الصوم عبادة باطنية، وسرّ من أسرار الله تعالى بينه وبين عباده؛ وشجرة طيبة مباركة جذورها النية وأغصانها فضائل الأعمال وثمارها الثواب، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “قال اللَّه عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يصخب. فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل إني صائم. والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بصومه، وإذا لقي ربه فرح بصومه” 1 .

الصوم مدرسة الصبر، والصبر درجات ثلاث: صبر عن معصية الله (الصبر عن الشهوة)، وصبر على طاعة الله (الصبر على العبادة)، وصبر على أقدار الله الشهوة (الصبر على العباد). وإدراك هذه الدرجات يتحقق بالتخلي عن طاعة النفس، والتحلي بطاعة خالق النفس، ويتجلى ذلك في حسن مخالطة الأنفس.

الصوم مصحة ربانية، وصيدلية نبوية، ومحمية آدمية فهو علاوة على كونه جُنّة فهو يحافظ على الفطرة البشرية، فطرة الله التي خلق الناس عليها وفطرة الله التي فطر الناس عليها.

وصيام الناس فيه درجات مختلفة، ومستويات متباينة، جعلها أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين)، ثلاثة:

1- صوم العامة : فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة فحسب، وليس وراء ذلك شيء. وقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم عن هذا الصنف من الناس بقوله: “رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش” 2 .

2- صوم الخاصة: هو كف الجوارح عن الآثام، كغض البصر عما حرم الله، وحفظ اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة، وكف السمع عن الإصغاء إلى الحرام، وكف باقي الجوارح عن ارتكاب الآثام، وهذا الصنف ينطبق عليه قوله صلى الله عليه وسلم: “إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُث ولا يَصْخَب، فإن سابَّه أحد أو قاتله أحد فَلْيَقُلْ إني صائم” 3 . وينطبق عليه قوله تعالى: والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون 4 .

3- صوم خاصة الخاصة: هو صوم القلب عن الأفعال الدنيئة، والأفكار الدنيوية، وكفه عما سوى الله سبحانه بالكلية، وقد وصف الغزالي صاحب هذه الرتبة بأنه مقبل بكامل الهمة على الله، منصرف عما سواه، متمثلاً – في كل ذلك – قوله تعالى: قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون والذين 5 وهذه رتبة الأنبياء والصديقين والمقربين من عباده المخلَصين.

هذه المنازل هي درجات الناس في دينهم، وإقبالهم على الله تعالى: الإسلام، والإيمان، والإحسان. وهي أيضا تدرج سلوكي للعبد إلى ربه تعالى في رمضان (وفي غيره)، الذي يكون أوله رحمة، ووسطه مغفرة، وآخره عتق من النار؛ هذا العد التصاعدي في تحفيز للمسلم والمؤمن والمحسن، لبلوغ أسمى الدرجات ونيل أفضل المراتب، وبلوغ أسمى المقاصد، لذلك كانت العبرة بالخواتم من خلال بلوغ ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر في الأجر والثواب، والاستمتاع بالفرحة العجلة عن الإفطار، والفرحة المؤجلة عند الفطر، وما اذخره الله تعالى للصائم يوم القيامة خير وأجزى. هذا التصنيف الثلاثي مطبق على سائر نيات وكافة أعمال المكلف، المذكور في عموم قوله تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا. فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله. ذلك هو الفضل الكبير 6 . الناس بمقتضى هذه الآية الكريمة، أحد الثلاثة، إما: أ- ظالم لنفسه، ب- مقتصد، ج- سابق بالخيرات؛ فمن أي صنف أنا، وأنت، وأنتم!؟

للصيام مقاصد شرعية لا بد أن تدرك، ووسائل بشرية لابد أن تتوافق مع الإرادة الربانية وأن تلتقي مع الرغبة النبوية، وأن تتحقق الأهداف التربوية للصيام، ومراميه الاجتماعية، وأبعاده التاريخية، ومعانيه العلمية والعملية. هذه المقاصد معلومة في كتاب الله قال تعالى في آيات الصيام في سورة البقرة:

أ‌- المقصد التربوي: يقول الحق سبحانه وتعالى: لعلكم تتقون، ولعلكم تشكرون، وأجيب دعوة الداع إذا دعان.

ب‌- المقصد العام: في قوله تعالى عز وجل: وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون.

ت‌- المقصد العلمي: قال العليم الخبير: هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان؛

ث‌- المقصد الاجتماعي: قال عز من قائل: ففدية طعام مساكين؛ وقال كذلك: فمن تطوع خيرا فهو خير له.

ج‌- المقصد التشريعي: قال الله سبحانه وتعالى: يريد بكم الله اليسر ولا يريد بكم العسر.

ح‌- المقصد الأسري: قال تعالى: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم.

وعلى العموم فإن هناك مقاصد ذاتية ومقاصد اجتماعية. فمن مقاصد الصيام (الذاتية) ترويض النفس، وإلجامها، وإلزامها الحمية، وحبسها من الانفلات كالطائر الجارح والأسد الضاري؛ تقويمها في مخالفتها، وتقواها في إتيان ما تكره، وتزكيتها في إلزامها فيما لا ترغب. فإذا كان صوم اللسان عن الغيبة والنميمة والكذب والبهتان، التي تألفها النفس، فإن في ذكر الله وفي الصمت المقرون بالتفكر، ما تأنف النفس؛ هنا تختلف منازل الناس في صيامهم ودرجات إيمانهم. يا عجبا نعلم نعمة الله وننكرها، نعلم خطر حصاد الألسن ونتق بها!. وإن كان صوم العين عن النظر إلى العورات، ومحاسن الحسان، فلأن هناك النظر في الآفاق وفي الأنفس أعظم بديل، قال تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق 7 ، وإن كان صوم الأذن عن سماع ما لا يرضي الله تعالى، فلأن هناك سماع للقرآن، وسماع لهموم الناس، وسماع للموعظة الحسنة؛ وإن كان صوم القلب عن طاعة الهوى، فلأن الهوى سم وسقم وأن جلاء ذلك بالذكر، قال تعالى: ألا بذكر الله تطمئن القلوب 8 ، وقال عليه الصلاة والسلام صلى الله عليه وسلم: “ألا وإن في الجسد مضغة إن صلحت صلاح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب”. مقاصد الصيام معلومة وواضحة، ومقاصد العباد منه مبهمة وغامضة. فالله تعالى كشف الداء ووصف له الدواء، والإنسان لا يبالي، وإنه لن يستقيم الأمر للإنسان إلا إذا توافقت إرادته مع إرادة خالقه، وكانت نفسه تواقة إلى ما اعد الله تعالى لعباده المتقين، وما خص به خاصة خواصهم من التلذذ بنعمه والاستمتاع برؤية نور وجهه الكريم، يقول الشافعي رحمه الله: تبغي النجاة ولا تسلك طريقتها إن السفينة لا تجري على يبس).

علمنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في حديثه يقول: “من صام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” 9 ، صيام النهار وقيام الليل، وأي صيام؟ وأي قيام؟ أصيام العموم، أو الخاصة، أو خاصة الخصوص؛ أقيام العامة، أو الخاصة، أو خاصة الخاصة. الوسيلة النبوية تقتضي القيام بهما إيمانا واحتسابا، لتحقيق غاية أسمى ألا وهي غفران ما تقدم من الذنب. ومن الوسائل أيضا ترك الرفث، والصخب. ففي رواية لمسلم –رحمه الله-: “كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلي سبعمائة ضعف، قال الله تعالي فأنه لي وأنا اجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحه عند لقاء ربه و لخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك”. ماذا تساوي شهوتي الزائلة أمام عرض الله تعالى الدائم (سبعمائة ضعف) و(فرحة الفطر) و(الفرحة عند لقاء الله). وهكذا حال المؤمن في كل شؤونه، ما ترك من شهوة، ولا زهد عن هوى، إلا عوضه الله بأحسن على ما ترك، والله يضاعف لمن يشاء، والله لا يخلف الميعاد.

إنما كان الصوم محمية للفطرة، لمقاصده الواضحة، ولوسائله الناجعة. فهو عبادة قديمة، عم نفعها البشرية برمتها. قد يكون عادة عند الأقوام البائدة، والإسلام جعله عبادة إلى قيام الساعة. والحذر كل الحذر أن ننقلب على أعقابنا، فــننزل رمضان من أعلى العبادات إلى أدرك العادات، يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: “من لم يدع قول الزور والعمل به فلا حاجة لله في أن يدع طعامة وشرابه” 10 ، وشتان بين العبادات التي هي إبداع للوسائل لبلوغ المقاصد، والعادات التي هي ابتداع تتخطى المقاصد.

يتمتع رمضان بروحانيات خاصة، إذ هو البيئة الملائمة لتربية وتنمية الأمة، إلا أنه سرعان ما تضمحل هذه الروحانيات بمجرد انتهاء رمضان، وذلك لجهل الناس بأن عطاء الله لا ينفد لا في رمضان ولا في غيره، وما كان عطاء ربك محظورا. إنما يقوم الإنسان بحضر العمل على روحانيات رمضان طوال العام، فلله تعالى في الدهر نفحات الصيام يعرضها علينا طوال العام ونحن نعترض عليها، أو نعرض عنها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو يعلم ما رمضان تمنت أمتي أن تكون السنة كلها رمضان” 11 ، ومن الوسائل التي سنها صلى الله عليه وسلم صيام الإثنين، والخميس، وأيام البيض، والأيام الفاضلة… لغاية تحقيق مقاصد الصيام. لذلك قال الفقهاء: من عرف ما قصد هان عليه ما وجد)، وقالوا أيضا الأمور بمقاصدها)، فلا ينبغي أن تمنعنا الموانع الواهية عن بلوغ مقصدي الصيام: الفرح بالله، ومغفرة الذنوب التي وعد بها الله تعالى الصائم. ولا تغرنا المظاهر التي تعبث بالفطرة، فإن لها رب يحميها. فعن أبي هريرة رضي عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: “ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء” 12 ، أخرجه مسلم، ثم يقول أبو هريرة واقرأوا إن شئتم: فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله 13 . هذا الحديث العظيم يحمل المسؤولية لكل راع من الأبوين الطينيين أو الأبوين الروحيين في “تلويث” الفطرة، التي تميز الإنسان عن الدواب، والسلوك البشري السوي عن السلوك الشيطاني المارد.


[1] متفق عليه: البخاري (1904)، مسلم (1151).\
[2] رواه الإمام أحمد وابن ماجه وحسنه الألباني.\
[3] سبق تخريجه.\
[4] المؤمنون: 60.\
[5] الأنعام: 91.\
[6] فاطر: 32.\
[7] فصلت: 53.\
[8] الرعد: 28.\
[9] متفق عليه.\
[10] صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم.\
[11] أخرجه ابن خزيمة في صحيحه.\
[12] أخرجه مسلم في صحيحه.\
[13] الروم: 30.\