عجيب كيف وجد الإنسان نفسه مخاللا لهاتفه الخلوي، تتجدد شخصيته الافتراضية حسب تعبئته لهاتفه أو حظه من صبيب الأنترنت و[الواي في] ليسبح في عالم المخلوقات! ويغفل عن تجديد شخصيته الإيمانية باتخاذ خلة واقعية في الله تربطه بمحبة خالقه عز وجل!

هل يمكننا مقارنة العلاقات الاجتماعية الافتراضية المطبوعة بالهشاشة والسطحية ما دامت تبنى على نظرة افتراضية للآخر، بمخاللة واقعية في الله وما يبنى عليها من حسن النية وامتداد للآخرة؟

أصبحنا نعيش في كوكب المحطات الفضائية، حيث تلاشت الحدود الجغرافية، وتدفقت المعارف والمعلومات، وتفاعلت ثقافات الشعوب مع بعضها، مفرخة لنا إنسانا ذا صحبة مشتتة، بنية شخصيته غير متماسكة تتلاعب بها رغبات وأذواق وإرادات ومواقف الآخرين، إنه منتوج عالم موار، عالم لا يربط سكانه مشروع إنساني قيمي مشترك.

الظاهرة الإسلامية والمسجد

انتقل الخطاب الإسلامي من الانعتاق من التدين الرسمي المنقوص، إلى تدين إلكتروني يجدد روح الدعوة بأساليب متطورة تنفذ إلى فطرة الشباب، أو تستثمر فيه قوى السوق المهيمنة، أو المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى.

إن الظاهرة الإسلامية آية من آيات الله في هداية شباب يسعون للتوبة إلى الله، وسط بيئة اختلط فيها الحق بالباطل، فتانة عن الاستقامة.

شباب يسألون عن دينهم وعن مصيرهم، وعما يعانونه من فراغ روحي، فشل الدعاة التقليديون في التواصل معهم لتمتين انتمائهم لأمتهم والقيام بمهمتهم التاريخية المنوطة بهم، بإعادة الاعتبار لهويتهم الحقيقية غير الافتراضية. لا يرغب الشباب في تقديم ولائهم لدين لا يسعى لإقامة عدالة اجتماعية في الأرض! ولا يواكب تداعيات الثورة الرقمية، والمنافسة الشرسة على مراكز القرار الاقتصادي والسياسي.

كان المسجد للرعيل الأول من جيل الصحوة الإسلامية محضن تربيته ومحور نشاطه (قبل نهج سياسة ترسيم الخطيب والواعظ ليكون موظفا منفذا لما تملي عليه وزارته المشرفة على الشأن الديني!) كان الشباب لا يترددون في اتخاذ الخطيب أو الواعظ الحر في المساجد غير المدولة مرجعا دينيا لهم، لما يلمسون في شخصه من برهان صدق، ومواقف معارضة لإسلام سكوني متعايش مع نظامهم السياسي الفاسد، والمشرعن لمركزية سلطته واستمرارها.

كان لهذا النوع من المساجد، سابقا، دور في صياغة شخصية أبناء الصحوة الإسلامية؛ يعلل الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله أسباب انجذاب شباب هذه المرحلة. ما يجذب الشباب إلى المساجد هو التفسير الإسلامي لوضعية الشباب الاجتماعية، والدعوة الضمنية، أو المكتومة، تكاد تفصح، إلى التغيير الثوري) 1 . وهذا ما يستهوي الشباب بل يجدون فيه ضالتهم يخاطب الواعظ الحر الغاضب على المنكر إيمانا وتدينا نفوس الجماهير وعقولها من جانب الحق، من جانب الآخرة، مع نبضة ثورية تربط هموم الناس بأصول الإيمان، فتجد تجاوبا وحماسا) 2 . لكن، هل الخطاب غير المتجاوز لمحيط المسجد، وإن كان حرا، كفيل بمفرده بإيقاظ الأمة وبناء ما انتقض من عرى الإسلام؟ هنا يدعو لأستاذ عبد السلام ياسين إلى تنهيج الدعوة لتشمل جميع مناحي حياة الإنسان.

ويقصد بتنهيج الدعوة أن نتدرج بالإنسان من موقعه الإنساني، من ظروفه المادية، من تعبه اليومي وكبده، من هم المأوى والرزق والأمن والضروريات، ليطمئن إلى أن الإسلام وعد بفك الرقاب، أي بتحرير الإنسان من كل عبودية تحقره ولا تكرمه، وعد بإطعام الجائع، بالقضاء على البؤس، بالإنصاف، بالقسمة العادلة للرزق) 3 . ويحذر رحمه الله في لازمة جهاد قلمه، من منزلق الانحراف عن الغاية المؤسسة للكيان الدعوي الحر في معمعان تدافعه السياسي حيث تسري دنيوية الصراع إلى مواقع الحافز الإيماني فينطمس أمر الآخرة.

بين المسجد والأنترنت

احتضنت المساجد الحرة أبناء الصحوة الإسلامية، في رحمها تربت أجيال أهل القرآن والعلوم الشرعية والخطباء والوعاظ.. ملاذ المسلمين بما ينفعهم لبناء آخرتهم ودنياهم على قاعدة تضمن للجميع سلما اجتماعيا أساسها: العدل والشورى والإحسان بمعناه الشامل، وكابدت من الاضطهاد والتعذيب والاختفاء القسري والمحاكمات الصورية من أنظمة اتخذت سياسة تجفيف المنابع منهجا لمحاصرة المد الإسلامي. بعد تدويل المساجد وصناعة الإسلام الأنسب لاستقرار النظام الحاكم، شرعت التكتلات الاسلامية في التغيير من أساليب تفاعلها، وشهدت تطورا مطردا في زمن العولمة، بواسطة الدعوة الرقمية عبر الأنترنت، والتفاعل على الخط بين الداعية والمتواصلين معه بأقل جهد وتكلفة، مع خرق المجال المحلي والقطري الضيق إلى فضاء تواصلي دولي أرحب “بلا حدود”، وتيسر تحميل وتوثيق المكتوبات والمسموعات والمرئيات لزوار المواقع الإلكترونية.

اتخذ الشباب الفضاء السايبيري مرجعا لفهم دينهم، ودليلا لمنهاج حياتهم دون مناعة تحميهم من المتلاعبين بعاطفته الإيمانية، والمستثمرين في صدق نواياه. هل تؤتمن المساكن العنكبوتية الافتراضية على ترشيد هداية الشباب المقبلين على الله عز وجل؟

سؤال يفرض علينا فتح كتاب العالم الافتراضي لنتحقق من مدى فاعليته في أنسنة الإنسان بتنهيج عودة الشباب إلى ربهم ليكونوا رحمة في العالمين لا نقمة مرهبة مفزعة.

تأثر العاملون في حقل الحركات الإسلامية بالثورة التكنلوجية، منهم من عجز عن مواكبة مستحدثات الزمن واكتفى بالحوقلة والتأسف على زمن مضى وانقضى، ومنهم من أحدث تعديلات في معايير تفاعله مع الثقافة العالمية المعلوماتية، فتشكلت دائرته الافتراضية والواقعية من خيارات متعددة ومتنوعة نذكر منها خيارين:

١ ـ الخيار الدعوي العلني السلمي بواسطة العمل الاجتماعي والسياسي والعمل التربوي والتعليمي إعدادا لأجيال تحب الخير للبشرية وتعمل عليه.

٢ ـ الخيار الدعوي السري العنيف والقتالي المسلح، بإحياء النعرات الطائفية أو زرع الرعب في قلوب المسلمين وغيرهم، بواسطة الهجومات الانفجارية والاغتيالات السياسية.

يبحث الشباب عمن يتفهم طموحاتهم ومشاكلهم ومعاناتهم، يقتربون أكثر إلى من يحترم مشاعرهم وينمي عاطفتهم الإيمانية بطريقة مخالفة لما ألفوه في إسلامهم الوراثي، وقد برع في هذا المجال كثير من الدعاة الشباب المبشرين غير المنفرين، موظفين الوسائل الرقمية ذات جودة عالية في التصوير والهندسة الصوتية والإخراج.. ليبني علاقة إعجاب بالداعية النجم الذي يعيد ثقة الشباب بأنفسهم، ويفتح لهم باب الأمل ودورهم في صناعة الحياة بالتفكير الإيجابي. إنه تدين عصري فردي لا يمكننا إنكار مساهمته في احتضان الشباب في المراحل الأولى من اكتشاف هويتهم الإسلامية.

لكن الإقبال المكثف على هذا النوع من التواصل الديني، جعل منهم سوقا استهلاكية لمنتوجات، توفر جرعة من الوجبات الروحية السريعة، ومهارات تقنية ذات فعالية في تدبير مشاريع الخيرية وعمل اجتماعي وجمعيات المجتمع المدني، تحكمه مناهج التنمية البشرية لتثبيت قيم الثروة والنجاح المتحكم في دواليبها قيم السوق! مما جعل بعض المفكرين المتابعين لمسار الخطاب الدعوي من انتقاد الإسلاميين السلميين بتبنيهم “للرؤية التنمية البشرية الأمريكية المتمركزة حول القيم البروتستانية”.

ومنهم مغامرون تستدرجهم الجماعات المكفراتية بما يعتبرونه جهادا إلكترونيا، آخر أجياله المفزعة لأمن الناس في العالم، ما يسمى “بالجهاد الفردي الإلكتروني” أو “الخلية الفردية”، هويته غامضة ومعاركه يخوضها مغامرون شباب، يغيرون سياستهم القتالية حسب نتائجها الحربية الإلكترونية مع الأجهزة الاستخباراتية الدولية المتعقبة لكل من يترددون على المواقع المؤطرة بواسطة “تقنيات غسل الدماغ” لمن يخطط لتنفيذ العمليات الانتحارية من شباب وشابات في عمر الزهور.

إن الدخول في نفق العمل الإسلامي السري بعد تدويل المساجد، ومحاصرة العاملين في حقل الدعوة الإسلامية الحرة ذات الجناح السياسي المنتقد للمشروعية الدستورية والدينية للأنظمة الحاكمة، ساهم في إشعال نار حمية إسلام الدم والانتقام بوتيرة لم نعهدها من قبل! خصوصا بعد تعويض فضاءات المساجد الحرة ورموزها الدينية الثائرة بفضاء الأنترنت والمجتمعات الافتراضية أو ما يسمى بالجهاد الإلكتروني مع جيل يستند إلى فهم دينه وواقعه بطريقة إلكترونية تفتقد إلى منهاج نبوي ينير له طرائق “واقعية” لتجديد إيمانه وإحياء أمته.


[1] الأستاذ عبد السلام ياسين، الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية، ص، 17.\
[2] نفسه.\
[3] نفس المصدر، ص، 18.\