تعودنا كلما حل موسم امتحانات البكالوريا أن يحدثنا المسؤولون عما اصطلحوا على تسميته “استحقاقا وطنيا”، وهو استحقاق كفيل بإثارة الكثير من الأسئلة الحارقة عن السياقات والمساقات، عن الخلفيات والأبعاد، عن المستجدات والإجراءات، وعن الرؤى المستقبلية والعزمات.

في الاستعداد للاستحقاق الوطني

استهتار تام بمشاعر الأسر المغربية، واستخفاف مطلق بمصائر المرشحين لاجتياز الامتحانات، هو ما يعبر عنه بجلاء مشهدنا الإعلامي البئيس حد الثمالة، فخلال شهر ماي المخصص عادة للاستعداد للامتحانات تصر الفاتنة رقم 1 على نقل حلقات المنافسة غير الشريفة للفوز بالشقة والسيارة وحفل العرس الأسطوري عبر برنامج الوهم الشرعي “للا لعروسة”، بينما تصر الفاتنة رقم 2 على نقل فظاعات وغرائب وعجائب وحماقات مهرجان تبذير الملايين المسمى “موزاين”. وكما في كل موسم تطالعنا الوزارة الوصية بمستجدات معركة الغش الذي صار في عرف التلاميذ – للأسف الشديد – حقلا للتنافس بعدما رسخ في عقلهم الجمعي أنه حق مشروع ينبغي الدفاع عنه ولو بحد السيف إذا اقتضى الحال، هكذا تفتقت عبقرية المسؤولين عن إجراءات احترازية جديدة تتمثل في إلزام المرشحين بتوقيع التزام يمنعهم من إدخال الهواتف المحمولة إلى مراكز الامتحان.

عود على بدء

المضحك المبكي في هذا المشهد الدرامي هو أن كل الأشكال الاحترازية التي رافقتها ضجة إعلامية صاخبة في الموسم السابق لم تحل دون انفجار فضيحة مخجلة تمثلت في تسريب مواضيع مادة الرياضيات، وفي سرعة البرق تم الالتفاف على الفضيحة المدوية، وتم تكميم كل الأفواه، وتمت إعادة الامتحان و”مْرِيضْنَا مَا عَنْدُو بَاسْ”، وأصدرت الوزارة بلاغا مفاده أن البحث جار على قدم وساق لضبط المسؤول عن عملية التسريب ليتحمل مسؤوليته كاملة أمام العدالة… مر العام بسلام… ما زال الصمت والتكتم والتناسي والنسيان يطال فضيحة بحجم وطن، ولعل المفارقة الفاضحة لسوء النوايا ما وقع في دولة إثيوبيا هذا الموسم، فقد تم إلغاء امتحان البكالوريا تماما، وثم تأجيله جملة وتفصيلا إلى أجل غير مسمى بعدما تأكد تسرب امتحان مادة الإنجليزية.

الشجرة والغابة

الغش في الوسط المدرسي مجرد شجرة تخفي غابة من الفساد تتعدد صوره ومشاهده وواجهاته، هكذا يستحيل في تقديرنا الانتصار في معركة محاربة الغش في الامتحانات إلا بحضور إرادة وطنية حقيقية قوية تمكن من وضع النقط على الحروف ومن تسمية الأشياء بمسمياتها، ويكفي أن نستحضر بعض صور الغش التي تراكمت أشهرا وربما أياما معدودة قبل حلول هذا الموسم.

الغش السياسي

التعامل الرسمي مع قضية الصحراء المغربية نموذج فاضح للسياسة الخرقاء التي تعالج بها الدولة هذا الملف الذي أريد له أن يكون شائكا، هكذا تعود عقارب الساعة إلى درجة الصفر بعد تصريح عابر من بان كي مون، وتضرب كل اللقاءات والمشاورات والنقاشات وكل ما سمي أشواطا للمفاوضات عُرض الحائط، ويتم التهييج الإعلامي للجماهير المفقرة المجهلة المغلوبة على أمرها، فتنخرط في مسيرة – قالوا مليونية – تنديدا بتصريحات المسؤول الأممي.

الغش الاقتصادي

من غريب الموافقات أن تنفجر قضية وثائق بَنَامَا قبيل موسم الامتحانات، فضيحة من الحجم الثقيل: ملوك، رؤساء، وزراء، وشخصيات نافدة في مواقع القرار مورطون في فضائح تهريب الملايين إلى بناما. تابعنا في القنوات الإخبارية كيف تراوحت ردود أفعال المتورطين بين الاعتذار الرسمي، والاستقالة… أما في مشهدنا الوطني فلا شيء من ذا ولا ذاك بل تم تجاهل الأمر واستمرت العجلة أماما كأن شيئا لم يقع…

الغش في خطبة الجمعة

لم تنج خطب الجمعة في ربوع الوطن الحبيب من آفة الغش، فقد تابعنا بحرقة كبيرة كيف موه خطيب الجمعة على جماهير المصلين، فعمد إلى لي أعناق النصوص الشرعية ليدين المسكينة المغلوبة على أمرها (مِّي فاطمة) بائعة البغرير بمدينة القنيطرة، فقد خلص – بناء على نصوص قرآنية وحديثية تم انتقاؤها بعناية – إلى أنها انتحرت، والانتحار طبعا حرام، غير أنه لم يكلف نفسه عناء التساؤل عن الأيادي الخفية والمعلنة التي جعلتها تفضل الموت على حياة ملؤها المهانة والذل والاستباحة.

الغش الإعلامي

ما زال إعلامنا اللاوطني مستمرا في التضليل وتسويق الوهم، وهم التنمية والأمن والاستقرار، ومازال وفيا لخطه المعهود: نشر الرذيلة والتطبيع مع الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإلحاح على تمزيق غشاء الحياء، والفتك بمناعة الأسرة المغربية عبر مسلسلات ألف حلقة وحلقة.

أعتقد جازما أنه لا معنى لمحاولة فصل المدرسة عن محيطها السياسي والسوسيو-اقتصادي، بل إن العلاقة بينهما من المتانة والقوة والتمازج والاتحاد بحيث لا يمكن الفصل بينهما بأي شكل من الأشكال، إننا نتعامل مع المدرسة كما لو كانت كيانا مستقلا، أو بنية مغلقة عن نفسها لا تربطها بسياقها العام أية علاقة، في حين أنها مؤسسة تقع في صميم المجتمع، وتشكل صورة مصغرة عن كافة تفاعلاته وعلاقاته وصراعاته ومساراته، وهذا يفترض لزاما ما يلي:

– الوعي بأن الغش يجب أن يحارب في كل الفضاءات، وفي كافة المجالات، وفي جميع السياقات، فلا معنى لأن نطالب بالشفافية والنزاهة في امتحانات البكالوريا، ونحن نبارك التزوير والتدليس والخداع والخيانة والكذب في الانتخابات، وفي الأسواق، وفي المساجد، والعقار وفي الإعلام، وفي علاقاتنا الاجتماعية…

– إن الالتزام الذي ألزم مرشحو البكالوريا بتوقيعه، يجب أن يوقع أيضا من كل المسؤولين، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام.

أخيرا أتساءل بمرارة: لو كانت ثمة إرادة حقيقية لمحاربة الغش في الامتحانات، لماذا لا يتم اللجوء إلى التشويش على أجهزة استقبال شركات الاتصالات في المؤسسات التعليمية خلال أيام الامتحانات فقط؟ أيهما أحق بالتقدير والحفظ والمراعاة والحرص مصالح شركات تتضاعف أرباحها على امتداد السنة؟ أم مصالح أجيال أصيب كيانها بمرض خبيث قاتل يسمى “الغش”؟