أجرت جريدة المساء حوارا مع الدكتور محمد منار باسك نشر بعددها ليوم السبت 09 يوليوز 2016، تناول تقييمه لخمس سنوات على دستور 2011، ورؤيته لمسألة “التفعيل” و”التأويل”، ومدى صلاحيته ليكون “دستور مرحلة سياسية انتقالية”. كما تناول الحوار طبيعة التحدي في هذه المرحلة.

وفي ما يلي النص الكامل للحوار ننشره تعميما للفائدة.

ما تقييمكم الدستوري لمغرب ما بعد 5 سنوات من دستور 2011؟

شمل دستور 2011 على مستوى نصه مستجدات مهمة نظرا لظروف وضعه، لكن مع ذلك ظل على مستوى جوهره وفيا للمسار الدستوري السابق، لذلك لم يتم التغيير بالشكل المأمول. فبعد خمس سنوات يُلاحظ أن الأمور في كثير من القضايا تستمر على حالها السابق. خذ مثلا الانتخابات، ماذا تغيّر؟ نفس أساليب التحكم، وفي محاربة الفساد ماذا تحقق؟ في انتخابات 2011 أُطلقت العديد من الوعود القاطعة، واليوم هناك إقرار أنه لم يتحقق المأمول، بل لم يتحقق أضعف الإيمان. في الدستور الحالي هناك رئيس الحكومة، لكن في الممارسة لا نلمس فرقا كبيرا بين ممارسة الوزير الأول سابقا وممارسة رئيس الحكومة حاليا. وهناك أمثلة كثيرة تؤكد أن خمس سنوات الأخيرة كانت فترة استمرار للعديد من الأعطاب والاختلالات، وهذا في رأيي كان منتظرا لأن دستور 2011 لم يكن دستور قطيعة، فحركة 20 فبراير استطاعت أن تفرض تغيير الدستور، لكنها لم تستطع تحقيق دستور ديمقراطي شكلا ومضمونا، لأنها لم تلق دعما سياسيا قويا، وبعض القوى السياسية وُظفت توظيفا لسحب البساط منها، وهي نفس القوى التي تتحدث اليوم عن التحكم.

الكل ينادي بتفعيل المضامين الدستورية، هل هناك مشكل على مستوى التأويل الدستوري أم على مستوى التنزيل والتفعيل؟

أظن بأن المشكل في جزء كبير منه لا يزال قائما على مستوى مضمون الدستور. الذي يتحدث عن مشكل التفعيل فقط يُوهم بأن المضمون قد حُسم، وهذا غير صحيح. فهناك ترابط قوي بين شكل الدستور ومضمونه وتفعيله، لا يمكن الحديث عن مضمون ديمقراطي لدستور لم يوضع بطريقة ديمقراطية، ولا يمكن الحديث عن تفعيل ديمقراطي لمضمون دستوري غير ديمقراطي، قد يكون المضمون متقدما عن السابق لكن لا يعني ذلك أنه أصبح ديمقراطيا، فهناك دساتير تُسهم فقط في تحديث السلطوية وتجديدها، وأظن أن دستور 2011 يظل إلى أبعد الحدود من ضمنها. والمضمون الدستوري لا ينحصر في قراءة نصية مجتزأة لبعض الفصول، ولكن في البحث في السطور وما وراءها لمعرفة أولويات واضع الدستور وهواجسه والحدود التي رسمها لبعض المؤسسات. ومسألة التأويل ليست لها علاقة فقط بظاهر النص ولكن أيضا بروح النص وميزان القوى، لذلك فقد لوحظ في بعض القضايا تأويل سلطوي للدستور، وذلك يبقى طبيعيا بالنظر إلى طبيعة دستور 2011 وميزان القوى المحيط به.

ألا يمكن القول انطلاقا مما سبق أن الفاعل السياسي المغربي يعاني من قصور على مستوى الثقافة الدستورية، والتي تكاد تكون غائبة؟

صحيح، تحدثنا كل ذلك الحديث عن الدستور وتفعيله، لكن هناك سؤال يمكن أن نطرحه هو ما هو دور الدستور في الحياة السياسية المغربية؟ وما هو تأثيره على الممارسة السياسية؟ للأسف لا يزال طرح مثل هذه الأسئلة مشروعا نظرا لما يُلاحظ في واقعنا السياسي. ما معنى مثلا أن يقول رئيس الحكومة أكثر من مرة إن هذا الأمر يدخل في اختصاصي الدستوري لكني أتنازل عنه. ألا يؤكد هذا أن الدستور ليس هو المؤطر للحياة السياسية، وإنما هناك أمور أخرى وأعراف وتقاليد ومصالح تُشكل إن جاز التعبير دستورا عرفيا أسمى من الدستور المكتوب. كان الكثيرون يلومون عبد الرحمن اليوسفي لماذا فعل كذا ولم يفعل كذا انطلاقا من معيار النص الدستوري، ونفس الأمر بالنسبة لرئيس الحكومة الحالي، وربما بشكل أكثر حدة نظرا لما يتيحه دستور 2011، لكن بكل تأكيد ليس ذلك إحجاما اختياريا ولكنها إكراهات الدستور العرفي أو الضمني. وهذا مشكل كبير في الحياة السياسية المغربية، والمشكل الأخطر أن تسود ثقافة سياسية تُطبع مع ذلك.

بعد خمس سنوات من الدستور يعيب عدد من الملاحظين على رئيس الحكومة عزوفه و”تزهده” في ممارسة سلطاته الدستورية، هل يمكن أن ننتظر في المستقبل رئيس حكومة يمارس كامل صلاحياته الدستورية من دون أدنى تحرج؟

أظن أن الضغوط والأعراف والمصالح المخزنية ستظل ضابطة لأي رئيس حكومة مقبل في ظل الدستور الحالي، قد يكون هناك بعض التغيير في الممارسة من رئيس حكومة لآخر، لكنه سيبقى تغييرا على مستوى الدرجة وليس على مستوى النوع، فالأمر متعلق بطبيعة النظام السياسي، ومتجدر في الثقافة والممارسة السياسية.

هل يمكن القول بأن دستور 2011 رغم ما شابته من نقائص يمكنه أن يكون عنوان مرحلة سياسية انتقالية، بالمقارنة مع الدساتير السابقة الجامدة؟

أظن بأن التجربة أكدت إلى حد بعيد أن دستور 2011 لا يمكن أن يكون عنوان مرحلة مغايرة. الانتقال يتطلب نوعا من إعادة تنظيم السلط وتنظيم العلاقة بينها، وهذا لم يتم فيه الشيء الكثير في الدستور رغم وجود أمور إيجابية فرضتها الظروف آنذاك.

سؤال المرحلة القادمة، هل تحدي المرحلة الحالية هو التفعيل الدستوري أم الإصلاح السياسي من أجل تنزيل دستور 2011؟

الفاعلون السياسيون هم من يحدد المطلوب في المرحلة المقبلة. هل تغيير الدستور؟ أم تفعيل الدستور؟ لكن السؤال هو إلى أي حد ستكون لهؤلاء الفاعلين قدرة على قراءة خمس السنوات الأخيرة واستخلاص ما يمكن استخلاصه من دروس وعبر، وإلى أي حد ستكون لهم الشجاعة والمبادرة؟