بتاريخ 19 يوليوز 2016 على الساعة الثامنة صباحا أقدمت إدارة السجن المحلي بوركايز بفاس على ترحيل المعتقل السياسي السيد عمر محب إلى سجن رأس الماء دون مبرر، ودون سابق إشعار.

وقد تم تجريد السيد عمر محب أثناء عملية الترحيل من العديد من أغراضه، من قبيل الكتب، المراجع الدراسية، الأفرشة، بعض الألبسة، موصل كهربائي، تلفاز وغيرها.

وتجدر الإشارة أن حراس السجن كانوا على مستوى كبير من التوتر والجفاء، وأمعنوا في إهانة المعتقل السياسي السيد عمر محب والحط من كرامته أثناء القيام بإجراءات الترحيل، بالصراخ في وجهه والغلظة في القول، خلافا لمقتضيات القانون 23.98 المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية، ودستور 2011 والعهود والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، دون اكتراث لظروفه الصحية المتدهورة، ودون حتى مراعاة لظروفه الدراسية، حيث كان من المفترض أن يجتاز إحدى الامتحانات في اليوم الموالي للترحيل، أي الأربعاء 20 يوليوز 2016.

وبعد نقل المعتقل السياسي السيد عمر محب إلى السجن الجديد، تم إيداعه في زنزانة انفرادية ضيقة لا تتوفر على أبسط الشروط الضرورية للحياة، على نحو لا يتناسب وظروفه الصحية، إذ أنه يعاني من عدة أمراض كالصرع والربو والحساسية، ألمت به داخل السجن نتيجة الإهمال الطبي وانعدام الشروط الصحية المتعارف عليها داخل المؤسسات السجنية.

ويتعين الإشارة إلى أن توزيع السجناء على السجون ينبغي أن يراعي مجموعة من الاعتبارات من بينها سكنى عائلة السجين وحالته الصحية البدنية والعقلية، عملا بمقتضيات المادة 29 من القانون 23.98 المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية.

ويبدو أن الترحيل اتخذ كإجراء عقابي في مواجهة السيد عمر محب دون وجود ما يبرره، بدليل الظروف التي واكبت إجراءات الترحيل والطريقة المستفزة والمهينة التي تعامل بها حراس السجن معه، علما أنه لم يصدر أي مقرر تأديبي بذلك عن اللجنة التأديبية المنصوص عليها في المادة 53 من القانون رقم 23.98.

وعلى فرض أن السيد عمر محب ارتكب إحدى المخالفات التأديبية المنصوص عليها في المادة 54 من القانون 23.98 تبرر توقيع إحدى العقوبات، فإنه ليس في المادة 55 من ذات القانون التي تحدد العقوبات عقوبة ترحيل السجين من سجن إلى آخر.

كما تم تجريد السيد عمر محب من أغراضه الشخصية كبعض الملابس والكتب والمراجع التي يعتمد عليها في دراسته، والتي تم التزود بها بكيفية قانونية مخالف لمقتضيات المادتين 119 و122 التي تنظم إجراء التزود بما ذكر وتقيد التجريد بصدور إجراء تأديبي، وهو المنتفي في النازلة الحالية.

وحاصل الأمر أن إجراء الترحيل نفسه والطريقة المهينة التي تم بها يدخل في إطار حملة التضييق والتعذيب التي تستهدف المعتقل السياسي عمر محب بسبب انتمائه لجماعة العدل والإحسان، في تحد صارخ لكل العهود والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان التي وقع عليها المغرب، علما أن ورد في تصدير دستور 2011، كما ورد في دستور 1996، أن المغرب يتعهد بالتزام ما تقتضيه المواثيق الدولية من مبادئ وحقوق وواجبات، ويؤكد تشبته بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا.

وزاد دستور 2011 على دستور 1996، بأن نص على سمو الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب على التشريعات الوطنية.

وجدير بالذكر أن الفصل 22 من دستور 2011 نص على أنه: لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة).

لا يجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أي ذريعة، معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية).

ممارسة التعذيب بكافة أشكاله، ومن قبل أي أحد، جريمة يعاقب عليها القانون).

أما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي تبنته الأمم المتحدة بتاريخ 10 دجنبر1948، فقد نص في المادة الخامسة منه على أنه: لا يعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة).

كما أن الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب التي وقع عليها المغرب في 21 يونيو 1993 ووضعها حيز التنفيذ عام 1996، تنص على أنه يعد تعذيبا: أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أم عقليا، يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث – أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية. ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها).

وينبغي التنويه إلى أن المشرع المغربي أدمج مقتضيات اتفاقية مناهضة التعذيب في القانون الوطني، حيث تم إصدار القانون رقم 04/43 المتعلق بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي، إذ تمم الفرع الثالث من الباب الثاني من الجزء الأول من الكتاب الثالث الذي أصبح يحمل عنوان شطط الموظفين في استعمال سلطتهم إزاء الأفراد وممارسة التعذيب)، وأضاف إليه المواد من1-231 إلى 8-231 التي تناولت تعريف التعذيب وتجريمه ومعاقبة مقترفيه بعقوبات متفاوتة حسب كل حالة حيث قد تصل إلى السجن المؤبد (نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 23 فبراير 2006).

وفي هذا الصدد نص الفصل 231-1 على أن: كل فعل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسدي أو نفسي يرتكبه عمدا موظف عمومي أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه في حق شخص لتخويفه أو إرغامه على الإدلاء بمعلومات أو بيانات أو اعتراف بهدف معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو شخص آخر، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب التي يقوم على التمييز أيا كان نوعه. ولا يعتبر تعذيبا الألم والعذاب الناتج عن عقوبات قانونية أو المترتب عنها أو الملازم لها).

وتجدر الإشارة أنه ليست هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها التضييق على المعتقل السياسي السيد عمر محب، إذ أنه سبق أن تعرض بتاريخ 2 يوليوز 2007 لاعتداء شنيع من قبل موظفي سجن بوركايز بمدينة فاس، الذي اقتحموا عليه زنزانته واقتادوه إلى مكان منعزل عن الأعين والكاميرات، وتحرشوا به جنسيا، ولما صرخ مستنكرا ما فعلوه، وجهوا له وابلا من السب والشتم بكلام ناب وخادش للحياء يستحي الحبر من كتابته وتدوينه، ثم انهالوا عليه بالضرب بالعصي والرفس بالأرجل بوحشية على مستوى الرأس والرجلين، كما تم لي ذراعيه، واستمر الاعتداء عليه حتى أغمي عليه لمدة أربع ساعات، ليستفيق بعد حقنه بحقن يجهلها لإعادة وعيه. وأن الاعتداء الوحشي والتعذيب الممنهج خلف للسيد عمر محب إصابات خطيرة على مستوى الرأس والكتف والركبة، فضلا عن الانهيار النفسي الخطير نتيجة الإحساس المرير بالإهانة.

ونتيجة ذلك فإن الأستاذ عمر محب أصبح يعاني من دوار مستمر في الرأس، والتلعثم في الكلام، وعدم القدرة على التركيز بسبب الضرب الفظيع التي تلقاه على مستوى الرأس، هذا ناهيك عن الآلام الحادة التي يعاني منها على مستوى الكتفين والرجلين.

إن الفعل الذي أقدم عليه موظفو السجن مخالف لمقتضيات القانون 23.98 المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية، الذي يقنن استعمال القوة ضد السجناء من قبل موظفي إدارة السجن، إذ نصت المادة 64 على أنه: يمنع على الموظفين استعمال القوة تجاه المعتقلين، إلا في حالة الدفاع المشروع، أو عند محاولة هروب، أو القبض على الهاربين، أو عند مقاومة باستعمال العنف، أو بعدم الامتثال للأوامر).

ورغم الشكاية التي وجهها الأستاذ عمر محب إلى السيد وكيل الملك لدى ابتدائية فاس في مواجهة مدير السجن والموظفين الذين نفذوا الاعتداء، والكتاب الذي بعث به إلى مجموعة من الجهات الرسمية ومنها المندوبية السامية لإدارة السجون والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، ورغم الزيارة التي قام بها وفد لجنة التحقيق التابع للمندوبية السامية لإدارة السجون بتاريخ 5 يوليوز 2014، والزيارة التي قام بها المجلس الوطني لحقوق الإنسان بتاريخ 8 يوليوز 2014، ورغم الطلب الذي تقدم به إلى السيد وكيل الملك لدى ابتدائية فاس قصد عرضه فحص طبي لإثبات الإصابات اللاحقة به، ولو على نفقته بعد رفض طبيب السجن تحرير طبي يوثق الأضرار الصحية الخطيرة اللاحقة به، إلا أنه ظل بدون علاج ولا رعاية طبية مند 2 يوليوز 2014، حيث عرفت وضعيته الصحية تدهورا خطيرا.

وبتاريخ 29 فبراير 2016 منعت إدارة سجن بوركايز السيد عمر محب من زيارة الطبيب المعالج، المختص في جراحة الدماغ، بعدما كان موعد الزيارة محددا سلفا معرضة بذلك حياة السيد عمر محب للخطر الداهم نتيجة تدهور حالته الصحية تدهورا خطيرا على نحو يستدعي مراقبة طبية مستمرة من لدن طبيب مختص في أمراض الدماغ والأعصاب. ولم يتم السماح له بزيارة الطبيب المختص في أمراض الدماغ والأعصاب، إلا بعد توجيه شكاية في الموضوع إلى السيد المندوب العام للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج في شهر أبريل 2016.

فإلى متى ستستمر السلطات المغربية في التضييق على المعتقل السياسي السيد عمر محب والإمعان في إهانته وتعذيبه والحط من كرامته؟ ألا يكفي أنه يقضي عقوبة عشر سنوات سجنا نافذا على جريمة أدين بها بناء على أقوال شاهد ثبت ضلوعه وتورطه سنة 1993 وحكم عليه بسنتين حبسا نافذا في نفس الأفعال التي أدين من أجلها السيد عمر محب؟ وما حقيقة التزام المغرب فعلا بحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليا؟ وألا يؤكد ما تعرض ويتعرض له السيد عمر محب صدق التقارير التي تحدثت مند مدة عن التعذيب الممنهج في السجون؟

حسن هروش: محام بهيئة الدار البيضاء / عضو هيئة دفاع المعتقل السياسي الأستاذ عمر محب.