بمناسبة الذكرى الخامسة لوفاة المرحوم كمال عماري الذي وافته المنية يوم 02/06/2011، على إثر العنف الذي تعرض له خلال منع تظاهرة احتجاجية لحركة 20 فبراير بأسفي يوم 29/05/2011، وبعد إصدار قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بأسفي، بتاريخ 24/03/2016 قرار بعدم المتابعة لعدم معرفة الفاعل وصدور قرار عن الغرفة الجنحية بالمحكمة نفسها بتاريخ 08/06/2016 بالإبقاء على هذا القرار، ورغبة منا في إطلاع المشهد الإعلامي والحقوقي وفعاليات المجتمع المدني وطنيا ودوليا ببعض تفاصيل الملف ووثائقه التي أصبح نشرها ممكنا بانتهاء التحقيق، نعرض عليكم خلاصات التقرير الصادر عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول وفاة كمال عماري، إذ بمجرد علمه بخبر وفاة المرحوم، قام على الفور بتعيين لجنة منتدبة عنه، مساء يوم الجمعة 03 يونيو 2011 مكونة من ثلاثة أعضاء، عهد إليها التحري واستقصاء الحقيقة حول الوفاة ومدى ارتباطها بالأحداث التي عرفتها المدينة يوم 29 مايو 2011 على إثر تفريق مسيرة لنشطاء حركة 20 فبراير بالقوة من طرف الأجهزة الأمنية.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا التقرير المنجز في الموضوع، يقع في واحد وأربعين صفحة بالإضافة إلى عشرات الوثائق والمستندات المرفقة والمعززة لخلاصاته وتوصياته في الموضوع، حيث ثم الاستماع فيه إلى أزيد من خمسين شخصا ليستغرق هذا العمل حوالي اثنين وثلاثين ساعة، من الجمعة 03 يونيو إلى الثلاثاء 07 يونيو 2011.

أولا: حيثيات ودواعي تشكيل اللجنة وطبيعة مهمتها

بعث المجلس الوطني لحقوق الإنسان بلجنة تتشكل من السادة: عبد الرزاق الحنوشي، بوشعيب ذو الكيفل ومصطفى الناوي، وحددت مهمتها في الانتقال إلى مدينة أسفي من أجل جمع كافة المعطيات والوثائق المفيدة والضرورية بشأن تداعيات التظاهرة الاحتجاجية التي عرفتها مدينة أسفي وواقعة الوفاة وظروفها وسياقها، ومقابلة مختلف المسؤولين والفاعلين والشهود والفعاليات السياسية والنقابية والجمعوية، وإجراء المعاينات اللازمة وإنجاز تقرير يتضمن عرضا للأعمال المنجزة في إطار التحري والنتائج المتوصل إليها مع خلاصات وتوصيات حول الموضوع.

وقد استند المجلس الوطني لحقوق الإنسان لإنجاز مهمته، إلى مقتضيات الفقرة الثالثة من ديباجة دستور 07 أكتوبر 1996 وكذا لفصوله 3، 4، 5، 8، 9، 10، وأيضا إلى الظهير رقم 1.11.19 الصادر يوم فاتح مارس 2011، بإحداث المجلس الوطني لحقوق الإنسان خاصة ديباجته، ولمواده 1، 3، 4، 5، 6، 9، وكذلك اعتبارا للمنظومة الكونية لحقوق الإنسان، خاصة ما تقتضيه من ضمان للحقوق والحريات ومن حماية لها، ومن صون لكرامة المواطنين وسلامتهم وأمنهم وأمانهم، ومن سيادة للقانون مع مساواة الجميع أمام نصوصه، ومن تحريم وتجريم للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو غير الإنسانية أو الماسة بالكرامة.

وأخيرا إلى ما توفر لديه من مصادر مختلفة، من معلومات مؤكدة ومتطابقة وموثوق منها حول ما عرفته مدينة أسفي يوم الأحد 29 ماي 2011، في سياق المظاهرات التي دأبت على تنظيمها حركة 20 فبراير، من أحداث ووقائع قد تكتسي طابع انتهاكات لحقوق الإنسان، ولما تردد من ربط لوفاة المرحوم كمال عماري بتفاعلات هذه الأحداث والوقائع.

ثانيا: حصيلة اللقاءات التي أجرتها اللجنة

1. زيارة أسرة المرحوم والاستماع إلى إفاداتها

قامت اللجنة بزيارة بيت أسرة المرحوم كمال عماري، يوم السبت 04 يونيو 2011 على الساعة العاشرة وأربعين دقيقة، حيث استمعت إلى إفادات والديه وإخوانه والذين أفادوا أنه غادر البيت بعد زوال يوم الأحد 29 ماي 2011، وبلغهم فيما بعد أنه كان يهم بالمشاركة في المسيرة المقررة من لدن حركة 20 فبراير، لكنه تعرض للضرب من لدن عناصر من قوات الأمن وعاد إلى البيت في حدود الساعة العاشرة مساء مرفوقا ببعض أصدقائه وهو مصاب في الفم والظهر والعينين والرجل…

ويوم الاثنين زار المرحوم، حسب أقوال الأسرة، عيادة الطبيب الدكتور محمد البحبوحي، الاختصاصي في جراحة العظام، بشأن إصابة في ركبته ففحصه ووضع له جبيرة بسبب التواء الأربطة المفصلية، وأكدت الأسرة أنه لم يكن يشكو، قبل إصابته، من أي مرض، وأنه زار بعد إصابته عيادة الدكتور بن عزوز فوصف له بعض الأدوية.

لكن مع مرور الوقت بدأ يعاني من صعوبة في النوم، فبقي ملازما للبيت، لكن يوم الأربعاء فاتح يونيو بدأ يحس ببعض التعب فتم نقله إلى مستعجلات مستشفى محمد الخامس بأسفي صباح يوم الخميس 02 ماي 2011 في الساعة الثامنة والنصف صباحا، حيث كان في شبه غيبوبة وكان يعاني من صعوبات في التنفس، لكن لم يتم الاهتمام بحالته بما تقتضيه من استعجال وعناية، إذ لم يفحصه طبيب المستعجلات إلا في حدود الساعة العاشرة والنصف، وبعد إجراء بعض الفحوصات بالصدى والسكانير أحيل على مصلحة الإنعاش حيث ظل بها حتى وافته المنية في الساعة الثانية بعد الزوال من يوم الخميس 02 يونيو 2011.

بعد الوفاة مباشرة قررت الأسرة وضع شكاية لدى الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بآسفي، مما جعل هذا الأخير يقوم بإجراء معاينة بحضور أفراد من أسرة المرحوم.

وكانت الأسرة إلى حدود ليلة نفس اليوم ترفض تسلم الجثمان ودفن المرحوم، ولم تقبل بدفنه إلا في يوم السبت 04 يونيو 2011.

2. حصيلة لقاءات اللجنة على مستوى قطاع الصحة

في الساعة الحادية عشرة من يوم السبت 04 يونيو 2011 قامت اللجنة بزيارة مستودع حفظ الأموات، لمعاينة جثمان المرحوم، حيث كانت تبدو عليه أثار عملية التشريح.

وقد عاينت اللجنة بحضور مسؤول مستودع الأموات وأفراد من أسرة المرحوم، وجود أثار ضربة في مؤخرة الرأس وأثار كدمات على الصدر وأسفل الظهر ورضوض وكدمات وخدوش في أنحاء مختلفة من الجسم وازرقاق في الجفون.

كما أثار انتباه اللجنة أن وثيقة الإذن بالدفن تتضمن على غير المعتاد، تشطيبا على خانتي سبب الوفاة طبيعية وغير طبيعية.

وارتباطا بالموضوع قامت اللجنة بعد ذلك، بعقد جلسة استماع إلى المندوب الإقليمي لوزارة الصحة الدكتور عبد العزيز ريحاني ومدير مستشفى محمد الخامس الدكتور مصطفى بوطرادة والحارسة العامة السيدة لمياء ريحان وطبيب المستعجلات الدكتور مسعود بوعيدة، ورئيس مصلحة الإنعاش الدكتور فهد بناني، حيث صرحوا جميعا بأن المرحوم ولج إلى المستشفى يوم الخميس 02 يونيو 2011، حيث سجل تحت عدد 3315/11 حسب ما هو مدون في سجل الدخول وفي بطاقة الولوج ذات اللون الأخضر التي تحمل اسمه ومعطيات عنه وتتضمن تشخيصا أوليا للحالة.

وفي تصريح لطبيب المستعجلات قال بأن المرحوم ولج قسم المستعجلات على الساعة التاسعة والنصف صباحا مرفوقا بصديق له، وأنه كان يضع الجبس على رجله اليمنى، وكان يعاني من مشكل حاد في التنفس مع ارتفاع في درجة الحرارة.

ومساء يوم الاثنين 06 يونيو 2011 قامت اللجنة بزيارة الطبيب الدكتور محمد البحبوحي الاختصاصي في جراحة العظام والمفاصل في عيادته الخاصة.

حيث أفاد أن المرحوم زاره مترجلا في العيادة يوم الثلاثاء 31 مايو صباحا، حيث كان يضع ضمادة حول رأسه ويشكو من رضوض على مستوى ركبته اليمنى التي كان بها تكبد للدم ناتج عن إصابة روابطه، وأنه قام باستخراجه وإزالته، ثم وضع له جبيرة ووصف له ثلاثة أدوية.

3. حصيلة لقاءات اللجنة مع مسؤولي السلطة القضائية

بتاريخ 04 يونيو 2011 على الساعة الواحدة وعشر دقائق حلت اللجنة بمكتب السيد الوكيل العام للملك، حيث أفاد أنه أمر بعد إشعاره هاتفيا بوفاة المرحوم، بإجراء معاينة لجثته بواسطة نائبين للوكيل العام وللضابطة القضائية بحضور الأسرة، ثم تلقى إثر ذلك تقريرا مكتوبا مفاده أن المرحوم ولج المستشفى مرفوقا ببعض الأشخاص، وأنه كان يعاني من صعوبات في التنفس وأعراض حمى، وأجريت له فحوص أولية وصور إشعاعية ثم نقل إلى الإنعاش، حيث فارق الحياة في الساعة الثانية بعد الزوال، وأنه بعد ذلك أمر بإجراء تشريح أنجزته لجنة طبية مختصة في الطب الشرعي.

إلا أن الأسرة فوجئت بإذاعة خبر عن سبب الوفاة في بعض وسائل الإعلام، قبل إنهاء اللجنة لمهمتها، يعزو وفاة الهالك إلى سكتة قلبية.

ومع نفس الجهاز القضائي توجهت اللجنة يوم الإثنين 06 يونيو 2011 إلى المحكمة الابتدائية بآسفي لمقابلة وكيل الملك بمكتبه على الساعة العاشرة والنصف صباحا، حيث أفاد بخصوص تفريق التظاهرة التي كانت قيد التشكل والتجمع قرب صيدلية النصيحة، بحي دار بوعودة، أن ذلك ثم من لدن قوات الأمن في إطار القانون وطبقا لمقتضيات المادة 19 من قانون التجمعات العمومية، وكان المتجمهرون يتفرقون بين الدروب والأزقة ثم يعودون، إلى أن تمت التفرقة النهائية في حدود الساعة الثامنة مساء.

4. حصيلة لقاءات اللجنة مع مسؤولي الإدارة الترابية

توجهت اللجنة يوم السبت 03 يونيو على الساعة الرابعة بعد الزوال، لمقابلة السيد والي الجهة، الذي اعتبر أن حدث يوم 29 مايو مرتبط بسياق عام له صلة بحراك عام تعرفه البلاد منذ 20 فبراير 2011، مضيفا أن الإقليم شهد في هذا الإطار 26 وقفة و15 مسيرة في مختلف ساحات الإقليم وخارجه، وأنه جرى منذ مطلع السنة تنظيم 180 تظاهرة تدخل في إطار المطالب الاجتماعية، 60 منها تتعلق بالشغل لا سيما من لدن حاملي الشهادات.

واعتبر أن ما ترتب عن أحداث يوم 29 مايو ووفاة الهالك استغل في مزايدات وفي حرب إعلامية مبنية على الكذب والافتراء.

وفي نفس السياق قابلت اللجنة باشا مدينة أسفي الذي وقع قرارات منع المسيرات التي تم إبلاغها إلى العديد من نشطاء حركة 20 فبراير، حيث صرح بأنه قام بتبليغ 30 قرارا بقضي بمنع مسيرة 29 مايو 2011، إلى منظميها ومؤطريها، وأنه لا علم له بعملية مشاركة بعض أعوان السلطة في عملية تعنيف المتظاهرين.

وارتباطا بنفس الجهاز قابلت اللجنة السيد مدير الأمن الإقليمي، بحضور السيد والي الجهة يوم الاثنين 06 يونيو على الساعة الثانية عشرة زوالا، أفاد أنه منذ 20 فبراير 2011 تم تدبير 26 مسيرة بما فيها تلك التي تنطلق من أحياء شعبية، لكن عندما بدأ سقف الشعارات يرتفع ويتجاوز ما تم إعلانه في بداية الحركة الاحتجاجية، وبعد تعدد شكايات التجار والحرفيين والمواطنين، وبعد التشاور بشأن تدبير الأمن العام تقرر منع مسيرات 29 مايو.

حيث بلغ القرار إلى جميع الأطراف بما فيها أعضاء من جماعة العدل والإحسان، مشيرا إلى أن تقنية التدخل كانت مرتبة من قبل، واعتمدت أسلوب إبراز القوة واستعراضها بما يحقق الردع، واحتلال الأمكنة من لدن قوى الأمن والقوات المساعدة وأعوان السلطة وشمل المنع النقط الثلاث لانطلاق المسيرة.

5. حصيلة استماع اللجنة إلى مجموعة من الشباب صرحوا بتعرضهم للعنف والتعذيب

استمعت اللجنة يوم الأحد 05 يونيو 2011 إلى عينة من الشباب الذين صرحوا بتعرضهم للعنف والتعذيب، خلال تظاهرات يوم الأحد 29 مايو، وقد دام الاستماع من الساعة الخامسة إلى الساعة التاسعة مساء.

حيث صرحوا بأنهم نشطاء في حركة 20 فبراير وبأنه قبل انطلاق مسيرة 29 مايو ثم وضعهم في سيارات تابعة للشرطة قبل نقلهم إلى سيارة أخرى “صطافيت” ونقلهم إلى خارج المدار الحضري مع إخضاعهم لإهانات وحصص من السب والشتم والضرب في أنحاء مختلفة من أجسامهم، وقد عاينت اللجنة أثارا للضرب والعنف: كدمات، ازرقاق، كسر، كسر أسنان، جرح غائر في الرأس تم رتقه بسبع غرزات، معززة بصور فوتوغرافية، مع التجريد من الهواتف النقالة التي تم تكسيرها ومن بعض الوثائق الشخصية، وقد صرح المعنيون أن أكواما من الحجارة التي تتواجد عادة قرب السكك الحديدية، كانت مجمعة في علب كرتونية بالسيارة المذكورة وثم أخذ صور لبعضهم بجانبها، وقد التحق بعض المعنيين بمدينة أسفي في ساعات متأخرة، بعد تركهم في الخلاء بعيدا عن المدار الحضري.

ومنهم من التحق بالمستعجلات لتلقي العلاج، غير أن مصالح المستشفى امتنعت امتناعا منهجيا عن تسليمهم شواهد طبية رغم إلحاحهم على ذلك، وينبغي التنبيه في هذا الصدد إلى وجود بعض الأسماء في سجل الدخول الخاص بالمستعجلات، وأفادوا أيضا أن رئيس مصلحة الشرطة القضائية كان يشرف شخصيا على هذه العمليات.

ومن بين هؤلاء الشباب المستمع إليهم، الشاب أمين أمواجي والشقيقان الحسين وعبد الحق بن الخيلية، وعثمان حنزار، والشاب عمر السعيدي، والشباب عبد الجليل العطرش، عبد الجليل أكاضيل، حفيظ زرزان، عبد الإله سليمة، عمر باهي، ورشيد بنوح.

وفي صباح يوم الاثنين 06 يونيو استمعت اللجنة إلى الأستاذ المحامي محمد كبناني بمكتبه وهو عضو مجلس الدعم المحلي لحركة 20 فبراير، حيث أفاد أنه بادر إلى إسعاف أحد المواطنين الذي تعرض للضرب فقوبلت مبادرته هاته بمطاردة عناصر الأمن له بالضرب والتعنيف وأنه خرج للشارع هربا منهم لكنهم لاحقوه فسقط وأشبعوه ضربا فاستجمع قواه وابتعد عن المنطقة، ثم قصد قسم المستعجلات بغية تلقي إسعافات، لكنهم رفضوا مده بشهادة طبية، ليتوجه بعدها عند طبيب في القطاع الخاص منحه شهادة طبية حددت فيها مدة العجز في 25 يوما، ليقدم بعد ذلك بشكاية في الموضوع لدى الوكيل العام للملك لفائدته ولفائدة ثلاثة شبان آخرين في مواجهة رئيس مصلحة الشرطة القضائية وضد مدير الأمن الإقليمي.

6. حصيلة استماع اللجنة لشهود صرحوا أنهم عاينوا واقعة الاعتداء على المرحوم

استمعت اللجنة للآنسة آسية الصابري الناشطة في حركة 20 فبراير، التي صرحت أنها كانت ضمن المشاركين في المسيرة المذكورة، وأنها شاهدت قوات الأمن بزي خاص وبالواقيات، قرب مقهى بدار بوعودة، تقوم بتفريق المشاركين في المسيرة وتطاردهم مستعملة العصى، وهناك بالضبط شاهدت ضرب المرحوم كمال عماري بعد الساعة السادسة مساء تقريبا.

كما استمعت اللجنة للسيد عبد اللطيف أزريع الذي أفاد أن المرحوم كان يشارك في المسيرة لما طارده عناصر الأمن في دار بوعودة وضربوه فسقط أرضا، وواصلوا ضربه بطريقة عنيفة، وكان عددهم ما بين 5 و7 عناصر.

في حين صرح شخص ثالث للجنة كان مشاركا في المظاهرة والذي تحفظ على ذكر اسمه في التقرير، والذي تبدو شهادته أكثر انسجاما وتطابقا مع الوقائع التي وردت الإشارة إليها في عدد من الشهادات، حيث أكد أن قوات الأمن كانت حاضرة بكثافة في حي بوعودة على مقربة من السوق الممتاز وأنها تصدت بعنف للمتظاهرين القادمين من اتجاه حي كاوكي وحي السانية وعملت على تفريق المتظاهرين الذين فروا في كل اتجاه، وأنه شاهد المرحوم كمال عماري هاربا في الاتجاه الذي قدم منه المتظاهرون، وأن المرحوم دخل زقاقا صغيرا على اليمين يبعد عن المطعم الشعبي للأسماك بحوالي 20 مترا وفيه فجوة صغيرة فلحق به عدد من عناصر الأمن فانهالوا عليه بالضرب، مؤكدا أنه يعرف المرحوم جيدا بحكم الجوار والمخالطة.

7. حصيلة جلسات استماع اللجنة لمجموعة من الفعاليات الحزبية والنقابية والحقوقية والجمعوية والإعلامية بالمدينة

استمعت اللجنة خلال تواجدها بمدين أسفي “من 4 إلى 7 يونيو 2011” إلى نخبة من ممثلي الأحزاب السياسية والتنظيمات النقابية والجمعوية والحقوقية وبعض المراسلين الصحفيين وبعض الأساتذة المحامين والحوار معهم واستقاء رؤيتهم وتصورهم لما جرى، ومن أهم الآراء والأفكار التي عبروا عنها في هذا السياق:

إن أسباب التوتر والاحتقان بمدينة اسفي تمتد جذورها إلى عدة عوامل أهمها الشعور العام لدى الساكنة بالحرمان والتهميش والإقصاء.

إن تحولا طرأ على طريقة تعاطي السلطات بالمدينة مع الحركة الاحتجاجية، من الاكتفاء بالمراقبة والحفاظ على الأمن والنظام، إلى الاستعمال المفرط للقوة والتدخل بعنف لتفريق المتظاهرين وملاحقتهم وتعقبهم والإصرار على تعنيفهم والتنكيل بهم، والذي كانت إرهاصاته واضحة في بعض المحطات التي سبقت تظاهرة 29 مايو 2011، وظهرت بجلاء في هذه التظاهرة الأخيرة، مما يجعل جميع الفعاليات التي استمعت إليها اللجنة غير مقتنعة بالمبررات التي روجت لها السلطات لإضفاء المشروعية على لجوئها إلى هذه الدرجة من العنف.

أكدت إفادات مختلف الفعاليات التي التقتها اللجنة تعرض المرحوم كمال عماري للضرب والتعنيف على يد عناصر قوات الأمن “الصقور” وهو يرافق إحدى المسيرات المحدودة العدد بحي بوعودة يوم الأحد 29 ماي 2011 على الساعة الخامسة والربع مساء، كما أكدت حدوث اعتقالات استهدفت بشكل واضح مجموعة من نشطاء حركة 20 فبراير قبل حلول الموعد المحدد لانطلاق المسيرة.

وينبغي في ختام هذا المحور الإشارة إلى أن من الفاعلين الحزبيين والنقابيين والحقوقيين والإعلاميين الذين استمعت إليهم اللجنة في أوقات متفرقة، الأستاذ عبد اللطيف حجيب، محام عن المركز المغربي لحقوق الإنسان، محمد رشيد الشريعي عن المركز المغربي لحقوق الإنسان، الطبيب البوعيبي بصفته رئيس فرع المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف بأسفي، جمال الخلفي عن المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف فرع أسفي، محمد اليسير عن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، الأستاذ حسن محب محام، عن المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، بشرى التونزي فاعلة جمعوية، صبير لحسن بصفته فاعلا سياسيا، سمير كودار مستشار جماعي، محمد دهنون صحفي بجريدة الاتحاد الاشتراكي، المهدي الكراوي صحفي بجريدة المساء، عبد الرحيم كريطي مراسل صحفي لجريدة الأحداث المغربية، ورئيس جمعية الصحافة الجهوية، آسية الصابري، أمال غويركات، محمد الكناوي، نشطاء بحركة 20 فبراير، عبد الغني حيدان عن حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، محمد الكبناني، محام ومناضل بحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي وعضو مجلس الدعم المحلي لحركة 20 فبراير، الأستاذ إدريس اكشيرة، محام وناشط بحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، منير الشرقي ناشط بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إدريس المحبوبي، محمد غاندي، عثمان سحمود نشطاء بحزب الاشتراكي الموحد.

8. موقف السلطات العمومية من حادث وفاة المرحوم كمال عماري وأسبابه

شهد موقف السلطات العمومية من حادث وفاة المرحوم كمال عماري تحولا مضطردا وذلك من خلال القصاصات الإخبارية التي عممتها وكالة المغرب العربي للأنباء، واعتمدت فيها تارة على السلطات المحلية كمصدر، وتارة على السيد الوكيل العام للملك، وكذا على السيد وزير الاتصال، الناطق الرسمي باسم الحكومة، فمرة يعوزون سبب الوفاة إلى نوبة قلبية وتوقف في عملية التنفس، ومرة أخرى إلى كون الوفاة نتجت عن اعتلال رئوي واسع وفقد الدماغ للأكسجين وبسبب غياب العلاج المبكر والمناسب، مؤكدين على ضرورة تعميق البحث والتحري لتحديد ظروف وملابسات الوفاة.

ثالثا: أحداث مدينة أسفي في ضوء المعايير الكونية لحقوق الإنسان

انطلاقا من استقراء اللجنة لمختلف الإفادات والشهادات والمعاينات التي تمت، بمناسبة إنجازها لمهمتها وبرجوعها إلى المعايير الكونية لحقوق الإنسان ذات الصلة بالنوازل والأحداث والممارسات التي شهدتها مدينة أسفي سواء يوم الأحد 29 مايو 2011 أو ما سبقها وما أعقبها من تداعيات، بما في ذلك وفاة المرحوم كمال عماري يوم الخميس 2 يونيو 2011، فإن اللجنة توصلت إلى القناعة المشتركة بأن تلك الأحداث تثير أربع إشكاليات وقضايا هي التي اعتمدتها كمنطلقات لها في بلورة خلاصاتها وتوصياتها، وتتمثل أساسا في:

مسؤولية الدولة في ضمان حقوق مواطنيها، وأنها مسؤولة في الحيلولة دون وقوع حالات تعذيب أو معاملات قاسية ومهينة بحق مواطنيها، مع التنبيه إلى إشكالية مدى تقيد موظفي الدولة بمقتضيات مدونة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، وكذا إشكالية تدبير الدولة لمسألة الاحتجاج وكيف تنظر إليه باعتباره حق من الحقوق الكونية كما نصت عليه المادة 29 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

رابعا: خلاصات وتوصيات المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول وفاة المرحوم كمال عماري

أكدت جميع الأطراف التي استمعت اللجنة إلى إفادتها على أن العنف والقوة المستعملين لمواجهة تظاهرات 29 مايو 2011 شكلا نقطة تحول جوهرية في طريقة تعاطي السلطات الترابية والأمنية مع المحتجين، من شباب حركة 20 فبراير ومجلس الدعم المحلي، وأن الشهادات المتطابقة والمتكاملة والقرائن القوية قد رجحت القناعة لدى اللجنة بأن تعاطي السلطات الأمنية مع هذه التظاهرة قد شابته تجاوزات منها على الخصوص، اللجوء إلى العنف المفرط والاستعمال غير المتناسب للقوة منذ البداية وعدم التدرج في ردع المتظاهرين وتفريقهم، كما تؤكد ذلك الشهادات من جهة وأثار العنف البادية التي عاينتها اللجنة على أجساد العديد من المتظاهرين، بالإضافة إلى تسجيل اللجنة لحشد قوى عمومية متنوعة وكثيرة العدد وتعبئتها ونشرها في مختلف النقط المقررة لانطلاق التظاهرة وسيرها ووصولها، بكيفية غير متناسبة بتاتا مع محدودية أعداد المتظاهرين المحتشدين في تلك النقط، وعدم الاكتفاء بتفريق المتظاهرين واللجوء إلى الهجوم عليهم ومطاردتهم وتعنيفهم وهم في حالة هروب أو استسلام، وامتداد العنف إلى بعض المارة من ساكنة هذه الأحياء وبعض الباعة المتجولين وبعض التجار الذين لا علاقة لهم بهذه التظاهرة.

أيضا لجوء الأجهزة الأمنية إلى الاختطاف والاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة وسلب المتعلقات الشخصية وتدميرها في حق عينة منتقاة من شباب 20 فبراير يوم الأحد 29 مايو 2011 ابتداء من الساعة الخامسة إلى منتصف الليل، بالإضافة إلى نقل هذه العينة بواسطة سيارة لا تحمل أي علامة تدل على قوات الأمن إلى خارج المدار الحضاري لمدينة أسفي وتركهم في الخلاء تراوحت مسافتها بين 10 كلم و40 كلم وفق الشهادات المدلى بها من طرف الضحايا.

ومما يؤكد الاستعمال المفرط للقوة في عملية تفريق المتظاهرين يوم 29 ماي هو لجوء السلطات إلى الاستعانة بتعزيزات أمنية من خارج المدينة مما يشكل قناعة لدى اللجنة بترجيح ثبوت مسؤولية القوات العمومية في الحادث.

وبخصوص وفاة المرحوم كمال عماري فإنه انطلاقا من الإفادات التي توصلت بها اللجنة من خلال مختلف الشهود والوثائق التي توفرت لديها والمعطيات التي حصلت عليا من لدن ممثلي السلطات الترابية والأمنية والقضائية، فقد تكونت لها قناعة بوجود قرائن على تعرض المرحوم كمال عماري للعنف من جراء تدخل عناصر من الشرطة، يستعملون دراجات نارية، ويصل عددهم حسب شهود عيان بين أربعة وخمسة عناصر، وكذلك لوجود أثار لهذا العنف على جثة المرحوم عند معاينة اللجنة لها في مستودع الأموات، وهو ما يتقاطع مع ما ورد في محضر المعاينة الأول الذي أنجز من قبل الشرطة القضائية بحضور نائبي الوكيل العام وأفراد من أسرة المرحوم، هذا إلى جانب ورود معطيات في تقرير التشريح الطبي المنجز من قبل الطب الشرعي، والمقدمة بعض خلاصاته في بلاغ السيد الوكيل العام للملك، والتي تتقاطع مع ما ورد سابقا.

محمد النويني: عضو هيئة الدفاع في ملف كمال عماري