كان أسرع ارتداد لتسريبات “بنما” حول التهربات الضريبية هو استقالة الوزير الأول الأيسلندي، سيغموندور ديفيد غونلوغسون، بعد احتجاجات شعبية أمام البرلمان مع بداية أبريل 2016 وذلك بدعوة من رئيسة الحكومة السابقة، يوهانا سيجوردادوتير، وهي التي حكمت الدولة الصغيرة بعد الأزمة الكبيرة لسنة 2008. إزاء ذلك سيطرح أول استفسار حول هذه الحالة، وهو: لماذا سرّعت تسريبات بنما بإسقاط الوزير الأول الأيسلندي؟

بعض الجواب يوجد في تقييم المرحلة التي أدارتها السيدة يوهانا سيجوردادوتير، وهي مرحلة ما بعد الأزمة المالية. تلك الفترة التي ظلت مُغيّبة، في تفاصيلها، عن الرأي العام الغربي وكذلك العربي، لأنها كانت تتمثل كل المقومات الاجتماعية والسياسية لتصبح كرة الثلج في صحراء الرأسمالية الجديدة التي اجتهدت في تجاوز أزمتها الخاصة بإزاء الاحتياطات العامة والسيادية.

أيسلندا – أرض الثلج – جزيرة صغيرة في شمال الأطلسي. مساحتها 103 ألف كلم²، سكانها يبلغ عددهم فقط 320 ألف نسمة. دين الدولة هي تعاليم الكنيسة اللوثرية. توجد بها 40 دارا للنشر تُصدر 1500 عنوان جديد كل سنة وتطبع 2.5 مليون نسخة، أي نحو 11 كتابا للفرد الواحد.

قبل الأزمة الاقتصادية وقفت أيسلندا على رأس مؤشرات التنمية البشرية العالمية IDH لسنتي 2007/2008. حيث رُتّبت في المرتبة الأولى على مقياس 30 مؤشرا من معايير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

ريكيافيك عاصمة أيسلندا

بعد الأزمة المالية لسنة 2008 مباشرة، أمّمت الدولة البنوك الثلاث الرئيسية عوضا عن ضخ رساميل بدول شروط. وقد فاقت ديون الدولة الناتج الداخلي الخام (11 مليار دولار في 2007) بـ9 أضعاف (وحدها البنوك كانت مدينة 9.40 مليار دولار). ثم تهاوت العملة وتوقفت البورصة بعدما خسرت 76% من قيمتها.

في السادس من أكتوبر 2008 وجه الوزير الأول الأيسلندي، جير هلمار هآرده، خطابا إلى الأمة أعلن فيه عن بداية انهيار النظام المالي، ثم ختمه بعبارة “ليكن الله في عون أيسلندا”.

أربعة أيام بعد هذا الخطاب، نظمت مجموعة من 200 متظاهرا احتجاجا أمام البنك المركزي وطالبوا بإقالة مديره العام. ومع مطلع سنة 2009 بدأت التظاهرات تأخذ زخما أكبرا وبدأ الغضب يتصاعد في الأوساط الشعبية بكل طبقاتهم الاجتماعية وكان الشعار الموحد لكل الاحتجاجات هو النقر المستمر والمتصاعد على أواني المطبخ. ثم انفجرت الثورة!

ثورة المقالي

لا يذكر الإعلام العربي، المكتوب والمرئي، غير الثورة البركانية التي انفجرت بأيسلندا منذ 20 مارس 2010 والتي تسببت في تعطيل حركة الجو في جل سماء أوربا. لكنه لا يتذكر شيئا عن الثورة الاجتماعية بأيسلندا والتي حملت اسم ثورة المقالي).

بدأت الحكاية مع الأيام الأولى لسنة 2009 حين اقترح البنك الدولي مساعداته على حكام أيسلندا مقابل اجراءات مؤلمة أهمها خفض الانفاق الاجتماعي إلى مستويات لا تتناسب مع مطالب الطبقة المتوسطة التي تضم أغلبية الشعب الأيسلندي، مما فجر احتجاجات شعبية دامت أربعة أشهر أمام البرلمان، وكانت مطالبها تتمحور حول:

1. إسقاط الحكومة.

2. متابعة رؤوس النظام المالي.

3. تغيير الدستور.

سقطت الحكومة بعد شهور من التظاهر، ثم نظمت انتخابات سابقة لأوانها أعطت الأغلبية لليسار الديمقراطي المتحالف مع اليسار الأخضر في انتخابات 10 ماي 2009. وقد وعد اليسار في حملته الانتخابية بإعادة كتابة دستور جديد لأن القديم هو نسخة مترجمة من دستور 1944 للدانمرك والذي لا يقدم ضوابط ناجعة لتجنيب بلادهم أزمات مالية كالتي قلبت نظام تدرجهم الاجتماعي بين ليلة وضحاها.

مع مطلع 2010، ستقترح حكومة اليسار قانونا مؤلما لتجاوز الأزمة المالية، تسبب ذلك المشروع في إشعال احتجاجات شعبية جديدة دفعت بالحكومة إلى تنظيم استفتاء شعبي على مشروع القانون؛ وفي 6 مارس سيقرر الاستفتاء بنسبة 93% رفض الشعب أداء ديون البنوك من المالية العمومية، وقد كانت استقرت نسبة المشاركة في 73% من الذين لهم حق التصويت.

بعد البركان الطبيعي، سينطلق في أيسلندا بركان اجتماعي فريد، حيث سيبدأ قصر المدينة في عرض التقرير المفصل عن أسباب الأزمة المالية على الجمهور لمدة ستة أيام التالية ليوم 12 أبريل، حيث قرأ خلالها 150 مستخدما تسع مجلدات حوت ما مجموعه 2300 صفحة من الاختلالات المالية. أربعة اختلالات كبرى أظهرها التقرير المقدم للشعب الأيسلندي، وهي:

1. التوسع المالي للمجتمع بأكمله.

2. المساهمون الرئيسيون هم نفسهم أكبر المقرضين للبنك.

3. مضاربة المساهمين في الأسهم بقروض بنكية.

4. الوضع الشكلي للأجهزة التنظيمية المالية.

التظاهرات تكاد تكون طقسا يوميا في أيسلندا

توبع 13 متورطا ثم أفرج عنهم إلا ثلاث متهمين، ثم في الأخير توبع الوزير الأول السابق لوحده، الذي شدد على براءته ووصف المحاكمة، التي تعتبر عملية “سياسية”، بـ”المهزلة”. ولم يتم تحديد موعد الجلسة إلا بعد موافقة البرلمان الأيسلندي الخميس الماضي بـ33 صوتا مقابل 27، على مقترح قدمه الزعيم المحافظ بيارني بنديكتسون، ليعاد التصويت من جديد على ضرورة محاكمة هاردي).

تجربة دستورية رائدة

خصوصية أخرى شهدتها التجربة الأيسلندية بعد البركان الاجتماعي، حيث صدّق البرلمان على قرارٍ لتنظيم عملية التعديل الدستوري، وأسند إلى لجنة من سبعة أعضاء تنظيم عملية لاختيار منتدى وطني/مجلس شعبي لكي يقترح القيم الأساسية للدولة التي سيشيّد عليها التعاقد الاجتماعي الجديد للشعب الأيسلندي.

ففي 6 نوفمبر 2010 ، سيتم اختيار 1000 مواطن بالقرعة من السجلات الرسمية لتشكيل المجلس الشعبي، والذي التأم ليوم واحد ووضع في نهايته مقترحات من مجلدين تمثل الأرضية الفلسفية لبناء دستور جديد. وفي نهاية الشهر نظمت الحكومة انتخابات عامة لاختيار المجلس التأسيسي المتكون من 25 عضوا (10 نساء و15 رجلا) والذي ترشح له 523 مواطنا ضمن شروط محددة سلفا.

بالموازاة مع هذه الحراك الدستوري، نظمت الحكومة في 9 أبريل 2011 استفتاء شعبيا ثانيا على قانون آخر للإنقاذ الاقتصادي والذي اعتمده البرلمان بنسبة 44/63 لكن الرئيس رفض التصديق عليه قبل استشارة الشعب في استفتاء جديد، جاءت نتيجته برفض 60% من المصوتين على أداء ديون البنوك.

البرلمان الأيسلندي

بين أبريل 2011 ويوليوز 2011 اشتغلت اللجنة التأسيسية على إعداد مقترحاتها بالتشاور مع الشعب عبر الانترنت والتلفزة، حيث قدم 12% من الشعب تعليقاته على المشروع.

وفي نهاية يوليوز 2011، صدّقت اللجنة التأسيسية بالإجماع على المسودة وقدمت النسخة النهائية إلى البرلمان الذي قرر، في ماي 2012، عرضها على استفتاء شعبي.

نظم الاستفتاء التشاوري حول اعتماد مقترحات المجلس التأسيسي لتعديل الدستور، في 20 أكتوبر 2012، وشارك فيه 50% فقط، وجاءت الاستشارات على الشكل التالي:

– هل تود أن تشكل اقتراحات المجلس التأسيسي قاعدة لدستور جديد؟ 66.3%

– هل تود التنصيص بأن تكون الموارد الطبيعية مِلكا وطنيا؟ 82.9%

– هل تود التنصيص أن تكون الكنيسة دين الدولة؟ 57.1%

– هل تود فتح المجال لفئات أخرى لدخول البرلمان؟ 78.4%

– هل تود إعادة ثقل التصويت ليتعادل ميزان كل جهات البلاد؟ 66.5%

– هل تود التنصيص على اعتماد الاستفتاءات حول قضايا معينة؟ 73.3%

المتصفح لمشروع الدستور الجديد سيجد أن كلمة “استفتاء” وردت 17 مرة في ثمان فصول من الدستور مما يؤكد نزوع التجربة الأيسلندية لتوسيع مجال التشريع بمبادرات شعبية، وهي الملاحظة (من بين أخرى) التي توقف عندها مجلس أوربا في تقريره حول هذه التجربة الدستورية، والذي صدر في 11 مارس 2013، حيث علق التقرير على هذه النزعة بالجملة التالية: واحدة من السمات البارزة للمشروع الدستوري الآيسلندي هو نهجه المنفتح لصالح المشاركة المباشرة من المواطنين في الاستفتاء على شؤون الحكم والتشريع. ويمكن اعتبار هذا الدور قوة حقيقية ضد السلطة المطلقة للبرلمان ووسيلة لمعالجة انعدام الثقة في الأحزاب السياسية… هناك نقاش مستمر في العديد من البلدان الأوروبية وفي “لجنة البندقية” على مزايا وسلبيات الاستفتاءات… فإن “لجنة البندقية” ترفض الانخراط في هذا الجدل بشكل عام، وستقتصر على بعض الملاحظات العامة والتقنية على بعض أحكام هذا المشروع).

يبدو واضحا تحفظ لجنة البندقية التابعة لمجلس أوربا على مقترحات اللجنة التأسيسية لتعديل دستور أيسلندا، رغم اللغة الفضفاضة المعتمدة في التقرير ورغم العبارات المشبعة بالمنطق الدبلوماسي لصناع القرار الدستوري في أوربا الموحدة.

استراتيجية الإلهاء

رغم أن تقرير لجنة البندقية ليس نافذا، فهو لا يعدو أن يكون رأيا قدمته اللجنة استجابة لطلب جاءها من برلمان أيسلندا، ورغم أن أيسلندا ليست عضوا في الاتحاد الأوربي، ورغم أن الخروج من منطقة الإعصار المالي تم لها بسرعة لافتة لأسباب من بينها أنها اعتمدت على عملتها الوطنية، وهذا على عكس التجربة اليونانية التي لا تزال تراوح مكانها في مسلسل التقشف الذي فرضته الترويكا الأوروبية على حكومة أليكسيس تسيبراس اليسارية… رغم كل ذلك فإن تأثير الاتحاد الأوربي على القرار الداخلي الأيسلندي يظل كبيرا، وهذا بعضٌ مما يفسر سحب حكومة ديفيد غونلوغسون في 12 مارس 2015 لطلب كانت قد تقدمت به الحكومة في 16 يوليوز 2009 للانضمام إلى الاتحاد الأوربي.

أكيد أن الشعب الأيسلندي حقق بعض مطالبه التي أخرجته لشهور عديدة إلى الشارع، حيث غير حكامه وعدل بعضا من منظومة الحكامة المالية للبنوك، كما تجنب تحمل تبعات إفلاسها المالي… لكنه وقف في نصف الطريق المؤدية إلى اعتماد دستور شعبي من خلال نمط متجدد كاد يفتح مسارا إلى الديمقراطية الشعبية.

تظاهرة حاشدة أمام مقر البرلمان الأيسلندي

المسار الجديد توقف بإزاء استراتيجية يمكن نعتها “بمخطط الإلهاء”؛ فمنذ ذلك التاريخ جمد البرلمان المشروع الدستوري وأدخله في حالة الكمون إلى اليوم، وبدأ يضح أن الدولة سائرة نحو تجاهله بعدما انضبط مسار كرة الثلج المتدحرجة وبعدما تخففت أحمال الحراك الشعبي. وحدها نسب المشاركة في الاستفتاءات المتكررة تبين بوضوح المنحنى التراجعي حينما يطول مسلسل المطالب الشعبية البنيوية/اجتماعيا وسياسيا.

في 23 ماي 2013 ستنتهي ولاية رئيسة تحالف اليسار الديمقراطي، يوهانا سيجوردادوتير، دون أن تتمكن من تطبيق أهم بند في برنامجها الانتخابي، ألا وهو اعتماد دستور جديد للبلاد، وفي نفس اليوم سيصعد إلى دفة الحكم تحالف جديد يقوده الحزب التقدمي الأيسلندي الذي يمثله على رأس الحكومة، سيغموندور ديفيد غونلوغسون، وهو من أسقطته تسريبات بنما بعد أيام من ورود اسمه في لائحة مهربي الثروات والمتهربين من الضرائب في جنات بنما.

هل تؤشر سرعة تفاعل الشعب الأيسلندي مع فضائح التسريبات على أن البركان لا يزال متيقظا وأنه مرشح في كل لحظة إلى الانفجار كلما اجتمعت حوله محفزات من الفورات التاريخية التي تعصر الفاعل البشري؟).

كيفما كان الجواب سلبا وإيجابا، فقد وضعت عديد من الدراسات الغربية أصبعها على مربط الفرس وكادت تلتقي على مركز الاهتمام بالنسبة لحالة أيسلندا، وهو: غياب جماعات شعبية منظمة، (غير الأحزاب السياسية التقليدية) يمكنها لوحدها الاستمرار في ضخ الموارد اللازمة حتى تنجح مشاريعها المجتمعية في تعديل تعاقدها الاجتماعي.

الديمقراطية المهَندسة

تلك كانت خلاصةُ تقييمٍ لتجربة أيسلندا، البلاد الصغيرة التي انتفضت سنة قبل انتفاضة بلاد صغيرة أخرى هي تونس الخضراء، وبينهما من الروابط والمفارقات ما يبعث على التأمل.

في نفس الوقت الذي تابع فيه الإعلام الغربي وكذلك العربي تفاصيل «ثورة الياسمين» التي تحولت إلى محفز لما سينعت بالربيع العربي؛ قاطع الإعلام الغربي وكذلك العربي حتى عموميات خبر «ثورة المقالي» ومع ذلك فإنها ألهمت مع أختها دولا كاليونان واسبانيا وبلجيكا وفرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والشيلى وجمهورية الدومينيك… في ربيع غربي/عربي وصل إلى قمة السخط في يوم 15 أكتوبر 2011.

لا تحصي الانتفاضات الغربية أي قتيل منذ انتفاضة أيسلندا إلى حركة «قيام الليل» بفرنسا مع بداية شهر أبريل 2016؛ لكن في التجربة العربية، وحدها سوريا تقدم ما يفوق عدد سكان أيسلندا من الشهداء وأضعافهم من الجرحى والمهجرين.

رئيس الوزراء الأيسلندي الذي اضطر إلى الاستقالة بعد ظهور إسم زوجته في وثائق بنما

كل التضحيات الكبيرة التي يبذلها العربي في سبيل حلمٍ مشروع، أكيد، لكنه حلم سريع التحول إلى الكابوس نفسه الذي يخرج الشباب الغربي إلى الشوارع!

لغة الشارع هذه أصبحت عندنا/عندهم هي المفتاح الفعال للتغيير، عندما ضاقت المؤسسات السلطوية/التمثيلية بمطالب شعوبها، التي أُخِذت منها/أو أسندت إليها حقوق تدبير شأنها العام.

الشواهد على ذلك لا تحصى، فيكفينا مثال واحد ننهي به الخاتمة لأنه مثال صارخ في وجه «الديمقراطية المهَندسة» وبطله وزير المالية المستقيل من حكومة تحالف سيريزا اليونانية، يانيس فاروفاكيس؛ وقف هذا الاقتصادي في ساحة الجمهورية بباريس يوم 17 أبريل 2016 مساندا لحركة «قيام الليل» وقال في الحشود: أول من زارني في مكتبي بالوزارة هو سفير الولايات المتحدة الأميركية الذي كان يدفعني لتبني توجهات الترويكا الدائنة، فكان جوابي له وأنا أشير إلى میدان سینتاگما: مكاني الحقيقي ليس في هذا المكتب وإنما في ذلك الميدان بين المناضلين).