عشية قمة المناخ المقرر تنظيمها بمراكش في شهر نونبر المقبل، وفي الوقت الذي كانت إحدى يدي الدولة تحظر تداول الأكياس البلاستيكية في البلاد وتحرك الرأي العام بحملة بلغت ذروتها بدعوى خطرها البيئي تحت شعار “زيرو ميكا”، كانت يدها الثانية تتمم صفقة 2500 طن من النفايات الإيطالية السامة والخطيرة المكونة من المواد البلاستيكية وبقايا العجلات بوصولها إلى البلاد.

وفيما يتحدث المتخصصون عن خطورة هذه النفايات وضررها على الإنسان والحيوان والنبات، الذي يمكن أن يصل إلى ظهور العديد من الأمراض الخطيرة والمزمنة، وإصابة المتضررين بتشوهات خلقية وعاهات مستديمة، اكتفت المعارضة الحزبية في البرلمان بطلب “توضيحات” الحكومة في هذا الشأن، بينما كان الرأي العام المغربي، والمعارضة الشعبية التي يمثل رواد الشبكات الاجتماعية جزءا منها، وممثلو الجمعيات البيئية، يجمعون على خطورة الصفقة وينددون بها مطالبين بالتراجع عنها ومحاسبة الجهات المسؤولة التي أشرفت عليها.

وما يثير الكثير من الريبة حول هذا الملف هو أن حرق النفايات من أجل توليد الطاقة تقوم به دول قليلة جدا في العالم تتوفر على تكنولوجيا متقدمة وبشروط وتحت مراقبة جد متشددة كما هو الحال في النروج والسويد اللتين رفضتا استيراد النفايات أو الأزبال من إيطاليا من ناحية بسبب شبهة تحكم عصابات المافيا في معظم أنشطة النفايات من ناحية، وبسبب غياب شروط النقل والحذر الشديد من نوعية هذه النفايات.

ولا يمكن لتصريح للوزارة المعنية أقل ما يقال عنه أنه لا يحترم عقل الرأي العام المغربي أن يقنعنا أن هذه النفايات غير خطرة وتستعمل كمكمل أو كبديل للطاقة الأحفورية دوليا في مصانع الإسمنت نظرا لما تتميز به من قوة حرارية مهمة إلخ…

ولهذا يحق للرأي العام أن يطرح الكثير من الأسئلة حول الأطراف الواقفة خلف هذه الصفقة وحول تفاصيلها القانونية ومصدرها والمستفيدين الحقيقيين منها في الجانبين المغربي والإيطالي وعن نوعية هذه النفايات وعن التوقيت المتزامن للصفقة مع حملة “زيرو ميكا”…

الأمر يتطلب سرعة في التفاعل مع الرأي العام بتقديم التوضيحات اللازمة في شأن هذا الملف الخطير، وبالإجابة عن كل الأسئلة المطروحة بالشفافية التامة المطلوبة في مثل هذه الحالات الحرجة. كما يتطلب الأمر جهدا حقيقيا ومخلصا في البحث عن بدائل لما يمكن أن يتسبب في كوارث للبيئة وللمواطنين على حد سواء.

كما أن الرأي العام والمجتمع المدني مطالب بالوقوف وقفة جادة وقوية في هذا الملف لأنه وجه من وجوه الفساد التي يستند عليها الاستبداد في وجوده وتغوله واستمراره.