إن من كمال الخيرية البر إلى الوالدين والإحسان إلى الزوجة والأبناء، قال تعالى في سورة الطور المكية وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ(الطور: 21).

جاءت الآية في سياق وصف ما أعده المولى الكريم المنان من بديع نعمه وجميل نواله لعباده المؤمنين، وذلك حتى تقر أعينهم باجتماعهم مع أحبابهم وذويهم، فالمرء يحشر مع من أحب وإن لم يكونوا سواء في بضاعة الأعمال كما أخبر الصادق المصدوق.

وبالرجوع إلى المعاجم اللغوية يتبين أن لفظ الذرية لا يخص الأبناء فقط، بل يتعداه إلى الآباء وذوي القربى، حيث جاء في لسان العرب لابن منظور، الذرية: نسل الإنسان قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً (آل عمران: 38) الذُّرّيَّةُ: آباء وأجداد وَءَايَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (يس: 41)، الذُّرّيَّةُ: طائفة فَمَا ءَامَنَ لِمُوسَى إلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ (يونس: 83).

فالكل متاح له إمكانية اللحاق بالصالحين من ذويه بشرط الإيمان وإن قسر عمله، ويدل على ذلك ما رواه ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “”إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ الْجَنَّةَ سَأَلَ عَنْ أَبَوَيْهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ، فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَكَ وَعَمَلَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ لِي وَلَهُمْ، فَيُؤْمَرُ بِإِلْحَاقِهِمْ”، وَتَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ: “وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ”” 1 . وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ اللَّهَ لَيُبَلِّغُ الْعَبْدَ الدَّرَجَةَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَنَّى لِي هَذِهِ الدَّرَجَةُ؟ فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ” 2 .

فسلوك الفرد إلى ربه وقربه منه رهين لا محالة بعلاقته مع أهله، برا بوالديه، وحسن تبعل بزوجه، ورعاية لأبنائه، فهي ثلاث أبواب مقربة إلى الله لمن تدبر وتذكر وأحسن العمل وتفكر:

طالع أيضا  ومضات تدبرية -7-الحياة الحقيقية

أُمٌك بابُك إلى الجنة

رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخطهما، وعقوق الوالدين قتل لآمالهما، أما برهما فقربة فضلى، لا يدركها إلا من فقدهما، فرغِم أنف من أدرك أحدهما ولم يكونا قنطرته إلى بر الأمان في جنة الكريم المنان.

ذكرت لنا السيرة نماذج خالدة، فهذا رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يوزع الغنائم بالجعرانة، فيفرش لمرضعته رداءه ثم يقرب إليها قدحا من لبن لتشرب تكريما وامتنانا لها، بل ويوصي صحابته لمن أدرك أويس القرني أن يسألوه أن يستغفر الله لهم، فكونه بارا بأمه صيره مستجاب الدعوة، وببر صاحب موسى عليه السلام بأبويه نال شرف الصحبة ومرافقة كليم الله عليه السلام في الجنة.

عن ابن عمر رضي الله عنهما “أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا فَهَلْ لِي تَوْبَةٌ؟ قَالَ: “هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ”؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: “هَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ”؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: “فَبِرَّهَا”” 3 .

لا إله إلا الله، بِرٌّ يمحو الذنوب العظام.

يقول الحسن البصري رحمه الله: ما يعدل بر الوالدين شيئاً من تطوع ولا حج ولا جهاد).

زوجتك بابك إلى الخيرية

عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي، وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ” 4 يعْنَى أَنَّ مَنْ أَحْسَنَ مُعَاشَرَةَ أَهْلِهِ فَهُو أَفْضَلُ النَّاسِ، وجاء الحض صريحا في قوله تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (النساء: 19)، قال ابن كثير: أي: طيِّبُوا أقوالكم لهن، وحَسّنُوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله) 5 . فالخيرية تنال بالمودة والرحمة والصحبة والمحبة، وجماع الأمر التشبه بخير الخلق رسول الله عليه الصلاة والسلام، فعن أمِّ سلَمة أم المومنين رضي الله عنها قالت: “آخر ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثَلاثٌ، كان يتكلم بهن حتى تلجلج لسانُه وخفِي كلامه (عند الاحتضار). جعل يقول: “الصلاةَ وما ملكت أيمانكم، لا تكلفوهم ما لا يطيقون. اللهَ اللهَ في النساء، فإنهن عَوَانٍ (أسيرات) عندكم”” 6 ، فزوجتك داخلة في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فانظر ما أنت فاعل في وصيته صلى الله عليه و سلم.

طالع أيضا  ومضات تدبرية -2- العمل وبذل الجهد

إن المعاملة بالحسنى، ليست منّة ولا تكرمًا ولا تفضلاً، بل هي واجب شرعي، وأمر رباني، كما أنها ليست انتقائية بحسب الأحوال والأمكنة، ولكنها خُلُق يُكتسب ورِزق يُطلب، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: من كانت رجولته لا تتجلَّى إلا في الوحشية العَضلية والعدوان على أم أولاده، وكانت مُروءته تنتهي حيث ينتهي مجلس المؤانسة والمجاملة مع الأصدقاء، فإذا دخل البيت دخل غولا، وكان حسابُ الآخرة والرحمةُ بالخلق مزايا مجهولة في قارَّته فذاك أفعوان بشريّ) 7 قال عمر بن الخطاب: “كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئا، فلما جاء الإسلام وذكرهن الله رأينا لهن بذلك حقا” 8 .

خسِرتْ الأُمة بظلم الأَمَة، فضاع شطريها حين عق الرجالُ وصية نبيهم وتنكروا لقوامته، وخانت الأزواج حافظيتهن، فلا تسأل بعدُ عن نسل يرضع البؤس والحرمان ويتغذى الكراهية والبغضاء، ولا عن مجتمعِ لقطاء لا رابط بين أفراده إلا المصلحة والانتهازية.

ابنك الصالح عمل لا ينقطع

حظ الأبناء ببركة عمل الآباء، وأما حظ الآباء فببركة دعاء الأبناء، فعن أبي هريرة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له” 9 ، فطوبى لمن زرع نبتا طيبا ورعاه بالمودة والاحتضان، وغرس فيه بذور الإيمان فأينع شجرة مباركة طيبة، يستظل بظلها ويجني ثمارها في الدنيا صلاحا وفي الآخرة فلاحا.

لا استقرار دعوي بدون استقرار أسري، ولا معنى للقرابة الطينية بدون تغذية إيمانية، قواعد جليلة نستشفها ونلمسها من سيرة خير الأنام وصحابته الكرام ومن اقتفى أثرهم إلى يوم القيامة.


[1] المعجم الكبير، الطبراني، مَنِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ.\
[2] المعجم الأوسط، الطبراني، مَنِ اسْمُهُ أَحْمَدُ.\
[3] سنن الإمام الترمذي، بَابُ مَا جَاءَ فِي بِرِّ الخَالَةِ.\
[4] سنن الإمام الترمذي، بَابٌ فِي فَضْلِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.\
[5] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ج2 ص 242، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط 2، 1999 م.\
[6] السنن الكبرى، النسائي، كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.\
[7] تنوير المومنات، عبد السلام ياسين، ج2 ص 212، مطبوعات الأفق، ط 1، 1996.\
[8] صحيح البخاري، ابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَجَوَّزُ مِنَ اللِّبَاسِ وَالبُسْطِ.\
[9] صحيح مسلم، بَابُ مَا يَلْحَقُ الْإِنْسَانَ مِنَ الثَّوَابِ بَعْدَ وَفَاتِهِ.\