امتن الله عز وجل على الأمة الإسلامية بشهر رمضان شهر التقوى والارتقاء، فخصه بخيرين عظيمين، الصيام والقرآن، فهما متلازمان لا يفترقان، اقترنا ابتداءً في آية التنزيل، قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ 1 ، وفي الانتساب، حيث نسبهما الله إليه تشريفا وتكريما، فعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِه” 2 .

وجاء في حديث عن أنس رضي الله عنه قال:” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن لله أهلين من الناس”، قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: “هم أهل القرآن، أهل الله وخاصته”” 3 ، وكما هو معلوم فالتَّخْصِيص فِي مَوْضِع التَّعْمِيم لَا يُفْهَم مِنْهُ إِلَّا التَّعْظِيم وَالتَّشْرِيف.

كما اقترنا في كونهما شفاء ووقاء وسببا للارتقاء، ونستشف ذلك من هذا الحديث العظيم، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ‏:‏ “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجود الناس” 4 ، أي ابتداء، فله عليه السلام الأفضلية والسبق والكمال في سائر الخصال، ثم يزداد رفعة وبهاءً عليه الصلاة والسلام “وَكان أجود مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ”، فيبلغ غاية الكمال “وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجود بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ”. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: فيه – أي رمضان – أن مدارسة القرآن تجدد العهد بمزيد غنى النفس) 5 .

ثم إن كليهما مُطَهر، ومعراج سلوك ومطية لأصحاب الهمم العالية الراغبة في الوصول لمقامات الإحسان، يرفعان العبد إلى درجة التشبه بعالم الملإ الأعلى، فالملائكة عباد الله المكرمون خلقهم من نور لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون يسبحون الليل والنهار لا يفترون عن ذكر الله وتنزيهه. كما اتفقا في الشفاعة يوم القيامة، فالقرآن يشفع لمن قرأه وعمل به كما قال صلى الله عليه وسلم: “والقرآن حجة لك أو عليك” 6 ، وهكذا الصيام لمن أتقنه وصان صيامه كان شافعاً له، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه قال: فيشفعان” 7 .

وإن كان القصد منهما واحدا، حصول التقوى والتقرب إلى المولى، فهما وسيلتان لتربية الإرادة وتهذيب النفوس، والترفع عن رذائل الأعمال، وسفاسف الأخلاق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم “وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب فإن سابه أحد، أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم” 8 .

أخيرا، وليس آخرا، فأجرهما سواء بشرط النية المتجدد والوجهة القاصدة، قال عليه الصلاة والسلام: “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” 9 ، و“من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” 10 .

فإن كان الدعاء عند انقضاء يوم الصيام وشهره وعند ختم القرآن مستجابا، فاللهَ نسأل أن لا يجعل حظنا من الصيام الجوع والعطش ومن القيام السهر والتعب، اللهم اجعل صيامنا فيه صيام المحسنين وقيامنا فيه قيام القانتين، ونبهنا فيه عن نومة الغافلين آمين.


[1] سورة البقرة الآية 185.\
[2] الإمام البخاري، صحيح البخاري، كتاب اللباس، بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي المِسْكِ.\
[3] ابن ماجة، سنن ابن ماجة، بَابُ فَضْلِ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ.\
[4] الإمام البخاري، صحيح البخاري، كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.\
[5] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج: 1، ص: 31.\
[6] ابن ماجة، سنن ابن ماجة، بَابُ الْوُضُوءِ شَطْرُ الْإِيمَانِ.\
[7] الإمام أحمد، مسند أحمد بن حنبل، مسْنَدُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ.\
[8] الإمام البخاري، صحيح البخاري، كتاب الصوم، بَابٌ هَلْ يَقُولُ إِنِّي صَائِمٌ إِذَا شُتِمَ.\
[9] الإمام البخاري، صحيح البخاري، كتاب الإيمان، بَابٌ صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الإِيمَانِ.\
[10] الإمام البخاري، صحيح البخاري، كتاب الإيمان، بابٌ تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ مِنَ الإِيمَانِ.\