بطل حكايتنا ليس هو صاحب دي لا مانتشا محارب طواحين الهواء، إنما هو دون كيشوط الموظف في المملكة السعيدة. لم يكن فقط موظفا في جباية الضرائب، بل كان خادما من خدّام الدولة الأوفياء والمُحِبّين الصادقين للملك، بحيث كان لا ينام حتى يتبتل كل ليلة إلى العليّ القدير أن يحفظ مولاه الملك.

في أحد الأيام نهض دون كيشوط مفزوعا من نومه وجبينه يتصبب عرقا فبدأ يُحوقل حتى استفاقت زوجته. ولمّا أخبرها بسبب فزعه نصحته بأن يتوجه فورا إلى صديقه الحكيم قبل طلوع الفجر لعلّ الأمر لا يحتمل التأخير.

أخبر دون كيشوط صديقه الحكيم بأنه رأى حُلما مفزعا لمرّات عديدة: رأى وكأن المملكة السّعيدة أصبحت سوداءَ مظلمةً. وأوّل الحُلم بأن خطرا يتهدّد المملكة أو الجالس على عرشها. لذلك هو خائف ومفزوع.

شاركه الحكيم في تأويل الحُلم وقال له: ألم تكن طيلة حياتك تتمنى مقابلة الملك؟ هذه فرصتك!

كيف أنْعَم بالدخول إلى حضرة مولانا وقد غيّروا شروط الدخول إلى قصره العامر؟

قال له الحكيم: لعلّك تقصد الظهير الذي أصدره الملك لاستقبال خدّام الدولة، والذي يشترط أن يُقْسم المُرشّح، قبل دخول القصر، أمام هيئة من كبار رجال الدولة ثم يُقدّم لهم سبب الزيارة، فإن كان صادقا سمحوا له بمقابلة الملك وإن كان كاذبا اقتلعوا عينيه مرة واحدة.

هوّن الحكيم من خوف صديقه الدون كيشوط، وقال له: أي يوم نحن؟

الجمعة من شهر كذا…

أرأيت! إنه الموعد السنوي لزيارة الملك، وإن فاتك هذا اليوم ستنتظر سنة كاملة، وإنّك لا تدري ماذا يُحدثه المتربصون بمملكتنا السعيدة خلال هذا العام.

صحيح.. قال دون كيشوط، وأضاف: ولعلّها إرادة الرب أن يستفزني الحُلم في هذه الليلة بالذات. ثم انتبه لشيء هام للغاية: لكن كيف أكشف لأعضاء الهيئة حقيقة الحُلم وقد يكون من بينهم أحدُ المتربصين بالمملكة؟ وكيف يصدّقون حُلما بلا إثبات؟

قال الحكيم: عندي لك حيلة تُدخلك هذا اليوم على الملك دون أن يتكشّف سِرّك لغيره، وربما يُصلح الرب بك أمر هذه المملكة المهددة، كما أصلح مملكة جارتنا فرنسا بسبب رؤيا صادقة للقديسة العذراء.

عندما يأمرونك أن تحْلف أمام هيئة كبار الدولة، أَقسم أن عينيك تُــقتلعان في القصر وليس في مكان آخر.. هذا كل شيء، وسترى أنك أفحمتهم بمُفارقة لا يجدون لها حلاّ إلا السماح لك برؤية الملك.

بدون أن يغير ملابسه، ذهب دون كيشوط مسرعا إلى باب القصر قبل طلوع الشمس فتقدم على كل الخدّام الذين قرروا تجريب حظهم هذا اليوم للدخول على الملك وعرض طلباتهم المُلحّة عليه.

لم يمرّ وقت طويل حتى طال الطابور وتصدّر المنتظرين بطلنا الدون كيشوط… الذي نادى عليه الحاجب أولا فأدخله الحارس على هيئة كبار الدولة.

قال له كبير الحكماء: تعرف القانون.. هيا قل القَسم وسبَب حضورك إلى القصر.

قال دون كيشوط: أقسم باسم الرب أن عيناي تُــقتلعان في القصر وليس في مكان آخر. وسكت..

نظر أعضاء الهيئة إلى بعضهم متعجبين وبدأوا يهمهمون ويتحركون يمينا ويسارا…

نظر كبير الحكماء إلى دون كيشوط وأمره أن يخرج من قاعة الهيئة حتى يتداولون في أمره.

القانون واضح، قال كبير الحكماء، الكاذب تقتلع عيناه والصادق يدخل على الملك.

قال كبير خدّام الدولة، إذا سمحنا له بالدخول على مولانا الملك سيكون دون كيشوط كاذبا لأنه أقسم أن عيناه تُــقتلعان هنا والآن.

قال كبير الشرطة، إذا اقتلعنا عينيه سيكون صادقا لأنه على هذا أقسَم. والصادق يُسمح له بدخول حضرة الملك.

وقعت الهيئة، كما تنبأ الحكيم، في مناقضة عجيبة وقرروا إخبار كبير مستشاري الملك بالواقعة. فأمرهم بأن يسمحوا لدون كيشوط بمقابلة الملك لينظر بنفسه في الأمر.

دخل دون كيشوط على الحضرة المولوية خاشعا مطأطأً رأسه من الخشوع والذلة والهيبة.. كلّها مختلطة في باله المشوّش.

فسأله الملك ماذا تريد، قال: رسالة أودّ إخباركم بها إن تكرّمت مولاي الملك.

أوجز، قال الملك وهو يتأمل في هيئة الدون كيشوط غير المألوفة.

مولاي، رأيت في المنام حُلما مزعجا وتكرر معي إحدى عشرة مرة، فظننت أنه أمر خطير. رأيت وكأن مملكتكم السعيدة أصبحت سوداءَ مظلمةً. فخِفت أن يقع مكروه فيسوءُ حال رعاياكم المحظوظين بطلعتكم البهية وسياستكم الرشيدة.

ثم أدخل عنقه بين كتفيه من هيبة الموقف وسكت. لكن خائنة عينيه أرته الملك يناجي مستشاره دون أن يسمع حديثهما.

وبهدوء قال الملك: أيها الحرّاس، تعالوا وانزعوا عيني هذا الخادم. وبسرعة جَاؤُوا وبسرعة نفّدُوا الأمر… قاوم الدون كيشوط.. وصرخ.. وبكى.. وفي الأخير استسلم لقدره.

انتظر الملك حتى سكت الألم عن دون كيشوط ثم سأله: لماذا قاومت وصرخت وبكيت، ألم تقسم أن عيناك تقتلعان هنا وليس في مكان آخر؟

أنت الآن في مملكتي، فماذا ترى؟

قال دون كيشوط الأعمى: لا أرى شيئا غير السواد والظلمة..

قال الملك ها قد تحقق حُلمك. فاخرج من قصري وتوقّف عن خدمتي فلا يعمل لدينا العُميان. وقد أجرينا لك معاشا دائما، فالزم بيتك حتى تنتهي أيامك.

انتهت المقابلة. أخرجوه..

أُلقي بكيشوط الأعمى خارج القصر. فتسمّر في مكانه، فلم يعد يدري أو يُبصر أين يذهب ويسير.

مرّ بالقرب منه أحد الدراويش فتفرس في وجهه ثم فهم أمره.

قال الدرويش: كم من الرجال دخلوا إلى هذا القصر بعينين مُبصرتين وخرجوا صُمّا بُكْما عُميًا فهم لا يُبصرون.

هل أقودك إلى بيتك؟ قال الدرويش للأعمى الذي لم يحرك شفتيه بل قال برأسه: نعم.

جرّه من يده اليمنى ولم يتكلما في شيء طول الطريق.

عندنا وصلا إلى البيت، همّ دون كيشوط بشُكر دليله الدرويش، فقال: لا تشكرني. لكن إذا كان ولابد، فقل للحكيم عندما تلتقيه يوما من الأيام:

الرؤيا تقول: الظلم ظلمات يوم القيامة..

وقيّامتهم.. قــرّْباتْ.