اختص الله شهر رمضان بفضيلة ولادة الوحي ونزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، فكان القرآن تعريفا ومبينا لرمضان في كلام ربنا فقال شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ 1 ، ومن تم ندبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العكوف على القرآن قراءةً وقيامًا وتدبرًا، حتى حفظت لنا كتب المعاجم أمثلة قد يستشكلها العقل لولا النقل الصحيح، فكيف السبيل إلى تذوق القرآن وقد صفدت شياطين الإلهاء وشواغل الإغراء.

جاء في معنى التدبر:

من “دبر”: الدال والباء والراء. أصل هذا الباب أنَّ جُلّه في قياسٍ واحد، وهو آخِر الشَّيء وَخَلْفُهُ خِلَافُ قُبُلِهِ 2 .

والتدبر تفعّل، فهو بذل للجهد وإعمال للعقل وإمعان في النظر، وإلقاء سمع وشهادة وشهود من أجل التنقيب على علل ومقاصد الكلام بهدف التأثر والتنفيذ، لذلك عرّفه الجرجاني بقوله النظر في عواقب الأمور، وهو قريب من التفكر، إلا أن التفكرَ تصرفُ القلب بالنظر في الدليل، والتدبر تصرفه بالنظر في العواقب) 3 .

أما فائدة التدبر بما له علاقة وثيقة بالقرآن الكريم، فهو أن تدرك معانى الآيات المتلوة كما تعي ما تسمع من كلام الأناس، وهذا أول العتبة، ودونه النظر وراء ما في السطور من لطائف ومعارف يفتحها الله على قلب من يشاء من عباده وأوليائه.

وهو غاية التشريع، والمقصود الأعظم من تنزل القرآن العظيم، والطريق الأوحد لفهم قيم القرآن ومراد الله، وبه تُنال الخيرية والأفضلية، ويكون به الاقتداء الأمثل بسيد الخلق وحبيب الحق عليه السلام، لذلك جاء الأمر الإلهي في أربعة مواضيع في كتاب الله:

كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ 4 .

أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ 5 .

أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا 6 .

أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا 7 .

غالبا، لا يكون التدبر المستمر في كتاب الله إلا للحال المرتحل دون الزائر الغب، الذي يتلوه آناء اليل وأطراف النهار صومًا دومًا لا حومًا عومًا، وزيادة عن ذلك، يَلزَم الحافظ المتعهد والقارئ المسترسل تقنيات لا غنى عن اكتسابها والسعي لتحقيقها:

1. الأساس التربوي والحظ من الله استقامة ودعاءً، فالفهم عن الله نور، ونور الله لا يهدى لعاصي.

2. حظ من اللغة العربية وأساليبها: فالقرآن أنزل بلسان عربي مبين، ولا سبيل لرفع العجمة اللسانية قبل العجمة القلبية إلا بالإلمام بأساليب العرب في كلامها، عن الإمام مالك لا أُوتَى برجل يفسِّر كتابَ الله غيرَ عالِم بلغة العرب، إلا جعلتُه نكالاً) 8 .

3. حد أدنى من علوم القرآن حتى يصون المتدبر لسانه وفهمه وقلبه من إساءة الأدب مع كلام الله عز وجل.

4. استشعار عِظم كلام الله، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال “ومن سره أن يعلم ما منزلته عند الله فلينظر ما منزلة الله عنده، فإنه ينزل العبد حيث ينزله من نفسه” 9 .

5. استشعار نفسك المخاطَب، فالتالي للقرآن هو المقصود الأول بخطاب الله ووعده ووعيده، أما قصصه وأمثاله، فلا يُراد به السمر ولكن العبر، فإن سمع أمراً أو نهياً قدّر أنه المنهي والمأمور، وإن سمع وعداً أو وعيداً فكمثل ذلك..) 10 ، فعن الحسن البصري قال وإن من كان قبلكم رأوه رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار) 11 .

6. المداومة على قراءة القرآن بترسل وترتيل وعلى مكث، حيث بَوّب البيهقي رحمه الله فصلا عَنونه فصل في إدمان تلاوة القرآن) وذكر فيه حديث عبد الله بن مسعود قال: “اقرءوا القرآن، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة” 12 ، فمع الإدمان التأني في التلاوة، مما له أثر كبير في حصول التدبر، فلا تدبر لمن يستعجل الختم، ويستهويه الكمُّ، ولا يبالي بالكيف.

7. ترديد الآية وتكرارها، وهي سمة التعهد عند الحفاظ، فلا شك أن له أثرا عظيما في حضور القلب واستحضار الآيات والتأثر بها وتقرير معانيها مرة بعد مرة.

8. التفاعل مع الآيات بالسؤال والتعوذ والاستغفار ونحوه عند مناسبة ذلك، وذلك في القراءة والنوافل دون الفرائض، مما يستجلي التفاعل الحي والحضور القلبي.

أسوتنا هو رسول الله عليه الصلاة والسلام، خير المتدبرين العاملين بالقرآن، بل هو القرآن الذي يمشي بين الناس، ولكل سائلٍ عن قراءته وتعهده صلى الله عليه وسلم، أورد حديث أَوْسِ بْنِ حُذَيْفَةَ، قَالَ: “قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ، فَنَزَّلُوا الْأَحْلَافَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَأَنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي مَالِكٍ فِي قُبَّةٍ لَهُ، فَكَانَ يَأْتِينَا كُلَّ لَيْلَةٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ فَيُحَدِّثُنَا قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ، حَتَّى يُرَاوِحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَأَكْثَرُ مَا يُحَدِّثُنَا مَا لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَقُولُ: «وَلَا سَوَاءَ، كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَذَلِّينَ، فَلَمَّا خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَتْ سِجَالُ الْحَرْبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، نُدَالُ عَلَيْهِمْ وَيُدَالُونَ عَلَيْنَا»، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ أَبْطَأَ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يَأْتِينَا فِيهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أَبْطَأْتَ عَلَيْنَا اللَّيْلَةَ قَالَ: «إِنَّهُ طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبِي مِنَ الْقُرْآنِ فَكَرِهْتُ أَنْ أَخْرُجَ حَتَّى أُتِمَّهُ»، قَالَ أَوْسٌ: فَسَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ؟ قَالُوا: ثَلَاثٌ وَخَمْسٌ وَسَبْعٌ وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ” 13 .

فيكون بذلك مفتتحا في كل يوم من السبع بالفاتحة، ثم “المائدة” ف”يونس”، ثم “الإسراء” ثم “الشعراء” ثم “الصافات” وفي اليوم الأخير بسورة “ق”.

أما قراءته بأبي وأمي صلى الله عليه و سلم، فلا حَرمنا الله سَماعها في الآخرة إن كنا حُرمناها في الدنيا، حيث وصفها البَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فقَالَ: “سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ: “وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فِي العِشَاءِ، وَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ أَوْ قِرَاءَةً 14 ، ومثله جبير بن مطعم: قال: “سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية”أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون، أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون، أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون” كاد قلبي أن يطير” 15 .

وأجملها في ست خصال:

1. كانت قراءته مدا 16 .

2. كان يقطع القراءة يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً) 17 .

3. كانت قراءته مفسرة حرفا حرفا وكلمة كلمة) 18 .

4. كان يتفاعل مع القرآن.

5. كان يرفع صوته طورا ويخفضه 19 ، جلبا للسامع وكراهة للسآمة.

6. كان يردد الآية 20 .

فالله أسأل أن يجعلنا مدارس قرآنية متنقلة في الزمان والمكان والأجيال، والحمد لله رب العالمين.


[1] سورة البقرة الآية 185.\
[2] معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس، مادة دبر.\
[3] كتاب التعريفات، الشريف الجرجاني، باب التاء.\
[4] سورة ص الآية 29.\
[5] سورة المؤمنون – الآية 68.\
[6] سورة النساء – الآية 82.\
[7] سورة محمد – الآية 24.\
[8] البرهان في علوم القرآن، الزركشي، ج1 ص 292.\
[9] شعب الإيمان، البيهقي، باب التعاون على البر والتقوى.\
[10] إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، ج1 ص 285.\
[11] إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، ج1 ص 275.\
[12] شعب الإيمان، البيهقي، فصل في إدمان تلاوة القرآن.\
[13] سنن ابن ماجة، بَابٌ فِي كَمْ يُسْتَحَبُّ يُخْتَمُ الْقُرْآنُ.\
[14] صحيح البخاري، بَابُ الجَهْرِ فِي المَغْرِبِ.\
[15] صحيح البخاري، بابُ قَوْلِهِ: “وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ”.\
[16] صحيح البخاري، بَابُ مَدِّ القِرَاءَةِ.\
[17] سنن أبي داود كِتَاب الْحُرُوفِ وَالْقِرَاءَاتِ.\
[18] سنن الترمذي باب ما جاء كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم.\
[19] سنن أبي داود بَابٌ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ.\
[20] سنن ابن ماجة بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ.\