نقف هذه الأيام شهودا على النهايات الحزينة لموسم دراسي يغادر كعادته، وهو يضع أمامنا أوزاره وهزائمه، تماما كما وضعت سوابقه العجاف أوزارها. أما صيغة الجمع في ˝النهايات˝ فهي من باب التقرير اللافت و لمقصود لواقع نتقاسمه، دون شك، مع التجارب التربوية المتردية في جوارنا العربي؛ إذ إننا لم نَشرُف بعدُ – مربين وأولياء – بموعد موقوت نصطلح عليه جميعا بـ˝يوم مَتَم الموسم الدراسي˝، فيه نلتئم فنتوادع بعد أن نقدم كشوفا بالمنجز ونتوج ذوي الاستحقاق. بل الأمر عندنا متروك للمبادرة الذاتية لهذه الجهة أو تلك، لهذا الشخص أو ذاك. فلكل نهايته، يوقتها بما يمليه عليه المزاج الفردي أو الجماعي وما تذكيه التواطؤات الصامتة ومقتضيات الأمر الواقع. موسمنا الدراسي، إذن، لا يبلغ تمامه في أوان معلوم كما هي التجارب المعتبرة. بل هو موسم تعتريه فصول ˝التلاشي المتدرج˝!، فهو سيرورة تستهلك إيقاعها بالتناقص المفضي إلى الغياب، ثم لا بأس إن وافقت حتفها أسابيع قبل أوانه المزعوم.

إن موسما دراسيا يستوفي تمامه بالتلاشي – على عين الادارة المشرفة – لهو ذاته الذي يُوقِّع بدايته و دخوله ب˝التراكم˝ والتجميع، بل بالاستجداء والترقب؛ ترقب أن يستوفي الدخول المدرسي عناصره، لا بالتوقيت الملزم، بل بتواطؤ أمزجة المتدخلين. نعم، إننا جزء من نظام تعليمي ليس له ˝موعد دخول˝ يراعى، بل إن للمتعلم والأسرة امتياز الحسم في موعد الالتحاق بالفصل الدراسي وكذا امتياز التأشير على الانطلاق الفعلي للدراسة. ليستتخبطات نهاية الموسم، إذن، طارئا عرضيا يبرز متم مسار تعليمي موفق، بل إن هذه النهايات لتنشأ من صلب تلك البداية الكسيحة.

قبل شهور عشرة من الآن شهد المغرب موعدا انتخابيا شكل في حينه ˝دخولا سياسيا˝ اشتغلت لغرض إنجاحه الآلة الدعائية الرسمية بشتى أدواتها؛ المخزنية والدينية والجمعوية. فأثارت بذلك جوا من التعبئة الشاملة في أوساط المغاربة ونواديهم، بحيث لم يكن ذاك التنادي المقدس ليخطئ مدلوله السياسي والاستراتيجي لدى مؤسسة المخزن. وهي التي زكت بممارساتها المعهودة أرجحية الموعد الانتخابي على الموعد التربوي. فلا يستوي في تقديرها ˝المجلس المنتخب˝ و˝الفصل الدراسي˝. بيد أننا لم نعهد من الآلة الدعائية ذاتها أن تخص الدخول المدرسي ولو بمعشار جهدها التعبوي المعهود في غيره، وما يسخر له من أبواق النفير باسم الواجب الوطني المقدس. لقد شهدنا جميعا كيف توارت فعاليات الدخول التربوي لهذا العام وضاعت في زحمة الصخب الانتخابي الأثيم.

إخفاقات المدرسة المغربية عديدة، لاريب في ذلك، سوى أن إخفاق الزمن المدرسي عميق بالغ العمق. إنه زمن لا يملك أحد زمامه. وما نحن – مربين ومتعلمين – سوى هَمَلٍ على ظهره، يمضي بنا حيث شاء وبالإيقاع الذي شاء. إنه زمن خشبي لا يراعي تفاوت إيقاعات المتعلمين ولا طفراتها وانحساراتها. لا يراعي فينا التنوع، بل يرى فينا كيانات متوحدة. إنه زمن لا يستعجل بالمتفوق فيطوي به المسافات، ولا يتريث بالمتخلف فيراعي عقبات تعلمه.

ولئن كانت مواسمنا الدراسية مختلة البدايات، تستأنف أنفاسها بمشقة بالغة، فلا فجاءة في أن نعاين عاما دراسيا تعتريه نوازل الهواية والضعف وزلات تجريب المجرب، وهي تستغرق مجتمعةً جوانب المنهاج وتدبير الزمن وتقصيد المحتوى التعلمي وترشيد العامل البشري، حتى خيم الفشل على النهايات بعد البدايات. ومن أبرز ملامح فشل النهايات وأشدها وقعا على تعلمية أبنائنا ˝عطلة نهاية الموسم˝؛ تلك الجريمة الصامتة الممتدة بسابق إصرار وترصد، إصرار على استبعاد المدرسة وروحها بعيدا عن حياة المجتمع إلى آجال لا يقدرها أحد. إنها عطلة ستبلغ هذا الموسم أربعة أشهر كاملة، دون اعتبار للتوصيات البئيسة التي تجعل لها حدودا لا يعبأ بها أحد. معظم التلاميذ اليوم، في المستويات غير الإشهادية، قد غادروا فعليا فصول الدراسة في صمت وتواطؤ. وسيستغرقون في ˝عطالتهم˝ هذه شهور يونيو ويوليوز ثم غشت فمعظم شتنبر، أي قرابة أربعة أشهر يكف خلالها أبناؤنا عن فعل التعلم والتمهير، بل ويكونون أثناءها عرضة لعوامل الهدر والنسف لكل المخرجات التعلمية التي يفترض أنه قد تمثلها من قبل. أربعة أشهر كاملة من الغياب الكلي عن حضرة الكتاب والقلم والموقف الإنساني والصورة الجمالية. أربعة أشهر من التسيب المؤشر على قانونيته من جهة المؤسسة التربوية الرسمية. هذا في الوقت الذي لا تتعدى فيه العطلة الفصلية ستة أسابيع، في التجارب التربوية المعتبرة؛ حيث تكون كافية ليستعيد المتعلم لياقة التلقي والتمرين، ومانعةً من مغبة فقدانه الايقاع المدرسي، كما يحصل في أوساط متعلمينا بداية كل عام.

لكل مشوار نقاط توقف معلومة، والمدرسة باعتبارها سيرورة تعلمية تندرج تحت هذا القول، لا خلاف حول ذلك، لكننا لن نقبل بواقع أن تنسحب روح المدرسة من فضاءاتنا المجتمعية. لا نقبل أن تنفلت أزمنتنا عن سطوة المدرسة كما عن رحمة المسجد. لأن ذلك سيعني انتحارنا. هذا، إن كنا نرى في المدرسة عامل حياة وحيدا، وفي الزمن المدرسي شريان تلك الحياة. وأي انتهاك لحرمة هذا الشريان ينظر إليه، بمنظار الحضارة، جريمة مكتملة الأركان. تِلكُم بعض جرائم الزمن المدرسي.