيان الصهيوني، مقارنة بالسنوات الماضية، في الوقت الذي يستمر الخطاب الرسمي المغربي في النفي، ما تعليقك؟

الحقيقة أن الأمر أصبح يتجاوز الحديث عن مبادلة تجارية هنا أو ثقافية هناك. بل إن الأمر يتجاوز حتى التطبيع مع الكيان المحتل بالشكل المتعارف عليه فيما يتعلق بزيارة لهذا القائد الصهيوني لبلدنا بهذه المناسبة أو تلك، أو سفر هذا المطبع أو ذاك إلى ما يسمى دولة إسرائيل. إن كل هذا، على خطورته، أصبح جزئيات وحديث في التفاصيل أمام الخطر الوجودي الذي أصبح يمثله الكيان الصهيوني ومشاريعه التخريبية على بلادنا وعلى المنطقة المغاربية ككل.

ماذا تقصد بهذا؟

المقصود هو أن الأمر لم يعد مقتصرا على واجب التضامن مع الشعب الفلسطيني والأشقاء العرب والمسلمين ممن احتلت أراضيهم في المشرق أو على واجب الانخراط في الحرب من أجل تحرير الأقصى؛ مسرى رسول المسلمين وقبلتهم الأولى أو استرجاع أوقاف المغاربة في حارة المغاربة أو على مواجهة الانتهاكات الجسيمة والوحشية اليومية لحقوق الإنسان من قبل البوليس وجيش الحرب الصهيوني.. الأقضية أمست أكبر وأخطر من كل ذلك بكثير، إذ أصبحنا في المغرب معنيون، وبشكل مباشر، بالمخطط التخريبي الصهيوـ أمريكي الذي يستهدف تقسيم بلادنا إلى خمس دويلات وكذا الشقيقة الجزائر إلى أربع دويلات… إلخ أما ليبيا فقد شرعوا في تدميرها منذ خمس سنوات تمهيدا لتقسيمها إلى ثلاث دول… المخطط لم يعد سرا ويتحدث عنه بكل وضوح ووقاحة اليوم.. الموساد وعملاؤه يتحدثون عن مشاريعهم في هذا الصدد في العلن وعلى رؤوس الأشهاد… فكل هذا وطبيعة الخطر الداهم يجعل الحديث عن ارتفاع المعاملات التجارية مع الكيان الغاصب مجرد تفصيلات جزئية.

لكن إذا همك ذلك فالواقع أن الجانب الرسمي ينفي وجود أي علاقة رسمية من أي نوع مع الكيان الصهيوني وعندما طرح السؤال على وزير التجارة السابق عبد القادر عمارة، وهو أحد أسرى سفينة مرمرة، نفى نفيا قاطعا ارتباط المغرب بأية صلة مع الكيان العنصري المحتل وأشار إلى أن ما يتم تسجيله من معاملات يتم في إطار التهريب أو التحايل بتوسيط طرف ثالث في شخص شركة أوروبية أو أمريكية أو كندية..

الواقع أن الأمر، كما قلنا يتجاوز الاهتمام والاهتمام المعاكس. الأمر أكثر جدية وخطورة.. إن الخطر الذي يتهدد المغاربة أصبح وجوديا. هل تعرف ما معنى الخطر الوجودي؟ الخطر الوجودي معناه أن المغاربة، إن لم يتحركوا، وفورا، فقد يستيقظون ذات صباح وإذا مدننا وقرانا، لا قدر الله، تتصدر المحطات التلفزيونية والقنوات الفضائية والجرائد وكل المواقع الاجتماعية حتى يحفظها العالمين عن ظهر قلب، كما حفظ قبل ذلك الفلوجة والموصل وإدلب وحمص وحلب وتعز وسرت والزنتان… والحبل على الجرار. لقد كنا نصرخ ونقول: يجب التحرك قبل فوات الأوان.. أما الآن فالأوان بدأ، حقيقة يفوت. فهل نشهد تحركا للتدارك أم أن الله قضى أمرا كان مفعولا؟

وإذن فالتطبيع، حسب ما تكشف المصادر الإعلامية الإسرائيلية يطال قطاعات أخرى كالسياحة، والثقافة.. فهل يمكن أن يعزى هذا إلى وجود لوبي صهيوني ينشط في المغرب بخفاء، وبحماية من السلطة؟

السياحة .. الثقافة .. الفلاحة .. التعليم .. الصحة.. الرياضة .. الفن … التطبيع لم يعد يوفر أي قطاع. وستتفاجأ إذا قلت لك أنه يطال حتى قطاع الأوقاف والشؤون الإسلامية.. فهل تعلم أن الذي يدبر حتى يومنا هذا ممتلكات الأوقاف والشؤون الإسلامية في عاصمة البلاد؟

من؟

واحد إسمه غي أدرعي.. وابحث أنت من يكون؟ وما علاقته بكل من وزير الداخلية الحالي في حكومة نتانياهو أريي أدرعي وكذا علاقته بالناطق باسم جيش الحرب الصهيوني أفخاي أدرعي؟

كيف يمكن أن يؤثر هذا التطبيع على الدور المغربي في دعم القضية الفلسطينية؟

يا أخي، مرة أخرى، الأمر لم يعد يقتصر على تطبيع هنا وهناك.. إنه اختراق “تسونامي” لم تعد لأي أحد حجة في الاشتغال والانشغال بالتفاصيل أو بهراشات يمكن أن تقبل في مرحلة سابقة. وضع البلاد ووحدته الترابية وتماسكه الاجتماعي واستقراره وأمنه ومستقبل أبنائنا فيه.. البلاد والعباد في خطر حقيقي داهم.. فهل نستفيق أم أننا سنبقى نتفرج على خراب بيوتنا يتقدم مهرولا إلينا ونحن غارقون في تقليب في سير بعضنا وفي الانجرار لخطاب فتنوي حتى تفعل فينا فخاخ العرب/الأمازيغ والبيض/سمر البشرة وتحريض الإسلاميين على اليساريين “العلمانيين” “الملحدين” وهؤلاء على التيار الإسلامي من “الظلاميين” “الدواعش” “المجرمون، قتلة بنجلون”.. هل ستلهينا معارك انتخابات مزيفة لفرز مؤسسات صورية لا رهان عليها لبلورة إرادة الناس في رسم الاختيارات الأنسب لتقدم وتنمية البلاد وطنيا ومحليا؟ هل سنبقى، كل في “حانوته” يعتقد أنه وحده الذي يمثل الحق والحقيقة وكل من سواه متآمر أو متواطئ أو خاطئ.

إن حصيلة السنوات الأخيرة تؤكد أن اتساع دائرة التطبيع وعمق الاختراق الصهيوني لبلادنا بلغت حدا يسائل الدور المغربي إزاء واجباته القومية والشرعية والإنسانية، على المستوى الرسمي وعلى المستوى الشعبي على حد سواء. أما السؤال عن اللوبي الصهيوني وتواطؤ السلطات معه، يمكن القول، بكل أسف، أن الأمر أكبر من ذلك. وكما تقول القاعدة الأصولية: بالمثال يتضح المقال.

عندما تقدمنا، كمرصد، لدى الفرق البرلمانية بمقترح قانون لتجريم التطبيع وتبنته أربع تكتلات برلمانية؛ اثنتان في الحكومة واثنتان في المعارضة، وهي سابقة في أن تجتمع الأغلبية والمعارضة على مقترح قانون، وقتها تحدانا مواطن مغربي من الطائفة اليهودية بمراكش، إسمه “كودوش” وأكد بالقطع أن هذا الـ”مقترح قانون” لن يمر أبدا . نشر كودوش تحديه ذاك في جريدة “أخبار اليوم” التي طلبت منا التعقيب عليه فأجبنا حينها أن المفترض هو أن المغرب يحكمه دستور ومؤسسات وقوانين وأنظمة وسلطات. وإذا أمكن لشخص واحد، لا يمثل إلا نفسه، ولا يتولى أية مسؤولية عمومية، أن يوقف، ويلغي، بالتالي مقترح قانون تقدم به ممثلو الأمة من أربعة فرق برلمانية فسنرى.. سنرى في امتحان المؤسسات هذا، ما إذا كانت هذه المؤسسات تجسد إرادة الشعب المغربي حقا أم أنها مؤسسات كارتونية لا تساوي كلها إشارة من الأصبع الصغير لمواطن واحد لا قوة له إلا أنه عميل صغير للكيان الصهيوني.

وأين وصلتم؟

حتى الآن فمقترح القانون مجمد ولم يتم تقديمه حتى للجنة المختصة في البرلمان ليعرف طريقه للجلسة العامة. لا بل إننا اكتشفنا مقترح قانون آخر تم وضعه بعد مقترحنا بمدة، إلا أنه قطع الأشواط وحرق المراحل بسرعة غريبة ومؤدى هذا الـ”مقترح قانون” الذي وصل للأمانة العامة للحكومة، هو تثبيت الجنسية المغربية لليهود من أصل مغربي الذين يحتلون فلسطين ويدنسون أولى قبلتي المسلمين وثالث الحرمين الشريفين الذي تشد إليه الرحال؛ الأقصى المبارك.

خلاصة القول، إن مصيبة المغرب والمغاربة في هذه الظرفية كبيرة والمخطط التخريبي القادم والداهم والقريب جدا يشكل خطرا جديا لا يمكن تجنبه إلا في تحرك الجميع، نقول الجميع، كل من موقعه. ومرة أخرى نقول: ليتحمل كل ذي مسؤولية مسؤوليته والتاريخ لا يرحم أحدا.