ليلةٌ بين صفحات التاريخ

ليلةٌ ستستقر في ذاكرة ووجدان كل من عاشها، الرافض لتلك المحاولة الفاشلة والمؤيد، ليلة سيسطرها التاريخ بماء من ذهبٍ ويروي تلك الأحداث للذين سيأتون بعد من عاشها مِن أبناءٍ وأحفاد.. سيتذكر العالمُ أن إرادة شعبٍ علَّمَت الشعوبَ معانيَ حب الوطن والكرامة والحرية، كما سيسجل التاريخ أن مكالمة عبر “فيس تايم” أخرجت شعبا كاملاً إلى الميادين والشوارع فأشلت انقلابا عسكريا كاد يطيح بتركيا النموذج.

 

الإعلام الجديد، ودوره في إفشال الانقلاب

 كانت محاولة انقلاب بديهية وتقليدية، فاستعمل خلالها المدبّرون أثناء مخاطبتهم للشعب تقنيةً يبلغُ عمرها قرنا وعقودا، تمثلت في إذاعة بيانهم المشؤوم عبر محطة “تي.آر.تي” الرسمية معلنين فيه حظر التجوال، إلا أنها سرعان ما انهزمت أمام تكنولوجيا القرن 21 وقوة الشعب بعد إرادة الله عز وجل.
لكن قبل الحديث عن فشل المحاولة، لاحظ الجميع أن الأوضاع في تركيا مساء ذلك اليوم ظلت غامضة، إذ لا أحد يدري أنجح الانقلاب أم لا، لأنه تقريبا جميع القنوات الفضائية التركية والعربية كانت في حيرةٍ بين تصريحات عسكرية تؤكد أن الجيش قد سيطر على السلطة في البلاد، وأخرى حكومية مفادها فشل الانقلاب وأن الأوضاع مازالت تحت السيطرة، إلى أن برزت ثغرة من بين الثغرات التي فاجأت المتآمرين على الشرعية وساهمت في إنقاذ الموقف، تمثلت في عدم استطاعتهم إغلاق قنوات التلفزيون الخاصة واتصالات الهواتف المحمولة إضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي، ما مَكن الرئيس التركي “أردوغان” من استخدام “الإعلام الجديد” بدهاء وحكمة لتوجيه خطابه إلى الشعب التركي ودعوته إلى التظاهر في الميادين ردّا على المحاولة الانقلابية الفاشلة، فلبّى الشعبُ النداء وتصدى للانقلاب بعد اطمئنانه وإدراكه أن الرئيس لم يُعتقَل، ولايزال في البلاد آمناً..
 ليس هذا فحسب، فتجلى دور “الإعلام الجديد” أيضاً خلال هذه الأحداث، حين كَتب رئيسُ الوزراء التركي “بن علي يلدرم” رسائل عبر موقع “تويتر” يدين فيها الانقلاب ويؤكد للأتراك أن القيادة العليا للقوات المسلحة لم تساند التمرد، ليفاجأنا الشعب التركي بعد نداء رئيسهم ورئيس وزرائهم باستجابةٍ ميزتها سرعةٌ كبيرة فاقت سرعةَ الانقلابيين في إقناع قواتهم بالنزول إلى الميادين، فلم يستغرق الشعبُ في إفشال محاولة الانقلاب والتصدي للقائمين عليها، سوى ساعتين..
 إذاً فالإعلام الجديد كان سبباً بارزاً في الإطاحة بالانقلاب، لأن خطاب قادة الدولة لشعبهم بصورة إعلامية محترفة ومقنِعة كان كافيا لرفع همم وعزائم الشعب وخروج كل مكوناته، يهتف جلهم: “يا الله، بسم الله، والله أكبر” ضد رصاص الانقلابيين المتمردين ودباباتهم.. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي مِثل: (السكايب والفيسبوك وتويتر) وغيرها أثبتت مجدداً جانبها الإيجابي في خدمة الحرية وقضايا الأمة والشعوب، حيث استعان بها أردوغان الذي استخدم برنامج (فيس تايم)، واستعان بها مؤازروه الذين استخدموا (فيسبوك) و(تويتر)، داعين الشعب للنزول إلى الميادين كي يقرر مصيره، فبرهن الإعلام الجديد على قوته مقارنة بوسائل الإعلام الأخرى، وهو الذي بات على علاقة حميمية مع كل شخص، أينما وُجد، وفي أي وقت.
ولعب هذا الإعلام أيضا دوراً بارزا في فضح بعض المتآمرين بتسريب رسائل تداولوها بينهم على (واتس أب)، تضم أسماء شخصيات وأرقام هواتف، إضافة إلى خطة الانقلاب الفاشلة.

 

وعيٌ بأهمية الإعلام وضرورة الحرية الإعلامية

– أهمية الإعلام وتعدد منابره

أدرك الحزب الحاكم منذ سنوات أهمية الإعلام ودوره في إقناع الشعب وتأطيره، فصار يمتلك نسبة كبيرة من مجموع المنابر الإعلامية التركية، ولقد شهدنا جميعاً نتيجة توسعه الإعلامي في مواجهة الانقلاب الفاشل.

– ضرورة الحرية الإعلامية

كما أدرك الحزب أيضاً أن ضرورة الحرية الإعلامية وحرية التعبير عن الرأي تنحازان إلى صف الديمقراطية وتصبان في مصلحتها، وهذا الذي ظهر لنا جليا في تلك الليلة، إذ سيطَر الانقلابيون على قناة “تي.آر.تي” وبعض القنوات الأخرى، ولكن كان من المستحيل أن يسيطروا على مقرات أكثر من 200 قناة، ولا شك أن هذا العدد راجعٌ إلى الحرية الإعلامية، فلم يفرض الحزب الحاكم أي قيود على وسائل الإعلام، وأنهت الفضائيات احتكار السلطة لشركة تلفزيونية رسمية واحدة، مثل ما نجد في عدة بلدان عربية، إذا ما سيطر عليها الانقلابيون سقطت الحكومة ونجح الانقلاب.
ونتيجة هذه الحرية ظهرت عدة قنوات غيرُ متبنيةٍ أيديولوجية الحزب الحاكم، إذ عملت بحس وطني بعيداً عن الحزبية والطائفية والأيديولوجية، وحتى القنوات التابعة للحزب نجدها تنهج هذا الحس في بعض الأحيان، مما أدى إلى حشد إرادة الشعب التركي بمختلف مكوناته وأطيافه وتياراته.

 

عوامل أخرى ساهمت في إفشال الانقلاب

ربّما بتسليطي الضوء على فِعل الإعلام ودوره في فَشل الانقلاب العسكري، وحشد المواطنين وَسَطَ الميادين، دون أن أستحضر عدة عوامل أخرى ساهمت في هذا الفشل؛ أكون إنساناً أنانيا منحصرا داخل قوقعة تخَصُّصِه.
قال ذ. فتح الله أرسلان في إحدى كتابات: “الفصل هنا تخصصيٌ فقط وإلا فالجميع معنيون بِالهَمّ التربوي والدعوي”، نتعلم من الرجال وننسج على منوالهم مشيرين إلى أن الفصلَ هنا تخصصيٌ فقط وإلا فإن الجميع معنيون ومساهمون في فشل المحاولة الانقلابية تحقيقاً للتكامل. ونذكر من بين العوامل المساهمة في إفشال هذا الانقلاب العسكري رجالا يعتلون الدبابات ونساء خرجن يحملن آنيتهن مباشرة من المنازل؛ إنها “الإرادةُ الشعبية” التي تجسدت في شعبٍ لبَّى مسرعاً غير مكترث لِما ينتظره في الشارع، فما كان للمحاولة الانقلابية أن تفشل لولا وقوفِه صامداً بصدره العاري أمام رصاص العسكر والدبابات، ولا نغفل التي نادت: “حي على الجهاد” فحفّزتِ الشعبَ فحشَدته فصَدَح وهتف: (إنّ من تدعمه الجوامعُ فلن تهزمه المدافع)، إنها المساجد.
ثم مِن العوامل التي برزت أيضاً منظمات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة المتمثلة في البَلَديات والبرلمان والرئاسة، ولا يمكن إغفال دور جهازي المخابرات والشرطة الذين أعلنا منذ الدقائق الأولى معارضتهما الحاسمة. وقبل كل هذه العوامل يبقى العامل الأهم والأساسي هو إرادة الله عز وجل، يرافقها الإيمان واليقين بأنه قادر على كل شيء، أستحضر عبارةً سجلتها عند سماعي لإحدى كلمات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حين قال” مهما فعلتم ودبرتم، فإن القرار ينزل من أعماق السماء“.

هذه مجرد فقرات سريعة كتبتها بعد تتبعي لأحداث المحاولة الانقلابية ومستجداتها منذ ليلة السبت 16 يوليوز، تعطي تصورا عن الإعلام وأهميته، خصوصاً “الإعلام الجديد”، فلا يمكن إغفال دوره الذي برز منذ انتفاضة الربيع العربي، فضلا عن دوره المهم في الدفاع عن قضايا الشعب العادلة، وفي البناء والتأطير، وفي دعم مطالب الاحتجاجات المجتمعية وتشكيل الرأي العام الضاغط من أجل تحقيقها. وعلينا أن نؤمنَ -أخي القارئ- بأنه بما أفشل الإعلامُ الجديد انقلاباً عسكرياً، إذاً هو قادرٌ على إسقاط حُكمٍ استبدادي ونظامٍ فاسد، فقط يلزم إرادةُ شعبٍ والتفافٌ حول قيادةٍ راشدة.