فشلت محاولة الانقلاب العسكري ببلاد الأتراك، “الرجل المريض” سابقا. محاولة بدأت مساء الجمعة، لتتفكك خيوطها صباح يوم السبت. ورغم كل الطفرة الاقتصادية والاجتماعية التي تمتعت بها تركيا خلال فترة حكم أردوغان، فإن هذا لم يعفه من هذه المحاولات، إذا أضفنا إليها أكثر من 15 عملية إرهابية، واستحضرنا المواقف الدولية المعلنة من جملة من القضايا في الساحة الإقليمية، فإننا قد نفهم لماذا أصبحت “الدولة العثمانية” في مرمى الضربات والتآمر الخارجي المستمر (لم يكن إيقاف فرنسا يومين قبل الانقلاب تعاملها مع تركيا بمحض الصدفة).

قام المتمردون بقصف البرلمان كإشارة أولى على الديمقراطية التي بشروا بها) ونزلوا إلى المطارات، وعمدوا إلى إغلاق ممر البوسفور الحيوي، وفرضوا حظر التجول وأعلنوا عودة الأحكام العرفية، وسيطروا على القناة التركية الرسمية، ثم عمدوا إلى محاولة اغتيال الرئيس رجب طيب أردوغان الذي كان في عطلة في منتجع مرمريس جنوب غرب البلاد.

بالمقابل كان موقف المعارضة التركية ناضجا وواعيا، ليس انتهازيا أو وصوليا، ولم يجعل من الاختلاف الأيديولوجي مع أردوغان أو حزب العدالة والتنمية مدعاة لمساعدة الجيش لتصفية الخصوم كما وقع بمصر، وأعلنت الأحزاب منذ الساعات الأولى رفضها لأي محاولة عسكرية للسيطرة على مفاصل الدولة بالعنف، لتقول إن بالبرامج وحدها والعمل السياسي والصناديق يمكن التغيير، وذكر زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض كليجدار أوغلو: إن تركيا عانت من الانقلابات وسندافع عن الديمقراطية).

ونزل الشعب التركي بالأعلام التركية بعدما سمع نداء الرئيس في تسجيل على وسائط التواصل الحديث “فايس تايم” يدعو الناس للنزول إلى الساحات. ليقول إن الوطن فوق كل شيء، وليعطي الدروس ويصنع التاريخ.

بعد كل هذا انكشف زيف وكذب العديد من وسائل الإعلام العربية والدولية، التي لم تراع قواعد المهنية والصدق في نقل الخبر، كما ظهر تذبذب القوى الغربية في مواقفها، والتي انتظر كثير منها ثبوت الفشل، لتعلن مساندتها للديمقراطية وللمؤسسات.

إن تلخيص الدرس التركي يجعلنا أمام حقيقة واحدة، وهي أن الديمقراطية هي صمام الأمان لكل بلد ينشد الحرية والكرامة والعدل، ولكل شعب يقظ واع وناضج ومسؤول، لا يساق غنما ويهيج ويرقص في الساحات، بل هو مستعد للتضحية والخروج والتظاهر للدفاع عن بلده وعن اختياراته، لأن الانقلابات لا تصنع إلا الخيبات والويلات والعنف والديكتاتورية والدماء، وقمع الحريات وخنق الصحافة.

اختيار الشعب حصن لكل دولة من الخونة وأعداء الداخل والخارج عبر جبهة داخلية قوية، بسيادة القانون فوق الجميع واستقلالية القضاء، واحترام كرامة المواطن، وعدم السماح للمؤسسة العسكرية بالتدخل بأي شكل من الأشكال وتحت أي ذريعة، لأن مكانها الثكنات والجبهات والحدود في مواجهة العدو. أضف إلى هذا أحزابا سياسية وطنية لها غيرة، تكمن قوتها في تدافع رؤاها ووجهات نظرها ومشاريعها المجتمعية الواضحة. وهذا الاختلاف في التصورات والطروحات الفكرية هو ما يغني الوطن ويدفعه إلى مزيد من التنافس، وإلى تنوع مشارب وطرق حل الأزمات والخروج من المطبات وصناعة المعجزات.

الحرب يجب أن تخاض ضد الفساد لا على الوطن، ويجب أن يتربى الناس على القانون وعلى روح الاختيار وقوة الدفاع عن الحق مهما كان الاصطفاف والاختلاف، بعيدا عن التدخلات والإملاءات والتوجيهات والأجندات والحسابات، يلقن ذلك في الأسرة، في المدرسة.

ولابد من إعلام حر ومستقل ورجال صحافة ينقلون الخبر بأمانة ومسؤولية.