كيف ينظر الإسلام إلى الحضارة وإلى السوق؟ ما هي العلاقة بينهما؟ وما هي البدائل الممكنة لوقف طاحونة السوق؟

ننظر كيف عالج القرآن الكريم والسنة المطهرة موضوع “السوق” من خلال علائقه: التجارة، المال، البيع، الشراء…

موقع “السوق” في هذا السياق:

وردت مادة “ساق” في القرآن الكريم 17 مرة، اثنتان منها فقط تفيد السوق، وردت بالجمع “الأسواق” في سورة الفرقان في معرض محاججة الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق. وهي إشارة لطيفة منه سبحانه لهوان الأسواق ودونيتها حتى على لسان أبناء السوق. إذ ما دام هذا الرسول يمشي في الأسواق فأين هي أفضليته – في زعمهم- ؟!

بينما تجد عمليات السوق: التجارة، المال، البيع، الشراء أكثر ذكرا وأدق تحديدا.

التجارة

وردت 9 مرات في القرآن: واحدة وردت مقترنة بتشريع الكتابة والتعاقد. اثنتان وردتا للحض على تجارة الآخرة مع الله. ثلاثة وردت بصفة الذم إذ كانت تصد عن الجهاد والذكر. واحدة وردت مذمومة بمعنى الاختيار أي اختاروا الضلالة على الهدى. وواحدة مقترنة بأكل الأموال بالباطل وبقتل النفس.

المال والأموال (مفردة ونكرة ومضافة وجمعا)

وردت 85 مرة: توزعت بين كون المال نعمة من الله (27 مرة) نفعت أصحابها دنيا وأخرى ومدح الله أصحابها وأموالهم وهي كلها تحث على غاية واحدة: الإنفاق في سبيل الله. و41 مرة ذكرت المال نقمة على أصحابه دنيا وأخرى، بما شحوا وبما أنفقوا للصد عن سبيل الله وبما تفاخروا وتكاثروا رياء وسمعة واعتدادا واعتداء وتعاليا بالنعمة عن المنعم عز وجل. و17 مرة وردت محذرة من أكل أموال الناس بالباطل عموما وخصوصا أموال اليتامى.

ونسب المال إلى نفسه سبحانه وتعالى فقال: وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ، وقال عز من قائل: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ. هذا أصل عظيم يعطي للملكية في الإسلام مفهوما يناسب العبودية لله تعالى، عبودية الإنسان الصائر إلى ربه، العابر من دنياه لآخرته، جعل له المال زادا يتبلغ به لإحراز أسباب معاشه، ولم يجعل هو للمال، يملكه المال ويستحوذ فكره ونفسه. والاستخلاف الإلهي لنا على المال يقيدنا بشرط المالك، بأمره ونهيه. فلا وجود لحق مع الإخلال بالشرط. ولا حرمة شرعية لملكية لا تتقيد بما حده الله بها من أحكام) 1 . وبالرجوع إلى الشريعة، ومحاربة ما أحدثه العرف والقانون الوضعي، وغلبة الأقوياء والماكرين على المال، نسترد قوام العدل وهو استقامة الملكية على شرط المستخلف، في حدود أمره ونهيه، سبحانه لا إله إلا هو. هذه الحدود الإلهية لا تضع وسما على جبهة المال يميز الملكية الفردية عن الملكية الجماعية. بل تحبس المال في نطاق الانتفاع الذي تحصله الأمة منه. فهو مال الله أساسا، ومال الأمة استخلافا، ومال زيد أو عمرو انتفاعا مؤقتا مشروطا بألا يضر امتلاك الفرد بمنافع الأمة) 2 .

البيع

كلمة البيع أكثر شأنا من المال والسوق وردت 14 مرة في القرآن الكريم: اثنتان ارتبطتا بالإنفاق في سبيل الله من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال. اثنتان وردتا في آية واحدة وهما في غاية الأهمية إذ يميز الله عز وجل للناس بين البيع والربا الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 3 . ثم جاءت مقترنة بالإشهاد والكتابة عند البيع وذلك حفظا لمصالح المتبايعين ودرءا لأكل أموال الناس بالباطل. ثم جاءت مرتين مذمومة محرمة عندما يصد البيع عن ذكر الله وعن الصلاة وخاصة صلاة الجمعة. و5 مرات تفيد مبايعة الله ورسوله على الجهاد في سبيل الله. وختاما ينوه الله عز وجل ببيع الجنة الذي بموجبه اشترى سبحانه عز وجل من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ 4 .

الشراء

وردت كلمة اشترى وشرى 25 مرة في القرآن الكريم، كان حظ بني إسرائيل منها وافرا، إذ في 15 مرة كشفت عن معدنهم الخسيس وعن سلوكهم الدنس حيث اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا في 9 مواضع، واشتروا الكفر بالإيمان في موضع واحد، واشتروا السحر (وهو كفر) ليفرقوا بين المرء وزوجه في موضعين، واشتروا الضلالة بالهدى في موضعين، والحياة الدنيا بالآخرة في موضع واحد.

ثم اشترك معهم المنافقون في شراء الضلالة بالهدى في موضع واحد، واشتركوا معهم في شراء الكفر بالإيمان في موضع واحد. بينما حذر سبحانه وتعالى الناس أن يشتروا بالشهادة وبأيمانهم وعهودهم ثمنا قليلا في موضعين. ونهى ربنا سبحانه عن بيع وشراء لهو الحديث للصد عن سبيل الله في موضع واحد؛ قال الإمام الطبري رحمه الله: عني به كل ما كان من الحديث ملهيا عن سبيل الله مما نهى الله عن استماعه أو رسوله؛ لأن الله تعالى عم بقوله: (لهو الحديث) ولم يخصص بعضا دون بعض، فذلك على عمومه حتى يأتي ما يدل على خصوصه، والغناء والشرك من ذلك 5 .

تبين أن ما مجموعه 20 مرة تذكر فيها عملية الشراء كانت مذمومة، و ركزت على أخطر عملية شرائية: ألا وهي تحريف كلمات الله مقابل المال. وفيه جناية كبرى على الإنسانية بكتم الحق والهدى عن الناس وتصوير الباطل حقا كأنه من عند الله. وقد اختصوا بذلك بنو اسرائيل واشتهروا به ولا زالوا هم أباطرة التحريف والتزوير وأساتذة الكفر والسحر وبيع لهو الحديث.

بينما مدح الله عز وجل الشراء في ثلاثة مواضع: وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ جاءت بعد ذم الله عز وجل لمن تولى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل. فالثاني في السياق القرآني يبيع نفسه مقابل مرضاة الله، والأول حل عليه سخط الله. فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً نعم الشراء مقترنا بالجهاد في سبيل الله! إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ وهذه ميزة كبرى ونعمة عظمى حيث نسب الله تعالى الشراء إلى نفسه فهو المشتري من المؤمنين أنفسهم وأموالهم جنة ونعيما ورضوانا أكبر 6 .

فضل الله

الآيات التي تدل على التجارة وكسب المال بشكل مباشر هي ما اشتملت على “ابتغاء من فضل الله” حيث وردت في ثلاثة مواضع:

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ 7 . أي تلتمسوا فضل الله بالتجارة والبيع والشراء. وقد نهاهم أي يبقوا على عادات الجاهلية التي كانت تحرم البيع والتجارة على المحرم في موسم الحج. وسمى الله عز وجل التجارة والبيع والشراء فضل الله وجاءت في سياق مقترنة بأكبر شعائر الحج الوقوف بعرفة ثم مقترنة بذكر الله.

طالع أيضا  سوق الحضارة وحضارة السوق (3)خصائص حضارة السوق

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 8 فبعدما نهاهم رب العزة عن البيع إذا نودي لصلاة الجمعة، أباح لهم أن ينتشروا في الأرض ويبتغوا من فضل الله بالتجارة والمال؛ مع تنبيههم إلى مداومة ذكر الله ذكرا كثيرا فهو الفلاح الأبدي.

إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 9 . وقد كان بعض الصحابة يتأول من هذه الآية فضيلة التجارة والسفر للتَّجْر حيث سوى الله بين المجاهدين والمكتسبين المال الحلال، يعني أن الله ما ذكر هذين السببين لنسخ تحديد القيام إلاّ تنويهاً بهما لأن في غيرهما من الأعذار ما هو أشبه بالمرض، ودقائق القرآن ولطائفه لا تنحصر. روي عن ابن مسعود أنه قال “أيما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين محتسباً فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء، وقرأ “وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله.

وعن ابن عمر: “ما خلق الله موتة بعد الموت في سبيل الله أحب إليَّ من أن أموت بين شُعْبَتَي رَحْلي أبتغي من فضل الله ضارباً في الأرض” 10 . جاءت التجارة وابتغاء من فضل الله في سياق إيماني يبدأ بمعية الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وصحبته الكريمة المباشرة الراعية الحانية وطائفة من الذين معك، وذكر الله والقيام له وقراءة القرآن والجهاد في سبيل الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإقراض الله قرضا حسنا إنفاقا في سبيل الله وبذلا للمهج ابتغاء ما عند الله وينتهي بالاستغفار والتذلل بين يديه سبحانه وتعالى.

التجارة اكتسبت قيمتها من هذا السياق بما توفره من صدقات وبر وإيتاء للزكاة و نفقة على المجاهدين؛ (المال والجهد عصب الدعوة) كما كان يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله 11 .

قبل أن انتقل إلى بيان السنة النبوية في الأمر، أود أن ألخص هذه الإشارات القرآنية في الموضوع:

– أن تجارة الآخرة بيعا وشراء هي المعتبرة والمحتفى بها في القرآن الكريم.

– أن غاية التجارة والمال والبيع والشراء هو الإنفاق في سبيل الله.

– أن المال مال الله، وأن استخلافه لنا فيه مشروط بشروط المالك لا بشرط المستخلَف وأن شرطه هو الانفاق في سبيل الله أي العدل والقسط فيما استخلفنا فيه.

– أن التجارة والمال والبيع والشراء مذمومة إذا كانت تصد عن سبيل الله وعن ذكره وعن الصلاة وعن الجهاد.

– أن المال نعمة من الله إن انفقت في سبيل الله، ونقمة من الله إن أنفقت للصد عن سبيل الله.

– أن بني إسرائيل – بشقيهم اليهود والنصارى – هم رواد التحريف وأباطرة تجارة كلمات الله ثمنا قليلا.

– أن التجارة فضل من الله إن جاءت في سياق إيماني يسعى لإقامة الدين وتمكينه في العالمين.

– أن الإشهاد والتعاقد والوفاء والصدق مبادئ مؤطرة للتجارة المعتبرة شرعا درءا لأكل أموال الناس بالباطل.

اهتمت السنة النبوية بالسوق اهتماما خاصا وبينت مخاطره وكيف ينبغي للمسلم وللمجتمع المسلم أن يتعامل مع السوق. وعلى أي فموضوع المال والتجارة والاقتصاد في السنة النبوية واسع لا يمكن الإحاطة به هنا. لكن أقتصر على المبادئ الكبرى الضابطة للسوق ولعلاقته بالعمران البشري، مستحضرا البدائل الممكنة لحضارة السوق التي يطرحها المنهاج النبوي.

أ‌. هوشات السوق

جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله قول النبي صلى الله عليه وسلم: “وإياكم وهيشات الأسواق”، وفي لفظ أحمد: “وهوشات الأسواق” وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: “إيَّاكم وهَوَشاتِ الليلِ وهَوَشاتِ الأسواق”.

لقد استعمل من أعطي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم لكلمة “هوشات”، وهي كلمة لها معاني كثيرة وتعبر حقيقة عن واقع حضارة السوق في حاضرنا أكثر من أي وقت مضى.

الهَوْشَةُ: الفِتْنَةُ والهَيْجُ والاضْطِرابُ والهَرْجُ، والهُوَاشَاتُ بالضَّمِّ: الجَمَاعَاتُ من النّاسِ ومِنَ الإِبِلِ إِذا جَمَعُوهَا فاخْتَلَطَ بعضُهَا ببَعْضٍ، والهُوَاشَاتُ: ما جُمِعَ من المَالِ الحَرَامِ والحَلاَلِ. والمَهَاوِشُ: ما غُصِبَ وسُرِقَ وهي مَكاسِبُ السّوءِ وهِيَ كُلُّ مالٍ يُصَابُ من غَيْرِ حِلّهِ ولا يُدْرَى ما وَجْهُه كَأَنَّهُ جَمْعُ مَهْوَشٍ مِنَ الهَوْشِ وهو الجَمْعُ والخَلْط ومنه الحديث مَن اكتسبَ مالاً من مَهاوِشَ أَذْهَبَهُ اللَّه في نَهابِرَ، والهَوْشُ: المُجْتَمِعُونَ في الحَرْب والهَائِشَةُ: الأَفْعَى العَظِيمة) 12 .

وفي حديث قيس بن عاصم كنت أُهاوِشُهم في الجاهلية أَي أُخالِطُهم على وَجْهِ الإِفْساد والهَوْشةُ الفسادُ.

هوشات السوق تعني كل مظاهر الفتنة والاضطراب والفرقة والكدر والحرب، تعني كسب المال من دون النظر إلى مصدره أحلال هو أم حرام، تعني السرقة والغصب، تعني الفساد والزنا، وقرنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بهوشات الليل لاشتراكهما في الحلكة والغموض وسوء العاقبة وضعف التقدير والتبين. السوق هائشة أي أفعى عظيمة تلتهم أخلاق الناس وأرزاقهم، وتسمم علاقاتهم ومجتمعهم وتشتت شملهم وجماعتهم وتفتنهم عن دينهم وآخرتهم.

أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أحبّ البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها”.

وأخرج البزار والطبراني من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته”.

وأخرج مسلم عن سلمان رضي الله عنه موقوفًا، قال: لا تكوننّ إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته.

قال القرطبي: ففي هذه الأحاديث ما يدل على كراهة دخول الأسواق، ومحل هذه الكراهة لمن لم يكن له حاجة في السوق من بيع وشراء أو حسبة أو زيارة ونحو ذلك من المقاصد.

إبليس يقول لزبانيَّته: سر بكتائبك فأت أصحاب الأسواق، زيِّن لهم الكذبَ والحَلْفَ والخديعة والمكر والخيانة، وكن مع أول داخلٍ وآخر خارجٍ، وفي الخبر: شرُّ البقاع الأسواق، وشرُّ أهلها أولهم دخولاً وآخرهم خروجاً.

وفي حديث ابن مسعود: أنه رأى جماعة ذهبت فرجعت. فقال: إياكم وكبة السوق فإنها كبة الشيطان أي جماعة السوق!

في عهد النبوة والخلافة الراشدة كانت السوق بسيطة، غير معقدة، خطرها محدود يمس الداخل إليها فحسب، محاطة بتقوى المؤمنين وزهدهم وحرصهم على آخرتهم أكثر من حرصهم على الدنيا، يعتزلونها تارة إلا لضرورة ويذكرون الله فيها مستعيذين من شر ما تحمل إليهم، سائلين الله خيرها وخير ما تأتي به. كانت مرعية بنورانية المسجد وروحانيته ونفوذه وسلطته إذ المسجد كان يراقب ويباشر ويعظ ويوجه ويجمع ويمنع السوق من الاستحواذ والطغيان. كانت مسيجة بنظام الحسبة الذي كانت تباشره السلطة القضائية والتنفيذية آنذاك وبيقظة الجماعة المؤمنة الحاملة لمشروع الجهاد.

طالع أيضا  سوق الحضارة وحضارة السوق

وأما وقد أصبحت السوق في عصرنا أكثر ضراوة، وأكثر نفوذا، هي النظام، هي المعتقد، هي الفلسفة، هي البضاعة، هي العلاقة، هي في كل مكان، دخلت على الناس بيوتهم وأفسدت عليهم أخلاقهم واجتماعهم ولوثت مشربهم ومأكلهم! فالحاجة لهذه العزمات النبوية أشد و أحرى إذ لابد أن تتبلور هذه العزمات النبوية ضمن مجهود جماعي تضامني، تحالف إنساني إنقاذي يجمع كل الخيرين الرافضين للسوق وحضارتها، المكتوين بنارها. جهد جماعي يبدأ من التزام فردي بذكر الله عز وجل وعبادته في الهرج ومغالبة تيار السوق وهوسه وينتهي بنبذ السوق وثقافتها، ثم التزام جماعي يقيم سوقا تعتمر بروح المسجد وتربيته، وتتأسس على حفظ مصالح الجميع والمال الحلال والبركة في الرزق.

لا بد أن توازن مادية السوق بروحانية المسجد. عن النبي صلى الله عيه وسلم قال: “من دخل السوق، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، بنى له بيتاً في الجنة” 13 ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى السوقِ قال “اللهم إني أسألُكَ من خيرِ هذا السوقِ وخيرِ ما فيها وأعوذُ بِكَ من شرِّها وشرِّ ما فيها اللهمَّ إني أعوذُ بِكَ أنْ أُصِيبَ فِيهَا يَمينًا فاجرةً أو صفقةً خاسرةً وفي روايةٍ اللَّهمَّ إني أعوذُ بكَ من شرِّ هذه السوقِ وأعوذُ بكَ من الكفرِ والفسوقِ” 14 .

وفي حديث صحيح رواه مسلم وغيره عن معقل بن يسار- رضي الله عنه- بلفظ: “العبادة في الهرج كهجرة إلي”. قال النووي في شرح مسلم: المراد بالهرج هنا الفتنة واختلاط أمور الناس، وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا أفراد).

السوق هرج وفتنة واختلاط وقتل، العبادة في زمن حضارة السوق كهجرة إلى المصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، العبادة مفهوم شامل يتحرى كل ما كان يتعبد به رسول الله ربه عز وجل في صلاته، في ماله، في حربه وسلمه، في كل أموره صغيرها وكبيرها. والهجرة إليه صلى الله عليه وسلم هجرة ما هجر صلى الله عليه وسلم، وقد هجر الأسواق –إلا لضرورة أو قياما بالنصيحة- وعمر مساجد الله وحض على عمارتها.

ب‌. الحضارة والعمران الأخوي

رحم الله أستاذنا الكبير وإمامنا الجليل عبد السلام ياسين كان يزايل ثقافةَ السوق وحضارتهَا في كل شيء، كان يميز بين تربية المسجد وثقافة السوق، ينتقي مصطلحاته ومفاهيمه بعناية فائقة نهلا من القرآن الكريم والسنة النبوية، ويعالج هرج السوق وهوسه دون أن تتلوث لغته القرآنية ويضيع قصده وسط هوشات السوق وزحامه. استعمل الإسم تحريا من مسايرة التيار العام الذي يستهلك مصطلحاتهم كما يستهلك منتجاتهم الصناعية فينبت لحم فكره ويتكون عظمه ويجري دمه بعناصر هي خليط من ذاته وذات غيره) 15 .

أستعمل «عمران» ولا أستعمل «حضارة» حرصا على أن لا تختلط المفاهيم على قاصدين مسلمين سِكَّتُهم إلى المستقبل الدنيوي والأخروي يجب أن تكون واضحة).

فكلمة «حضارة» يترجم بها العربي الكلمة الفرنجية «سفلزسيون» التي تكسوها الأنفس الـمُعجبَة بزينة الدنيا وبَهْرَجِها حلة من الهيبة والجلال. ومدلولها ماديٌّ دنيوي محض. لا تُنْبئ عن شيء من معنى الإنسان ومصيره. لا تنبئ عن البعث والجزاء والخلود في الدار الآخرة. فهي خِداجٌ) 16 .

يميز إمامنا الجليل رحمه الله بين الحضارة والعمران، الحضارة مكاسب مادية محضة والعمران مفهوم قرآني يعبر عن غاية الإنسان من الكسب والكدح والمنافع، يجعل ذلك كله مطية لآخرته ووسيلة لبلوغ مرضاة ربه عز وجل. قصدي بالعمران يشمل المدلول الخلدونيّ «لعمران» والمدلول العصري «لحضارة» مربوطَيْن بتوجّه القاصدين المعمِّرين المتحضـرين على منهاج السكة المستقبلية العابرة من الدنيا للآخرة، مربوطين بمعاني عِمارة المساجد الواردِ فيها قوله تعالى:)إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ. مربوطين بالكلمة القرآنية التي بلغ بها العبد الصالح سيدنا صالح عليه السلام قومه بمراد الله الشـرعي من المؤمنين إذ قال لهم:)هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ 17 .

ثم يقترح مشروعا مجتمعيا للإنسانية جمعاء بديل لحضارة السوق في مقابل حضارتهم المادية التائهة يقترح علينا الإسلام، ويجب أن نقترحَ نحن على البشرية، مشروع مجتمع أخوي، عمران أخوي، لا مجرد حل إسلامي بديل) 18 .

لا يتسع المجال لعرض هذا المشروع البديل، وإنما حسبنا أن نشير إلى أنه مشروع مفتوح للإنسانية جمعاء؛ يستظل بظلاله بنو الإنسان بما يجمعهم من رحم آدمية وكرامة إنسانية كرمهم بها رب الكرامة وبما يفرقهم ويعددهم من تعددية وتنوع ثقافي وديني وعرقي جعله الله عز وجل أساس وجودهم وجبلة خلقتهم. هذا المشروع يتأسس على قواعد خمسة:

1. ثنائية المستقبل الأخروي للإنسان والمستقبل التاريخي للإنسانية

لا نتصور أن طاحونة السوق يمكن أن يوقفها أبناء الدنيا المستهلكون لمادة السوق، الراضعون من ألبانها، الهائمون بثقافتها وسحرها. إن كل محاولة لإصلاح السوق من منطق ومنطلق السوق عبث يطيل أمد المأساة؛ وإن كل أمل في غد للإنسانية ذي وجه إنساني مثالية حالمة إن لم نغير ما بالأنفس وما بالآفاق. ولا يتغير ما بالأنفس حتى يصير هم كل واحد هو طلب وجه الله تعالى وابتغاء رحمته ومرضاته في الدنيا والآخرة. لا أمل في التغيير الجذري لحضارة السوق إلا بأبناء الآخرة يقودون القاطرة يعضضهم الخيرون من بني الإنسان. موقف الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه وهو يقتحم مظاهر السوق وبهرجتها وزينتها ويذلها ويحط من قيمتها ويستعلي عليها أمام أبنائها، موقف إنساني ينبغي أن يتكرر و سلوك تحرري يجب أن يعض عليها أعداء السوق بالنواجذ: يروي ابن كثير أن سعد ابن أبي وقاص، قائد جيش المسلمين، أرسل رجلا اسمه “ربعي بن عامر” ليفاوض رستم قائد الجيوش الفارسية قبيل وقعة القادسية. قال: فدخل عليه، وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي، وأظهروا اليواقيت واللآلئ الثمينة والزرابي العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب).

ودخل عليه ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط. ثم نزل وربطها ببعض الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه، وبيضته على رأسه. فقالوا له: “ضع سلاحك!” فقال: “إني لم آتكم، و إنما جئتكم حين دعوتموني فان تركتموني هكذا وإلا رجعت!” فقال رستم: “ائذنوا له!” فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق، فخرق عامتها. فقالوا له: “ما جاء بكم؟” فقال: “الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، و من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه. فمن قبل ذلك قبلنا منه و رجعنا عنه. ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله. قالوا: “وما موعود الله”؟ قال: “الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن يبقى”. فقال رستم: “قد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟” قال: “نعم! كم أحب إليكم، يوم أو يومان”؟ قال: “لا، بل حتى نكاتب أهل رأي رؤساء قومنا.” فقال: “ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك و أمرهم. واختاروا واحدة من ثلاث بعد الأجل” فقال: “أسيدهم أنت؟” قال: “لا، ولكن المسلمين كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم”. فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال: “هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل؟” فقالوا: “معاذ الله أن تميل إلى شئ من هذا وتدع دينك إلى هذا الكلب. أما ترى إلى ثيابه!” فقال: “ويلكم ! لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة”) 19 .

طالع أيضا  سوق الحضارة وحضارة السوق (2)المساق الشيطاني

2. ثنائية عمارة المساجد وعمارة الأرض

أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أحبّ البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها.

هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ 20 . استعمركم في الأرض: طلب إليكم أن تقوموا بعمرانها، فإن أطعتم فهي عبادة. عبادة اقتصادية متفقة في اللفظ والمعنى وإن كانت مختلفة في الشكل والوسائل مع عمران آخر، هو عمارة المسجد. قال الله عز وجل: “إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ” 21 . عمارتان أختان، كلاهما عبادة، ليرزق الجن والإنس والبهيمة، والوحش، والطير، وكل الخلق.

العمارة ضد الخراب كما قال الراغب الاصفهاني رحمه الله. وكل ما من شأنه أن يساعد على عمران الأرض لتصلح مأوى لائقا لبني آدم المكرمين، ووطن سلام وأخوة ودار بركة وخير، فهو عبادة يؤجر عليها العبد وتؤجر عليها الأمة 22 .

3. ثنائية المواطنة والإيمان

المواطنة واجب أخلاقي وقانوني يفرضه الزمان والمكان للسلطة القائمة يقوم من خلاله المواطن بالدفاع عن السلطة الحامية وخدمتها مقابلة انتفاعه بما توفره هذه السلطة من أمن ورخاء وحقوق اجتماعية وسياسية. ثم هي بعد ذلك في واقع السوق الحضارة كلمة تسحر الألباب يستغلها أرباب السوق والسياسة لترويج فكرة التوازن والاستقرار المجتمعي وتكشف عن نوعين من المواطنين: مواطنون يستأثرون بالمال والسلطة يحلون لأنفسهم ما يحرمون على غيرهم، يمنعون الماعون ويستهزؤون بالخلق والدين، و مواطنون مهمشون محرومون منقادون لا حول لهم ولا قوة! كلمة سحرية تكشف عن نوعين من المواطنين: مواطن الشمال يستأثر بخيرات الدنيا ويستهلك ويبذر ويتلقى أفضل خدمة وأحسن تعليم ومواطن الجنوب يصطلي بنار الحرب ويتجرع أمراض الفقر لا يجد ما يقتات به فبالأحرى ما يتداوى به! كلمة سحرية تكشف عذاب الإنسان بشقيه الغني والفقير على السواء؛ ذاك يعذبه الضمير ويموت كمدا على السعادة المرجوة المفقودة؛ حياة اكتئاب وممات انتحار! وذاك يعذبه الفقر والمرض والحرب! تلك هي السوق شر كلها: الرابح والخاسر فيها سواء كلاهما معذبان، كلاهما خسرا حياتهما ومماتهما، خسرا روحهما ومعناهما! كلاهما فاتهما حظهما من الله ومعرفته والفوز برضاه! وذاك عذاب ما بعده عذاب وتلك حسرة ما بعدها حسرة ! ومن فاته الله فاته كل شيء!

تتعرض هذه المواطنة لخطر السوق وفلسفته وكبريائه وطغيانه بحيث يتدخل السوق في السياسة ويسير أهلها ويحور العقد الاجتماعي بما يخدم أهداف السوق ومراكز القرار فيه. فتسود أخلاق الاستئثار والأنانية والتنافس الشديد والتنافر والتدابر، فتقصم المواطنة في الصميم. لذلك يقترح مشروع العمران الأخوي خطة إنقاذ للمواطنة -كيفما كانت: وطنية أو إقليمية أو كونية- أن تُلَفَّ هذه المواطنة برداء الرحمة والإيثار والتضامن؛ والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة 23 .

4. ثنائية القسط والبر

إن مجتمعا تكون مقاليد الثروة فيه في يد طائفة من الناس لن يلبث أن تعكس قوانينه مصالح هذه الطائفة وأن يستولوا بواسطة قوانين الجور، أو تحريف الكلم عن مواضعه، على السلطان. فإذا كان السلطان والمال، ومن شأنهما أن يتآلفا، مجتمعين في يد طبقة فإن أجهزة الدولة ومحاكمها تدين لقانون الغالب. فباختلال القسط يختل العدل).

إن سيطرة الاحتكار الاقتصادي على مصير الشعوب المجوعة البائسة يتجلى في جور طائفة أو طبقة ملكت أزمة المال والأقوات والوسائل المادية، فأتاح لها ذلك التحكم في التوجيه، والقرار، والإعلام، والتربية، وسائر مناحي النشاط السياسي والاجتماعي. فإن صعب على الطبقة الاحتكارية أن تجهر بجورها فإن ما لديها من وسائل مادية وثقافية وسياسية يمكنها من تزوير ديموقراطية تشترى فيها الأصوات من الناخبين وتزور بها واجهة قانونية ظاهرها الحرية والعدل والقسط وباطنها من قبله العذاب) 24 .

القاعدة الأساسية لمشروع العمران الأخوي هي العدل والقسط في الاجتماع والسياسة والاقتصاد. ثم تسندها القاعدة التكافلية التطوعية التي هي البر أي التوسع في فعل الخير. قاعدتان أسياسيان متآزرتان، الأولى تقيم صلبها الدولة والمؤسسات الدولية ويشاركها الأفراد والمجتمع المدني والجماعة والثانية يلتزم بها الأفراد والمجتمع المدني والجماعة وتسندهم الدولة وتشجع من غير أن تتدخل.

5. ثنائية ميثاق عالمي إنساني وميثاق عالمي بيولوجي

أجهزت حضارة السوق على الإنسان والطبيعة معا، أهلكت الحرث والنسل معا، عنف وقسوة وجهل على بني الإنسان وعلى محيطه الذي يتنفس هواءه ويشرب ماءه ويأكل طعامه ويستظل بشمسه. أخلاق الكراهية والعدوان وعقيدة إشعال نيران الحروب آن لها أن تنتهي، لتكتب الإنسانية أملا جديدا في البقاء أساسه التعايش والسلم والتعاون والاحترام المتبادل والاعتمادية التكاملية والعدالة الإنسانية. ميثاق إنساني يقترحه العمران الأخوي ويأتي تتويجا لمجهودات حثيثة للخيرين من بني الإنسان الذين تؤرقهم حضارة السوق وتهديدها الكوني. ثم ميثاق بيولوجي يحفظ النسل والحرث ويعمر الأرض ويصلحها، ضدا على معاول التدمير وتغيير خلق الله.


[1] في الاقتصاد: البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية ص 44-45 الإمام عبد السلام ياسين.\
[2] المصدر نفسه ص 46.\
[3] البقرة الآية 275.\
[4] التوبة الآية 111.\
[5] جامع البيان في تفسير القرآن ج 20 ص 130 محمد أبو جعفر الطبري.\
[6] وردت “شرى و اشترى” في موضعين في سورة يوسف: (وشروه بثمن بخس )( وقال الذي اشتراه) وبهذا تم العدد 25 مرة.\
[7] البقرة، 198.\
[8] الجمعة، 10.\
[9] المزمل، 20.\
[10] التحرير والتنوير ج29 ص 289.\
[11] المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا ص 206.\
[12] تاج العروس.\
[13] رواه أحمد والترمذي.\
[14] الراوي: بريدة بن الحصيب الأسلمي المحدث: الهيثمي – المصدر: مجمع الزوائد – الصفحة أو الرقم: 4-80.\
[15] الإحسان ج2 ص500، الإمام عبد السلام ياسين.\
[16] العدل: الاسلاميون والحكم ص 195، الإمام عبد السلام ياسين.\
[17] المصدر نفسه ص 196.\
[18] المصدر نفسه ص 197.\
[19] البداية والنهاية ج 7 ابن كثير.\
[20] هود، 61.\
[21] التوبة، 18.\
[22] في الاقتصاد: البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية ص 85-86، الإمام عبد السلام ياسين.\
[23] الحشر، 9.\
[24] في الاقتصاد: البواعث الايمانية والضوابط الشرعية مصدر سابق ص 192.\