لم يبق إلا شهور قليلة وسنكون على موعد مع معرفة الشخص الذي سيخلف “باراك أوباما” في البيت الأبيض، وتنحصر المنافسة بين مرشحة الحزب الديمقراطي “هيلاري كلينتون”، ومرشح الحزب الجمهوري “دونالد ترامب”، حيث يرى مراقبون كثر أن الانتخابات لن تغير شيئا في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، خصوصا وأن كلا المرشحين لا يختلف كثيرا عن “أوباما”. من خلال الوعود التي قطعها كلا الطرفين، سنحاول إيضاح بعض ملامحهما، ومن خلال ذلك يمكننا توقع ملامح الولايات المتحدة الأمريكية بعد 8 نوفمبر.

السياسية “هيلاري كلينتون”

تدخل كلينتون سباق الرئاسة ولها خبرة في الشؤون السياسية الأمريكية لتوليها عدة مناصب في الدولة، أبرزها وزارة الخارجية في الفترة الممتدة بين 2009 و 2013، إضافة إلى كونها زوجة الرئيس الأمريكي السابق، “بيل كلينتون”.

ليس هناك فرق كبير بين “كلينتون” والرئيس الحالي “باراك أوباما”، حيث إن كلاهما من نفس الحزب، إضافة إلى أنهما يجيدان اللعب على أوتار “السياسة” في الشؤون الخارجية، وربما فترة أوباما الأولى والثانية كافيتان للدلالة على سياسة كلينتون، رغم أنها لم تستمر في الولاية الثانية بعد أن خلفها “جون كيري”.

في حوار لمسؤول الحملة الانتخابية لهيلاري كلينتون مع صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية، صرح أن استراتيجية كلينتون تقوم على ملاحقة كل ما له صلة “بالمحيط الافتراضي” لحركات المقاومة وخاصة حماس.

وعلى المستوى الداخلي وعدت بدعم الطبقة المتوسطة، لأن والدتها كانت تعمل خادمة، وهي تعرف معاناتهم. كما أكدت على تخفيض الضرائب الملقاة على الشركات الصغيرة.

كل ما سبق يعني شيئا واحدا، وهو أنه إن ترأست كلينتون الولايات المتحدة الأمريكية فستبقى الأمور على حالها في عدة نواحي، داخليا وخارجيا، من ضمنها سياسة أمريكا في الشرق الأوسط، وستتعامل مع الأحداث والوقائع بنفس المنطق الحالي.

الملياردير “دونالد ترامب”

في سنة 2006 تم تأسيس جامعة متخصصة في دراسة قطاع العقارات، كلفت الدراسة فيها ألاف الدولارات، لكن لم توفر أي شهادات لطلابها، ليتم اكتشاف أنهم أمام عملية احتيال، رفعت دعوى ضد مؤسسها في سنة 2010، ولا زال متابعا في المحاكم لحد الآن، هذا المتهم هو منافس كلينتون في سباق الرئاسة “ترامب”. مجرد ذكر هذه القضية قد يكون كافيا لإيضاح بعض ملامح الرجل، الذي يكاد يجمع كثيرون على أنه لا يفقه شيئا في السياسة.

في بريطانيا كان رئيس الوزراء السابق “ديفيد كامرون” مكرها، حين نفذ ما وعد به البرطانيين وأجرى استفتاء بشأن الخروج من الاتحاد الأوروبي، واختار الشعب الخروج، هذا ما يتوافق مع رؤية ترامب في “بلاد العم سام”، حيث بارك نتائج الاستفتاء، ووعد هو الآخر بمراجعة كل اتفاقيات التجارة، وربما قد يتطور هذا لتتم مراجعة أمور أخرى لا تخطر على بال الميلياردير الأمريكي.

أما على المستوى الداخلي فتصريحات ترامب معادية للأقليات داخل الولايات المتحدة خصوصا المسلمين، وقد وعد بوضع قرار ترحيل 11 مليون مهاجر غير شرعي في أمريكا حيز التنفيذ، وكذلك لا يخفي ترامب ميله للبيض على حساب السود وهذا ما أوضحته تغريدة له حيث قال: إن الأمريكيين من أصل إفريقي يقتلون البيض والسود بمعدلات أكثر بكثير من قتل البيض أو ضباط الشرطة للسود.

كما أكد ترامب دعمه اللامشروط للكيان الصهيوني، وقد وعد برفع المساعدات العسكرية، ونقل السفارة الأمريكية من “تل أبيب” إلى “القدس”، في إشارة منه إلى أنها عاصمة إسرائيل، كما أنه دعم رفع عدد المستوطنات، بل ذهب بعيدا في دعمه وقال إن أي هجوم على إسرائيل هو هجوم على الولايات المتحدة الأمريكية.

اللوبي الصهيوني وتأثيره على الانتخابات

إن اللوبي الصهيوني ذو تأثير كبير داخل المجتمع الأمريكي، وعلى مفاصل الدولة، وعلى الانتخابات الرئاسية، فهو يمول حملاتها بنسبة قد تصل لحوالي 60%، لذلك فإن أي مرشح رئاسي لابد له من استمالته لكي يحظى بالدعم المادي والمعنوي الذي يسمح له بالوصول للسلطة.

كان اللوبي الصهيوني في الانتخابات الماضية يعطي غالبية أصواته للحزب الديمقراطي لأنه يتوافق مع رؤاهم، وهذا يسري على هذه الانتخابات كذلك، رغم أن المرشح الجمهوري، استمال اليهود أكثر من خلال دعمه اللامشروط لهم.

السياسة الأمريكية بعد نوفمبر

بعد هجوم أورلاندو، دافع “أوباما” و”كلينتون” عن المسلمين، بينما هاجمهم “دونالد ترامب”. هذه التصريحات تجسد السياسة الأمريكية الحالية (أوباما)، والقادمة (كلينتون أو ترامب)، كما أنها توضح التقارب الذي تحدثنا عنه بين الرئيس الحالي، ومرشحة الحزب الديمقراطي، وللإشارة فهما لم يقولا ذلك لسواد عيون المسلمين، وإنما لكونهما سياسيين متمرسين، ويعلمان من أين تؤكل الكتف في السياسة، عكس ترامب الذي عبر عن رأيه بصراحة دون كذب أو مواراة.

لهذا فإن أسفرت الانتخابات عن فوز الميلياردير “ترامب” كما يتوقع عدة مراقبين، لأنه الأقرب لمصالح اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، فإن ذلك يعني أن ما كانت تقوم به الولايات المتحدة وتقول عكسه، مثلا “قتلها للأبرياء”، في سوريا والعراق تحت يافطة محاربة الإرهاب، ستقوم به في عهد ترامب بشكل مباشر، ودون أي تبرير.

خلاصة

من خلال ما سبق اتضح لنا أن مرشحة الحزب الديمقراطي سبق لها أن شغلت مناصب سياسية، وهي على دراية بخبايا اللعبة، كما أنها لا تختلف كثيرا عن الرئيس الحالي، أما المرشح الجمهوري فاسمه ارتبط بالمال والأعمال أكثر مما ارتبط بالسياسة، وهذا ما يتجلى في تصريحاته المثيرة للجدل، كما اتضح لنا أن اللوبي الصهيوني متغلغل بشكل كبير داخل المجتمع الأمريكي وداخل مراكز القرار مما يجعله متحكما بالانتخابات، ولا يمكن لأي مرشح أن يفوز إن لم يدعمه هذا اللوبي، والمرشحون على علم بهذا، لذلك قطع كلاهما وعودا بدعم إسرائيل بشكل من الأشكال، مع أفضلية لدونالد ترامب، مما يقربه من البيت الأبيض. بهذا فإن سياسة أمريكا القادمة ستزيد من دعمها المادي والمعنوي للصهاينة، ولكل الطغاة الذين تتقاطع مصالحها معهم.