إن حقيقة أي شعب وهويته ومعدنه لا يظهر حتى يكون أمام تحدٍّ صعب من تحديات الحياة، فإن تجاوزه حُكِم عليه بأنه شعب عظيم يستحق أن تُقدم له التحية. وتحدٍّ من حجم الانقلاب على الشرعية عندما يتجاوزه شعب مثل الشعب التركي بنجاح ويتمكن من إحباطه ودحر منفّذيه، فهذا يعني أنه شعب عظيم يستحق أن نحييه ونحيي من ربّاه على هذه الرجولة والشهامة والوعي واليقظة. وتبدو هذه العظمة التي أبان عنها هذا الشعب الحرّ والأبي من جهتين:

– الأولى: أنه استطاع أن يصنع ديمقراطيته بنفسه ويقرّر من خلال وسائلها مصيره بأن ينصّب من يختاره ليحكمه. فاكتسب حقوقه بيديه دون أن ينتظر من يمنحها له هدايا وعطايا يمنّ بها عليه.

– الثانية: لأنه يقظ أشدّ ما تكون اليقظة، في الدفاع عن ديمقراطيته والتصدي لكل من أراد المساس بمكتسباته المشروعة. ومستعدّ في ذلك بأن يبذل من أجلها دماء الشهداء. وكيف لا يفدي حقوقه المشروعة وهي ملكه، حياته أو موته. ولقد رأينا تلك الصور المشرّفة والمعبرة عن مواقف الشجاعة التي بثتها وسائل الإعلام، كصورة الرجل الذي استلقى في مقدمة الدبابة ليمنعها من التقدّم، والرجال والنساء الذين منعوا دبابة وهي فارغة تقودها الشرطة من الدخول إلى محيط المطار بدعوى أن المطار للمدنيين وليس للعسكريين.

هذا الشعب الذي يستحق منا اليوم التحية والتقدير للإنجاز الكبير الذي حققه والذي أفحم به الخصوم ولقّم به أفواه بعض الأعداء الحجر، أعطى للصديق القريب والبعيد المثال في كيفية صناعة التاريخ بوحدة الصف ووحدة الكلمة رغم اختلاف أطيافه في التوجهات والإديولوجيات، وأعطى للعدو المتربّص الدرس البالغ في احترام إرادة الشعب وحقوقه التي رغم الكيد والمكر انتصرت في النهاية. هذا الشعب بهذه العظمة لم يكن لصدفة تاريخية، وإنما لإرادة أخرى صنعته وهيأته لمثل هذه الظروف الحالكة. فقد رباه حكامه ومسئولوه بمواقف الرجولة كموقف انسحاب أردوغان من مؤتمر دافوس الذي حضره شمعون بيريس، وربّوه بتاريخ أمجادهم العظام، كمحمد الفاتح والشيخ سعيد النورسي وسليمان قانوني رحمهم الله، وربوه بإعلام هادف وتعليم ناجح يليقان بنشر الثقافة والوعي واليقظة والجندية. وربّوه بالثقة والمحبة بين الحاكم والمحكوم. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم..” 1 .

فلو كانوا ربوه على الخنوع والخضوع بالوعود الكاذبة ومهرجانات الرذيلة، وربوه بإعلام لا يبث إلا العبث والفساد كما يفعل غيرهم من الحكام لما وجدوه في مثل هذه الظروف ليقف صفا واحدا في وجه من يريد الشر ببلادهم.

أمّا من أرادوا الشماتة بهذا الشعب العظيم والذين سارعوا إلى تهنئة بعضهم البعض بالانقلاب الغاشم فقد انهزموا ولله الحمد وولوا الأدبار خاسئين، يقول الله تعالى: وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا 2 .


[1] رواه الإمام مسلم رحمه الله.\
[2] الأحزاب: 25.\