مدرسة الصوم جهاد للنفس

ليس رمضان مجرد طقس تعبدي عابر، محدود الأثر، إنما هو مدرسة حبلى بالمقاصد السامية ومغرس لبذور الرجولة الإيمانية، ولئن كان ترتيبه الرابع بين أركان الإسلام فهو بمثابة الإعداد والتهييء للجهاد. نعم لرمضان والصيام طابع روحاني خاص تتجدد في فيه معاني الإخلاص والاستقامة والطاعة، ويرتقي بصاحبه إلى منازل أكبر في مجاهدة النفس والهوى والشهوات، فيمتنع عن الحلال ارتفاعا وارتقاء في المجاهدة حتى يصير الابتعاد عن الحرام من السهولة بما كان.

في مدرسة الصوم تكتشف النفس البشرية بكل أبعادها، وتنفضح أمام صاحبها، فها هي التي تترنح أمام المحرمات تنقاد ذليلة فيما هو أقسى، أمام الحلال، وهاهي النفس العاجزة عن أداء الفرائض تنشط لأنواع السنن والتطوع من صلاة وذكر ومداومة على القرآن والتهافت على مجالس العلم والمساجد في إقبال منقطع النظير. نعم لرمضان روحانيته الخاصة لما له من بركة وميزات خصت بها هذه العبادة دون غيرها رحمة ومغفرة وعتقا من النيران؛ ألم يقل ربنا عز وجل: “كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به”؟ ولعنا نكتشف بعض خبايا وأسرار هذا الصوم في هذا الشهر، ولِمَ كان الصحابة رضوان الله عليهم يستعدون له ستة أشهر وكيف يعيشون بعده أشهرا أخرى.

تتدرج مدرسة الصوم بصاحبها حتى يرتفع ويحقق التوازن بين ما هو مادي للجسد وما هو معنوي مطلوب للروح، وتكون روافده من ذكر وتحميد وتسبيح وقرآن وقيام رافعات نحو تذوق حلاوة الإيمان والعبادة وتحقيق معاني التقوى، وهكذا تصفو النفس وتسعد بالقرب وتصير شفافة تُقبل على الله عز وجل إقبالا تستنير به مع القلب والعقل تسترخص معه الدنيا وتتحقق معاني الجهاد بأبوابه وأنواعه.

الصوم جهاد كلمة ومال وتعليم…

لا بد وأن تصطبغ نفحات رمضان بكلام الوعظ والبيان، ويتعبأ الجميع في دعوة الأهل والبنين في الندب للمسجد والصلاة، حتى تمتلئ المساجد بالصغار والكبار يتعلمون ويعلمون، كل هذا وغيره تحركه روحانية رمضان وتسري معاني خفية بين جوانح النفس، وفي طيات الجلسة والكلمة والسعي، حتى تكتمل الصورة في رسم أبواب الجهاد مجموعة ولو في شكل مقتضب أو إيحاءات تلتقطها النفس، وتنسج على منوالها، وتتشح بلبسها.

ويزداد الأمر بيانا في تعانق الصيام بجهاد المال، فلا يقبل صيام ما لم يؤد صاحبه زكاة فطره،في صورة متألقة للربط بين أطراف تضمن معنى الانسجام بين أطراف الدين في شموليته وتوازنه في صناعة الحياة الإيمانية للفرد والجماعة والأمة.

الصوم مدرسة للجهاد الأصغر…

بهذه المعاني السامقة السابقة، يصير الصوم مدرسة لحماية النفس من الخنوع والجبن أمام الشهوات وملذات الدنيا، وتحررا من الاستسلام أمام مغريات الحياة، وتتدرب النفس على الصبر وقوة التحمل والتغلب على نوازعها، وتؤهل صاحبها لجهاد ما بخارجها، أليس هو الجهاد الأكبر؟

الصيام بمخالفة المألوف والخروج عن المعتاد وترك الشهوات، والصبر والبذل يتقاطع مع معاني الجهاد في شتى أبوابه غير طاعة لله عز وجل، حتى يكون أمر الله أولى، وكلمته أعلى، وما الانتصار على محبوبات النفس إلا حلقة من حلقات الانتصار على أعداء الإسلام. ولعلنا نعجب عندما نجد أن أغلب الانتصارات الكبرى للمسلمين وقعت في رمضان، فالصوم ورمضان ليس للنكوص والقعود بل هبة في النفس تترجم سلوكا عمليا في حياة المجتمع المسلم وفي الآفاق، وإلا فإن المقصود من الصوم لم يحصل: فليراقب المؤمنون أنفسهم، فمن لم تظهر نتائج الصيام في سلوكه، فليعلم أنه إنما جاع وعطش) 1 . وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن نجوع ونعطش بدل أن نصوم كما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه فيما رواه البخاري وأصحاب السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من لم يدع قول الزور والعمل به فلا حاجة لله أن يدع طعامه وشرابه”. ولم يسمه النبي عليه الصلاة والسلام صياما، فالمرجو أن تظهر نتائج الصيام في سلوك الفرد والجماعة.

وقد جاء في الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كلما هم بغزوة من الغزوات تحرى أن تكون في شهر رمضان، تعبيرا منه على أن قوة المؤمن تستمد أساسا من الإقبال على الله عز وجل ومخالفة نوازع النفس. ومن أهم الانتصارات نذكر:

– غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية للهجرة.

وتنبع أهمية الغزوة في كونها أول غزوة للمجتمع المسلم في المدينة المنورة حيث كان لها كبير الأثر في توطيد أركان الدولة الإسلامية في المجتمع المدني، حيث كان الحسم العسكري هذه المرة في تقوية شوكة الإسلام وتراجع قوى الطغيان

– فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة.

حيث كان ضم مكة المكرمة وما لها من قيمة دينية واقتصادية إلى حاضرة الدولة الإسلامية، وما يعنيه الانتصار من دلالة رمزية بين القبائل والدول الكبيرة آنذاك.

– ومعركة حطين وعين جالوت وفتح الأندلس …

واقع الأمة..

المتأمل اليوم لحال الأمة يلاحظ كيف تحول رمضان من مناسبة للصلح مع الله عز وجل والتوبة والأوبة إلى ليل للتخمة والعبث. تحول من مدرسة للجهاد إلى مجرد مناسبة للتفنن في أنواع الطعام والشراب، هذا إن لم ينحدر إلى ما هو أدهى وأمر وتكون النتيجة على الغالب الأعم غياب مظاهر تربية مدرسة الصيام. نعم تتحرك النفوس وتنشط في أنواع العبادة، لكن سرعان ما تخبو وتتلاشى. واقع يشير إلى أن المسلمين خسروا المعركة مع نفوسهم فكان ما كان من حال الانبطاح والتبعية والانقياد، كيف لأمة لم تنتصر على نوازع قريبة منها أن تنتصر على أعداء يخططون ويبرمجون ويعدون المال والعتاد وجيوشا منها ما يرى ومنها ما لا يرى. وفي حديث القصعة المشهور وفي نهايته على التحديد بيان من النبي صلى الله عليه وسلم لداء الأمة ومكانه مفصلا: إنه الوهن في القلوب المتعلقة بالدنيا…

المبضع النبوي يشير إلى مكمن الداء، إنه حب الدنيا وكراهية الموت، داء نفسي داخلي تظهر أعراضه في الهزيمة أمام العدو الخارجي، واللبيب من عرف أصل الداء فعالج أصوله لا أعراضه. وما الصيام ورمضان إلا فرصة للعودة والمرابطة على ثغور النفس، وتصحيح الحال وإعادة النظر في خطة مداواة النفس وإصلاح المجتمع المسلم على المنهاج النبوي.


[1] المنهاج النبوي، ص: 305.\