قال تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ وَالاَصَالِ* رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَامِ الصّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزّكَـاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ* لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مّن فَضْلِهِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ 1 .

جاء هذا النور القرآني من سورة النور- وكل آي القرآن نور- ليذكر أوصاف وأحوال أقوام جمع الله لهم سعيا مشكورا جامعا لخيري الدنيا والآخرة في تناغم بديع لم يطغ فيه تبتل في محراب العبادة على سعي في كسب معاش ونشر خير ودعوة إليه.. كما لم يطغ أيضا هذا السعي على الالتماس المستمر لأنوار الطهارة القلبية والسلوكية والخلقية من مصدرها: بيئة التزكية التربوية الصافية المصفية. مصداقا للأثر المروي عن سيدنا معاذ ابن جبل رضي الله عنه عندما أجاب السائل الحائر كيف يجمع بين سعيي الدنيا والآخرة قائلا له: أنت لابد لك من نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج. فابدأ بنصيبك من الآخرة فخذه فإنه سيمر على نصيبك من الدنيا فينظمه لك انتظاما). في ضوء هذه المعاني نقف عند استنباطات من هذه الآيات الكريمات.

1- جاءت هذه الآية الكريمة بعد التي قبلها نور على نور ليبين الحق سبحانه مصدر وبيئة هذا النور المكنون في المساجد وفي كل بيت أذن الله أن يرفع.

2- في بيوت هي المساجد وكل البيوت التي تحقق المقاصد العظيمة في إفراد الله تعالى بالذكر والتسبيح وصناعة هؤلاء الرجال الذين ذكرت أوصافهم في الآية.

3- في الأصل إن المساجد هي التي تؤدي هذه المهمة النبيلة في صناعة المؤمنين والمؤمنات على عين الله بإذنه تعالى. لكن إذا تعطل دور هذه المساجد أو بعضها بفعل فاعل شر هل تتعطل مهمة صناعة قامات الخير والهمم والإرادات في الأمة؟ لا أبدا. أرض الله واسعة. والأمة وخصوصا علماؤها ودعاتها واجب عليهم توفير هذه المحاضن المباركة لتربية أجيال مباركة تتحقق فيها صفات هذه الآية العظيمة.

4- إن الإنفاق على رفع هذه الدور والمحاضن المباركة لا يقل أجرا وثوابا عن بناء المساجد. وقد يكون واجب عين إذا دعت الضرورة إليه.

5- هذا إذن من الله عز وجل لترفع المساجد وكل المحاضن التي تحقق هذه المقاصد السامية التي ذكرتها الآية. فللأمة ولطليعتها العلمائية والتربوية والدعوية هذا الإذن. لا تحجير لأي كان على هذا الأمر.

6- الذكر المقصود هو كل الذكر الواجب المأذون من رسول الله صلى الله عليه وسلم. من صلاة وقراءة للقرآن وذكر وقيام وتعلم علم وتعليمه.

7- الغدو والآصال إشارة لاستغراق الزمن صباحا ومساء أحدهما أو كلاهما في هذه الأعمال المباركة بشكل متوازن مع زمن (التجارة والبيع) الذي يشمل كل أنواع السعي الحلال في طلب الرزق ولا يقتصر فقط على التجارة والبيع والشراء.

8- النص على وظيفة إيتاء الزكاة نص على البعد الاجتماعي الأهلي في عبادة المؤمنين والمؤمنات. لابد لهم من حضور في المجتمع يحضون فيه على طعام ومعاش المساكين المستضعفين ويقدمون الماعون للأمة.

9- إقام الصلاة هو أداؤها بإخلاص على وقتها وفي جماعة وبخشوع، وتحقيق الحكمة الخلقية العملية منها وهي نهي لصاحبها عن الفحشاء والمنكر وعن الرياء ودفعه إلى نفع الغير. فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون. الذين هم يراؤون و يمنعون الماعون.

10- دافع المؤمنين والمؤمنات لهذه الخيرات أنهم يخافون يوم القيامة يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار. يخشون الله. ولا يخشون أحدا إلا الله. قد تنورت قلوبهم بنور الله وتخللت أفئدتهم محبة الله البر الرحيم ومحبة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. وصحبة ومحبة الصالحين ومحبة الخير للعالمين. هذه الخشية لله تعالى تلازمهم في السر والعلن، وفي الفقر والغنى، وفي العبادة وفي السعي في الأرض.. فيتحلون بالورع ويحفظون الأمانات.. لا يمكرون ولا يخادعون.

11- أذن الله أن ترفع.. إذا قصد المعنى -والله أعلى وأعلم- أن هذه البيوت يرفع شأنها عند الله تعالى بتحقيق هذه الغايات النبيلة الشريفة، فإن هذا المعنى قد يشمل بيوتنا أيضا إذا كانت بيئة للسكينة والذكر وقراءة القرآن والدعوة والطمأنينة والمحبة والتناصح في الله بين أفراد الأسرة والعائلة العريضة.

12- بشارة من الله تعالى لكل من جاء بهذه الصفات الطيبات المباركات بالجزاء الحسن في الآخرة وبمزيد فضل في الدنيا وفي الآخرة بغير حساب.

اللهم حقق فينا هذه الخصال.. وكل خصال الخير.. وأنت أرحم الراحمين.

والحمد لله رب العالمين


[1] النور 36_38\