شغل ذكر العمل الصالح في القرآن مساحة واسعة، فهو بعد الإيمان مناط الاختبار، فببذل الوسع طلبا للزلفى في الآخرة والقبول في دار الدنيا يتفاضل المؤمنون، وبه يكون الترقي في درجات جنة الكريم المنان بعد دخولها برحمته وفضله.

قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُو الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (سورة الملك: 2).

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تعليقا على هذه الآية: وما بين الحياة والموت مجال زمني لعمل الإنسان، أي للعبادة. فعمرك هو رأس مالك، فينبغي أن تنظم وقتك بين الواجبات والأعمال المختلفة، حتى لا يطغى بعضها على بعض، إذ ليس المهم أن تعمل ما شئت متى شئت، بل المهم أن تعمل العمل المناسب في الوقت المناسب. فعليك أن تعرف ما يتطلبه الوقت من عمل القلب واللسان والجوارح وتتحراه وتجتهد في القيام به حتى يقع موقعه من الموافقة للمقصود، ومن القبول عند الله عز وجل. جاء في وصية أبي بكر الصديق لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين استخلفه: “اعلم أن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملا بالليل لا يقبله بالنهار”) 1 .

وقديما قيل: من قضى يوما له في غير فرض أداه أو حق أعطاه أو علم حصله فقد عق يومه وخسر نفسه).

بِقَدْرِ الْكَدِّ تُكْتَسَبُ المعَالِي *** ومَنْ طلب العُلا سَهرَ اللَّيالِي
ومن طلب العُلا من غير كَدٍّ *** أَضَاع العُمْرَ في طلب الْمُحَالِ
إذن فعمل المومن في هذه الحياة الدنيا غير مقصود لذاته، ولكن لغاية عالية سَنية: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (الذَّاريات: 56)، فأكرِم بها من غاية، وهي التقرب إلى الباري جل وعلا. فالعمل عبادة كما قيل بشرط صلاح النية وتصحيح الوجهة إلى الله تعالى: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه رب العالمين (الأنعام: 162).

فلا شك أن المومن إذا عَلِم عِلْم اليقين أن عمله يقع عليه نظر الله، وتُعرَض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأى فيها من خير حمِد الله، وما رأى من شر استغفر الله له، فلا محالة سيتفاعل حياء وتوقيرا وتعظيما وإحسانا، قال تعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ورسوله والمؤمنون (التوبة: 105)، فيا له من تَرْغِيب عَظِيم لِلْمُطِيعِينَ، وَمن تَرْهِيب عَظِيم لِلْمُذْنِبِينَ.

طالع أيضا  ومضات تدبرية -5-الأسرة لبنة بناء الأمة

لقد كان العمل في حضن النبوة أمرا جامعا يشمل الدنيا والآخرة، الروح والجسد، القلب والجوارح، الفرد والجماعة، لكن بعد انتقاض عرى الاسلام وتحول الخلافة الحكيمة إلى الملك العضوض، ظهر التبعيض والتجزيئ، فَرَفعت فئة من شأن العمل الجوارحي الفردي، فيما استقل آخرون بفقه القلوب المنعزل عن هموم الأمة، واكتفت فئة بالتنظير والتحليق الفكري، مما ترتب عنه ضياع أمهات الأعمال من عدل وشورى وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وسياسة لأمور العباد.

ثم إلى جانب الشمولية، تميز الخطاب النبوي بتحفيز الهمم إلى صفوة الأعمال ومعاليها، والأحاديث في الباب تترا، من بينها ما روت عائشة رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: “سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: “أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ”” وَقَالَ: “اكْلَفُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ” 2 .

وعن أبي ذر قوله عليه الصلاة والسلام: “أحب الأعمال إلى الله الحب في الله والبغض في الله” 3 ، وعن معاذ رضي الله عنه عن النبي عليه السلام: “أحب الأعمال إلى الله أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله” 4 . ومن حديث عن عبد الله بن مسعود قال صلى الله عليه وسلم: “أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله” 5 .

ومراعاة للواقعية في أحوال الناس وظروفهم المتغيرة من إقبال وإدبار وشرة وفترة وصحة وضعف، فقد فتح الشارع باب المنافسة دون تحقير أو تنقيص لأي معروف ولو كان صغيرا في أعين الناس، فكلٌ ميسر لما خلق له، فعن أبي جُري الهُجيمي، قال: سألتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ المعروف، فقال: “لا تَحقِرنَّ من المعروف شيئاً، ولو أنْ تُعْطيَ صِلةَ الحبلِ، ولو أنْ تُعطي شِسْعَ النَّعلِ، ولو أنْ تُفرِغَ من دلوكَ في إناء المستسقي، ولو أنْ تُنَحِّي الشَّيءَ مِنْ طريق النَّاسِ يؤذيهم، ولو أنْ تلقى أخاكَ ووجهُك إليه منطلق، ولو أنْ تلقى أخاك فتسلِّمَ عليه، ولو أنْ تُؤْنِسَ الوحشان في الأرض” 6 .

إن العمل سماع للنداء الإلهي واستجابة لهذا النداء، فهو اقتحام لعقبة الخمول النفسي والحركي، له شروط ترفعه ومزالق وعقبات تنتقصه.

شروطه القبلية

– الإيمان

اقترن الإيمان بالعمل الصالح في كثير من الآيات، فلا ينفع مع الكفر عمل مهما عظم وكبر أو دق وصغر، كما لا ينفع مع الإيمان عمل عُمِلَ لغير وجه الله.

طالع أيضا  ومضات تدبرية.. بيوت قرآنية

– إخلاص النية

رُبَّ عمل صغير تُعظِّمه النيّة، ورُبَّ عمل كبير تُصغِّره النيّة، قال تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (سورة الكهف: 110). قال ابن عباس: نزلت في جندب بن زهير العامري، وذلك أنه قال: إني أعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، ولا يقبل ما شورك فيه”.

– العلم

فالعلم مبتدأ والعمل خبره، وعمل بدون علم ولا رؤية مسبقة تخبط، يقول عمر الرجراجي: العلم ميت وحياته التعليم، فإذا حيّا فهو خفي، وظهوره المذاكرة فإذا ظهر فهو ضعيف، وقوته المناظرة فإذا قوي فهو عقيم، وثمرته العمل، ينادي العلم، أين العمل فإن أجاب وإلا ارتحل).

قال الأستاذ المرشد: الخطأ في العلم خطير على نتائج العمل. والعمل بلا علم تخبط وجنون. والعمل في الغموض اضطراب لا يسير إلى غاية صالحة. من الناس من يفضل أن يعلم ماذا سيعمل قبل أن يبدأ في العمل. ومنهم من يكتفي بالظن فيبني عليه بناء لا يلبث أن ينهار) 7 .

شروطه عند المزاولة

– الصواب

ويقصد به موافقة السنة والتزام الشرع فيه، فكل السلامة في الاتباع، فالأصل في العمل التعبدي التوقف، أما في جانب المعاملات فمبدأ الحِل هو الأساس إلا أن يكتنفه ما يصرفه إلى الحرام.

– الإتقان

أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإتقان العمل بقوله: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه” 8 ، والقصد منه الإحسان في العمل وإفراغ الوسع، ومن الإتقان القوة والأمانة وتحمل المسئولية، فلا فاصل بين الأخلاق والعمل فهما مرتبطين ارتباطا وثيقا في شريعتنا، قال عليه السلام: “إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة”، فلما سئل عن كيفية إضاعتها قال: “إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة” 9 ، فمن مفهوم الحديث، كل عمل كُلف به من ليس أهلا له، فقد قامت قيامته.

طالع أيضا  ومضات تدبرية رمضانية -1-وصايا سورة الأنعام

– التخصص

قد كان مقبولا في وقت مر انعدمت فيه الكفاءات أن نولي أي الأعمال لأيٍ كان، دون اختيار ولا اختبار، ولكن اليوم فلا مندوحة من تخصيص صفوة الأعمال لصفوة الرجال، ففي قوله عليه السلام: “يؤمُّ القوم أقرؤُهم لكتاب الله” 10 ، وأمره صلوات الله وسلامه عليه عبد الله بنَ زيد صاحبَ رؤيا الأذان أن يلقِيَ ذلك على بلال لأنه أندَى منه صوتًا، لدلالات وإشارات لمن يعتبر.

شروطه البعدية

الأثر: لا فائدة في عمل لا أثر له ولا ثمار، وفي الحكم العطائية: ليس المراد من السحابة الإمطار، وإنما المراد منها وجود الإثمار)، ولا نعني هنا الأثر القلبي، فرب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت غروراً واستكباراً، بل الأثر المقصود هو ذلك الذي يتعدى صاحبه فيفيد به أمته، فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الخَلق كلهم عيال الله، فأحب خلقه إليه أنفعهم لعياله” 11 .

وبعد استيفاء هذه الشروط، يأتي الدعاء من أجل قبول العمل والشكر على التوفيق للعمل، فالله هو الموفق لصالح الأعمال: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (الصافات: 96)، سبحانه خلق ونسب، وهذا يستوجب من العبد التبرؤ من حوله وقوته والترفع عن المنّ مخافة أن يحبط عمله ويجعله المولى هباء منثورا.


[1] عبد السلام ياسين، يوم المومن وليلته، ص 5، إيديتور: ط 1، 2007.\
[2] صحيح البخاري، بَابُ القَصْدِ وَالمُدَاوَمَةِ عَلَى العَمَلِ.\
[3] مسند الإمام أحمد، حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رضي الله عنه.\
[4] صحيح ابن حبان، ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْمُدَاوَمَةَ لِلْمَرْءِ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ مِنْ أَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ.\
[5] صحيح البخاري، بَابُ فَضْلِ الصَّلاَةِ لِوَقْتِهَا.\
[6] مسند الإمام أحمد، حَدِيثُ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ.\
[7] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص 236، الشركة العربية للنشر والتوزيع، ط 1، 1989.\
[8] شعب الإيمان، البيهقي، الأمانات و ما يجب من أدائها إلى أهلها.\
[9] صحيح البخاري، بَابُ رَفْعِ الأَمَانَةِ.\
[10] صحيح مسلم، بَابُ مَنْ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ.\
[11] المعجم الكبير، الطبراني، بَابُ مَنْ رَوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ.\