قبيل نشر تقرير لجنته عن مشاركة بريطانيا في غزو العراق، صرح السير جون تشيلكوت أنه يأمل أن يساعد التقرير في الإجابة على بعض تساؤلات أهالي البريطانيين الـ 179 الذين قضوا هناك ـ العراق ـ في الفترة ما بين 2003 و2009).

التقرير الذي عرضت خلاصاته صبيحة يوم الأربعاء 2016.7.7 يقع في أكثر من 2,5 مليون كلمة، نُشر تحت ضغط أسر الجنود البريطانيين الذين قضوا خلال غزو العراق مستفسرين حكومة بلادهم عن ملابسات هذه الحرب وعن حقيقة دوافعها ومهددين بملاحقة المسؤولين قضائيا عن اتخاذ قرار الحرب دون بينة.

من جهته، طوني بلير المسؤول الأول عن قرار مشاركة بريطانيا في الحرب إلى جانب أمريكا سارع للاعتذار لذوي الهلكى، مبديا أسفه لعدم استشراف تداعيات حل الجيش وحزب البعث العراقيين وإدخال المنطقة نفقا مسدودا، تعتبر الفوضى العارمة التي تعيشها اليوم إحدى مخرجاتها.

التقرير قرارَ إعدادٍ وفريقَ إنجازٍ ومنهجية اشتغال وخلاصاتٍ وطريقةَ عرضٍ يؤشر لمقومات الدولة المواطنة، حيث يتبوأ الانسان/المواطن قيمة حقيقية، وحيث الحق في الوصول إلى المعلومة مقدسا، وحيث اقتران المسؤولية بالمحاسبة واقعا ليس شعارا. فحساسية الموضوع وتبعات خلاصاته ليس على المشهد السياسي البريطاني فقط، بل على القيمة المعنوية لمملكة لم تكن الشمس تغرب على امبراطوريتها، لم يمنع من التدقيق في ملابسات القرار، ولم يمنع من تحميل المسؤولية المباشرة إلى أجهزة الدولة كما لمسؤوليها.

التقرير في مجمله يحاكم أنظمة عربية تزعم أنها دول الحق والقانون وفصل السلط واستقلالية القضاء، أنظمة تحتكر القرار كما تحتكر المعلومة وتصادر الحق في مساءلة المسؤولين عن قراراتهم واختياراتهم التي يثبت بالحجة والدليل أنها غير شعبية. أجل بريطانيا في النهاية بلد استعماري وأحد أركان الاستكبار العالمي المسؤول عما يسود العالم من فوضى وحروب ونزاعات، ويكفي أنها “شرعنت” لإقامة كيان غاصب على أرض فلسطين، لكنها في علاقتها مع مواطنيها تحترم حقوقهم وتتجاوب مع نبض المجتمع، وإلا ما الذي يدفعها لتقديم نفسها، من خلال تقرير “جون تشيلكوت” مجرمة حرب تتحمل وزر دعمها للحليف الاستراتيجي ـ الولايات المتحدة ـ في إبادة شعب العراق وإدخال المنطقة لحالة من الفوضى خرجت عن السيطرة وراحت تهدد أمن واستقرار العالم؟ أجل، لقد كشف التقرير حقيقة الوجه القبيح لما يسمى المجتمع الدولي وأماط اللثام عن زيف “الشرعية الدولية” التي توظف خدمة لمخططات تروم الهيمنة على مقدرات الشعوب وتصادر أحلامها التحررية باسم ضمان السلم العالمي.

التقرير بقدر ما هو غير مرحب به من طرف حكام العرب لتورطهم المباشر وغير المباشر في غزو العراق باعتباره نموذجا تحرريا، بصرف النظر عن استبدادية النظام البعثي الذي تعتبر قاسما مشتركا مع الأنظمة العربية، فهي تحكم شعوبها بالحديد والنار ولكن بجرع مختلفة، هو ـ التقريرـ غير مرحب به كذلك من طرف هذه الأنظمة حقوقيا لأنه يضعها في قفص الاتهام أمام شعوبها في قضايا مشتركة: حرب رمضان في بداية سبعينيات القرن الماضي لتحرير فلسطين تفسيرا لعوامل اندحار الجيوش العربية، وقضايا خاصة يشكل مجموعها سوء حكامة هدرت فرصا شتى سنحت لإقلاع تنموي وعمل وحدوي يحفظ للشعوب العربية قبل الإسلامية كرامتها ويمكنها من قرارها ومقدراتها عوض واقع المهانة والذيلية واستباحة المقدسات والثروات واستحالتها ضيعة للأعداء، بل ومقبرة لنفاياتها وفضلات مصانعها.

التقرير مغربيا يسائل النظام/الدولة سؤال كشف الحقيقة في ملفات كثيرة ما زال الغموض يكتنفها رغم انصرام آجال رفع السرية عنها، وقد تابعنا كيف التف النظام على ملف المهدي بن بركة في ذكرى اغتياله الأخيرة؛ ملفات في مجالات كثيرة يحكم النظام إقفالها وإتلاف مفاتيحها، ولعل أحدثها ملف صناديق الضمان الاجتماعي الذي تبخرت ودائعه دون أن يفتح تحقيق في الملابسات قبل تحميل المنخرطين/الضحايا مسؤولية إفلاس هذه الصناديق. وفي الشق الحقوقي ينتصب ملف ضحايا الحراك الاجتماعي عام 2011: ملف قتل الشهيد كمال عماري نموذجا الذي أريد له أن يطوى طيا في إصرار عجيب على تكريس مبدأ الإفلات من العقاب، رغم تواتر الحجج والقرائن وخلاصات تقارير هيئات حقوقية مدنية ورسمية على تورط أجهزة أمنية في دم الشهيد. ملف لا لجنة “جون تشيلكوت” لفك طلاسمه، بل لا بيئة سياسية وحقوقية لوجودها أصلا!

التقرير في كلمة واحدة، يكشف حقيقة المسافة الضوئية بيننا وبين دولة الحق والقانون حيث الفصل بين السلط، وحيث قرار المؤسسات ومنها القضاء المستقل، وحيث يسهم المجتمع المدني في صناعة القرار، وحيث للشارع ـ بل لأهالي 179 جنديا فقط ـ تأثير وضغط مجتمعي كان وراء تقرير أدان دولة من عيار بريطانيا ومعها الحليفة الأمريكية ويرشحهما للمتابعة القضائية.

التقرير يدين تدبير “عفا الله عما سلف” و”مفراسيش” متى تعلق الأمر بالعفاريت والتماسيح أو الجهات المعلومة، ويسائل حقيقة ما يسوق من إصلاحات وهمية جنبت البلاد فوضى دول الجوار، كما جنبت تجربة التناوب النظام خطر السكتة القلبية، وفوتتا على المغاربة فرصة التأسيس للقطع مع الاستبداد، مثلما قطعت خلاصات تقرير “تشيلكوت” مع هكذا قرارات دون تدقيق وتحر واستشارة، حيث صرح “السير جون” في نهاية ندوته الصحفية: توقعي الأكبر هو أنه لن يكون ممكنا في المستقبل خوض مشروع عسكري أو حتى دبلوماسي على هذا المستوى وبهذه الخطورة دون إجراء تحليلات وتقييمات سياسية متأنية ودقيقة… وهذا هو الدرس الرئيسي بالنسبة للمستقبل).