لم ينل خبر الطائرة المغربية التي عادت ليلة الثلاثاء 31 ماي 2016 إلى مطار “بيير إليوط تريدو” بمونتريال بعد إقلاعها بنصف ساعة، والإعلان عن وفاة الشاب محمد بومدين (35 سنة) الذي كان على متنها ما يستحقه من عناية في الإعلام المغربي. لتبقى ملابسات الوفاة مبهمة، وحق هذا المواطن في الاعتبار مهضوما.

لقد ذهب محمد بومدين الإطار في وزارة السياحة المغربية إلى كندا لاستكمال دراسته العليا ببحث علمي في مجال تخصصه: “السياحة”، بترخيص من الوزارة التي ينتسب إليها. لم يكن منذ التحاقه بكندا مجرد طالب باحث عادي، بل اعتبر نفسه سفيرا لبلده في تلك الديار، مدافعا عن السياحة بالمغرب معرفا بها… عبر مقالاته وأبحاثه ومحاضراته التي شوقت الأكاديميين الكنديين إلى التعرف على مؤهلات المغرب السياحية. ولعل هذا ما دفع أستاذه المشرف على بحثه إلى المجيء رفقته إلى المغرب للمشاركة العملية في إنجاز الشق الميداني من الدراسة… رحلة لم يكتب لها أن تكتمل حيث عادت الطائرة إلى المطار بعد حوالي نصف ساعة من إقلاعها، وأعلن عن وفاة الباحث محمد بومدين.

لقد ودعته زوجته هاجر ومعها ابنه ريان بمنطقة هاونتسيك بكبيك وقدم والداه من باريس لاستقباله هو وضيفه الكندي (أستاذه) بالدار البيضاء، ومن محطات الرحلة العلمية الرباط والراشدية (مقر العمل)، وتنغير (موطن الولادة والسكن الثاني للوالدين المقيمين بفرنسا).

ثم جاءت رنات الهاتف المفزعة في الساعات الأولى من صباح يوم الأربعاء فاتح يونيو 2016 تحمل خبر نعيه المفاجئ، ونبأ توقف مسار حياته.

الموت يأتي بغته، والأزمة القلبية قد تفاجئ المرء بينما هو في أتم الصحة والعافية، وريعان الشباب، وأوج الطموح… تتعدد الأسباب والموت واحد فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (الأعراف 34)… لكن أخبرونا ماذا حدث؟ هل مات في الأرض؟ أم في السماء؟ في الطائرة أم في المستشفى؟ لا نسأل لماذا ولكن متى وكيف؟

أضيفوا موت بومدين لحوادث الطائرات لعلنا نعتبر.

قامت القنصلية بواجب العزاء، وأساتذة الجامعة وطلابها، والجيران والأقارب والأصدقاء… أقيمت صلاة الجنازة بعد صلاة الجمعة بمونتريال، وينقل جثمان الفقيد بعد لحظات من خط هذه السطور ليصل بحول الله مطار الدار البيضاء بعد سبع ساعات من الطيران، ثم ليدفن بمسقط رأسه بدوار تاماسينت بتنغير صباح يوم الأحد 5 يونيو 2016.

بعد ساعات ستنزل الطائرة بحول الله وينزل منها محمد بومدين، بل سيتم إنزاله محمولا في صندوق مقفل محكم… غير مسرع في مشيته كعادته، بلا ابتسامته المعهودة كما ألفناه، أو يحجبها عنا النعش والصندوق والكفن. قد يكون بلا شك نزل في نفس المكان والتوقيت، وريان بين ذراعيه وهاجر بجنبه، والكل فرح بالعودة إلى أرض الوطن الغالي، والمستقبلون ببهو المطار تغمرهم البهجة… واليوم نزول من نوع خاص: شابة في لباس حداد أبيض تحمل لقبا غير مرحب به في مثل سنها، وطفل لا يدري أنه بدوره حامل لقب جديد: أرملة ويتيم ورب الأسرة في الصندوق ممدد… لا يحمل الأمتعة كما كان، بل هو اليوم في حاجة إلى من يحمله. لن يقول هذه المرة: “أسرعي يا هاجر”، بل هي التي ستقول أسرعوا به إلى مثواه الأخير، إلى المقبرة، إلى الدفن. لا كرها له، فهو أحب الناس إليها، والشوق في أوجه لحظة الفراق، وليس وحدة لون ثيابها وكفنه إلا دليلا على الذات الواحدة. ولو أمكن تبادل الأدوار لاقترحَتْ عليه أن تكون مكانه ويكون مكانها؛ فهو أدرى بالمطارات والأسفار وأقدر على حمل الأمتعة، ولو أمكنت الرفقة لقالت خذنا معك… أما ريان فعليه أن يحذف من قاموسه اليومي لفظة “بابا”…

درس بليغ أدعو قارئه لاستيعابه جيدا فهو موضوع الامتحان غدا، وأختم بالبيتين:

كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وإنْ طالَتْ سَلامَتُهُ ** يَوْماً على آلَةٍ حَدْباءَ مَحْمولُ
فإذا حملت إلى القبور جنازة ** فــاعلم أنك بعدها محمول
ومسؤولو شركة الطيران معنيون أيضا بهذا الدرس فردا فردا، والامتحان شفوي.

وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ (لقمان 34).

ولا بأي سماء تموت.