ارتفعت حرارة الجو حتى أصبحت لا تطاق، وهبت رياح الشمال قوية ومثيرة للزوابع، فألجأت الناس إلى البيوت ومنابع المياه الباردة، ولم يعد يسمع سوى نقرات على السقوف والأبواب، تتخللها أصوات طائرات بين الحين والحين، وصياح ديكة أو نباح كلاب.

أسفل تل كبير، غرب طريق غير معبدة، وجد نفسه وحيدا، بين جدران حجرة من البناء المفكك والسقف الحديدي، مهرأة الباب والنوافذ، مؤثثة برياش بسيط. الدراسة انتهت والأهالي في شغل. فتح نافذة لتتنفس الحجرة، لكن زوبعة قوية لفعت وجهه وتسللت إلى الداخل، فأحكم إغلاقها بسرعة ثم قصد آنية الماء ليشرب، فلفت انتباهه عقرب سوداء على الجدار، تمكن من قتلها بسرعة ثم تمدد على السرير. الحجرة أصبحت كالفرن، الوقت يدب بطيئا، والفراغ ينهشه، رأسه يكاد ينفجر، وأنفاسه تختنق. لم يستسغ طعاما، ولم تطاوعه هواية أو نوم. وجهه أصبح شاحبا كأشجار المرجان، وشفتاه أضناهما الظمأ. أحس بأنه في سجن بلا حراس. كيف الانعتاق منه؟ وأين يتقي الحر؟ نفسه تحدثه عن الفرار إلى الفضاء الواسع، فتردد طويلا ثم لف على وجهه ثوبا وانطلق نحو الوادي. الطريق طويلة وشديدة الانحدار، والحرارة تزداد ارتفاعا، والظمأ يكاد يقتله. لحن شجي على ناي خشبي لأحد الرعاة ينبعث من بعيد، وأغنام تستقيل تحت الظلال. بنات يغنين خلف الأشجار. سنجاب يقرض بأنيابه الخشب. ثعبان يزحف في حركة انسيابية، ويرسل فحيحا مخيفا. أرنب تقفز بسرعة ثم تختفي بين الأشواك.

على ربوة عالية، توقف قليلا، وسرح ببصره بعيدا. أسفل الربوة ترقد مقبرة تذكر بالحقيقة الخالدة. غير بعيد عنها يجري نهر سرمدي في حركات ملتوية، على حافتيه تمتد بساتين كثيرة الأشجار، وفيرة الظلال تغري الناظر وتدعوه للولوج. خلفها ينتصب جبل صامد يسد الأفق، تغطيه أشجار الهرجان التي فقدت نضارتها بفعل الحر.

انتهى به المطاف في بستان تحيط به سيقان القصب، وتتوسطه أشجار وفيرة الثمار. استقبله صاحب البستان بترحاب وأخذه إلى البساتين المجاورة، فانقشع ضباب الحزن عن وجهه ونسي الحزن للحظات. حول حفرة مائية تحلق أطفال تعبوا من السباحة وأخذوا يتراشقون بالمياه. نزع ثيابه بسرعة وارتمى كالضفدع. المياه الباردة تنعش النفس وتخفف من شدة الحر، وتضفي على الجسم حيوية ونشاطا. اتجه صوب بيت على حافة الجبل، يجتمع فيه الشباب لقضاء أوقات سعيدة. أخذ أحدهم ربابا، وعزف لحنا جميلا تحية للضيف العزيز، وهب الآخرون لتقديم رقصات عجيبة، بينما قام آخر بإعداد كأس شاي لذيذ. أكمل المسير نحو الجبل حيث ينتشر على جنباته قطيع من المعز، يحرسها كهل قد سرق منه الشيب معظم شعرات رأسه ولحيته، يحمل في يد عصا وفي الأخرى حصى يضبط بها رعيته. بادره قائلا: أهلا بك يا أستاذ، أتحسن رعي المعز؟ فأجابه قائلا: أنا راع مثلك، ليس للمعز، بل لأطفال في مثل سنهم وشقاوتهم. أعجبه منظر المعز وهي تتسلق الأشجار وحياة الراعي الخالية من الهموم.

هدأت الزوابع قليلا، فتوجه نحو المدشر بحثا عن شخص عزيز على قلبه، صورته لا تفارقه، بكسوة سوداء متدلية إلى الركبتين وسروال وردي ورباط على الرأس، ووجه يزهر في بداية الأسبوع ويذبل في آخره. أنه يرى فيها رفيقة الدرب وأم الولد.

تمدد خلف أكوام السنابل، يرقب أبا عزيزة، وهو يقود دوابا في حركة دائرية سريعة، يمسك بإحدى يديه اللجام الذي يربطها معا وبالآخر سوطا طويلا، يلهب ظهورهم ويحثهم على الإسراع في العمل، وبحوافرهم تندرس حزم السنابل، فينفصل الحب عن التبن، ثم يأخذ المذراة ويغرسها في الزرع ثم يرفعها فتتطاير أعواد التبن وتقع بعيدا عن الحب.

قطعان المعز والغنم تعود في المساء منهكة الأطراف، بعد يوم رعي شديد الحر، تتقدمها كلاب، لمحته من بعيد، فأسرعت نحوه، وأحاطته من كل الجهات. لم ينفعه حجر أو صراخ، فأطلق ساقيه للريح، ثم دخل حجرته وهو في غاية الإرهاق والتعب، والقلب ينبض بشدة، ثم استسلم لنومة عكرها عليه خشخشة فأر ولسع بعوض.

قبل طلوع الشمس، ارتفعت الحرارة من جديد، وهبت الرياح قوية كالأمس، منذرة بيوم آخر من العذاب، فحمل حقيبته وتوجه نحو المدينة… وفي نهاية العام، فوجئ بقبول طلبه في الانتقال، قبل أن تبلغ عزيزة سن الرشد.