أجرت أسبوعية الأيام، في عدد 714 الصادر يوم 26 ماي المنصرم، حوارا مع الدكتور عبد الواحد متوكل عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان ورئيس دائرتها السياسية، حول العديد من القضايا التصورية والميدانية، وحظيت قضيتا رؤية العدل والإحسان للخلافة والانتخابات التشريعية المقبلة وإمكانية مشاركة الجماعة الحصة الأكبر من النقاش. فإلى نص الحوار:

ما هي حقيقة التصريحات التي أطلقها الأمين العام لجماعة العدل والإحسان واضطرته للتوضيح؟

كان الأستاذ محمد عبادي يتحدث في سلسلة من الحلقات عن تاريخ المسلمين انطلاقا من حديث نبوي صحيح أخبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن المراحل التي ستجتازها أمته، وذكر أن بعد مرحلة النبوة تأتي الخلافة الراشدة ثم الملك العضوض، ثم الملك الجبري ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. وكان الأستاذ عبادي يتحدث عن مرحلة الخلافة الراشدة وعن بعض معالمها، وعن حرص الصحابة عـلى اجتماع كلمتهم ووحدة صفهم، لاسيما وقد عاش كثيرهم الجاهلية، وعرفوا عواقب التمزق والحروب التي لا تكاد تنتهي إلا لتبدأ. وقد استشهد بكلام لسيدنا عمر بن الخطاب يوصي فيه بأقصى العقوبة على من يريد أن ينال من وحدتهم واجتماع كلمتهم التي كانت تتجسد في رقعة إسلامية واسعة الأرجاء.

قفز الذين يصطادون في المياه العكرة على تلك القولة، وانتزعوها من سياق الكلام وزعموا أن الأستاذ عبادي يدعو إلى العنف وإلى قيام الخلافة في المغرب والقضاء على كل معارض. وهي تهمة مفضوحة لا تستقيم وسيرة العبادي وسمته وطبيعته وتاريخه الدعوي، فضلا عن منهاج الجماعة المكتوب والمنشور، وتجربة جماعة العدل والإحسان التي نيفت على ثلاثة عقود. وقد شنت هذه الحملة أقلام ومواقع معروف من وراءها ومن يمولها، نيابة عن أصحاب القرار الذين لم يستسيغوا وجود تيار إسلامي وسياسي استعصى على الترويض والتدجين.

لم تفاجئنا هذه الحملة وليست هي الأولى من نظام يعرف الجميع كيف يتعامل مع المعارضين، لكن الذي فاجأنا هو أن يتأثر بها بعض الأفراد الذين نقدرهم ونحترمهم. ولئن كان البعض قد سلك مسلكا وسطا، وتكلم باتزان، وعبر عن رأيه دون تحامل، فإن بعضهم للأسف الشديد قد انساق كلية مع الحملة ووقع في البهتان ورمانا بأغلظ الاتهامات، دون أن يتصل، كما هي عادة عقلاء الناس، ليتأكد من صحة ما راج، وليعرف هل يتعلق الأمر بتغير مفاجئ في تصور الجماعة أم بكلام حمال أوجه يحتاج إلى توضيح وبيان. لذلك رأينا من المناسب، وكما نصح بذلك بعض الأصدقاء، أن يكون هناك توضيح وقد تم والحمد لله رب العالمين.

أظن أن الحديث عن مفهوم الخلافة بهذا المفهوم الذي تطرحه الجماعة، يطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة مشروعها السياسي؟ هل تعتبر أن الجماعة تورطت في هذه التصريحات؟

هناك فكرة مغلوطة مفادها أن للجماعة فهما للخلافة خاصا بها، وهذا غير صحيح بتاتا. فجماعة العدل والإحسان لا تختلف عن التيار الإسلامي الوسطي العريض في فهمها لموضوع الخلافة، ولا تتبنى فهما شاذا ينكره عقلاء المسلمين وعلماؤهم ومفكروهم. فالخلافة الراشدة حقيقة تاريخية دامت ثلاثة عقود بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ونعم المسلمون في ظلها بالعدل والإنصاف والأمن والعزة، وسجل العلماء والمؤرخون تفاصيلها بدقة، وظل المسلمون وإلى يوم الناس هذا ينظرون إليها بتقدير وإعجاب كبير، بل إن مفكرين ومؤرخين غربيين تناولوا تلك الفترة بالتحليل والدرس واعتبروها مرحلة متميزة في تاريخ المسلمين، لاسيما حين توضع تلك التجربة في سياقها التاريخي والجغرافي وتقارن مع ما كان سائدا آنذاك.

ترى ما هو المشكل؟ فهل ينبغي أن نشطب عليها من ذاكرتها الجمعية، ومن مصنفات الحديث النبوي وسجلات التاريخ ومكتوبات الدارسين المنصفين، مسلمين وغير مسلمين، الذين اتفقوا على أنها كانت تجربة إنسانية متفردة في تاريخ المسلمين؟ فهل أصبح الحديث عن مرحلة مشرقة من تاريخنا جريمة أو معرة لكون بعض المعطوبين في أدمغتهم، المشبوهين في أهدافهم قد شوهوا حقيقة الخلافة، وربطوها بالقتل وسفك الدماء، وممارسات تتقزز منها الفطر السليمة، فضلا عن العقول المستنيرة الخبيرة بحقائق الإسلام ومقاصده؟

إذا كان يراد لنا أن نتبع هذا المنطق، فإننا سوف نجد أنفسنا مضطرين للتشطيب على الإسلام نفسه جملة، لأن هناك من الناس، وعلى رأسهم كثير من حكام المسلمين، قديما وحديثا، من شوهوا ولازالوا يشوهون الدين ويتلاعبون به لتأمين مصالحهم، ومواصلة تسلطهم على البلاد والعباد. وإذا كان هذا هو المنطق الذي ينبغي أن يتبع، فلماذا لا نشطب على الديمقراطية أيضا لكون أحزاب وحكام فاسدين يزعمون أنهم من دعاة الديمقراطية وحماتها والحال أنهم فاسدون ليس بينهم وبين الديمقراطية سبب ولا نسب، وإنما يرفعون الشعار للتمويه والتستر على أنظمتهم التسلطية؟

وهل ينبغي أن نشطب على الديمقراطية وننكر مزاياها لأن أنظمة ديمقراطية عريقة أشعلت حروبا راح ضحيتها الملايين (الحرب العالمية الأولى والثانية، وكارثة هيروشيما ونكازاكي) واستعمرت بلادا شتى ونهبت ثرواتها وقتلت مئات الألوف الذين رفضوا القهر وطالبوا باستقلال أوطانهم من الاستعمار البغيض؟ ولا تزال الشعوب الإسلامية تتعرض للتآمر والعدوان والتمزيق مثل ما يحدث في فلسطين والعراق وسوريا واليمن وغيرها بتواطؤ ودعم ظاهر وخفي من قبل أنظمة ديمقراطية لا يشكك أحد في ديمقراطيتها. فهل ينهض ذلك دليلا على التبرؤ من الديمقراطية وكل ما يأتي منها؟ إن ظلم بعض الناس لا يبرر الإعراض عن المبادئ النبيلة، أو الانتقاص من مراحل تاريخية مشرقة؟

هناك قاعدة هامة تقول “اعرف الحق تعرف أهله”، وقياسا عليها نقول اعرف الفكرة تعرف المؤمن بها من الدعي.

وقد ساءني لما قرأت أن بعض الكتبة يطالبون بالسحب التدريجي لكلمة خلافة من التداول، وهي كلمة نبوية، وحقيقة تاريخية، وبشرى من نبينا صلوات الله وسلامه عليه للأمة بالنهوض بعد الانحطاط، وبالعزة والكرامة بعد تجرع الذلة والهوان زمانا. أي إسلام يبقى إذا تبرأنا مما ثبت منه ليرضى عنا ممن لا يؤمن به أصلا أو يؤمن ولا يملك الشجاعة ليعتز به كما يفعل أصحاب الديانات والمذاهب الأخرى. ولو سلمنا بهذه الدعوة، فكم من الأحاديث والآيات التي سنضطر لسحبها؟ وهل بعد ذلك سيبقي من الدين الذي أنزل على سيدنا محمد رحمة للعالمين شيء؟

بعض الشعوب تعلقت بأحلام وحولتها إلى حقائق، ووقف مارثن لوثر كينك ليحدث الجماهير في خطاب شهير له عن أحلامه بالحرية والمساواة ثم سرعان ما تحولت تلك الأحلام إلى واقع. ونحن معنا إخبار من المعصوم صلوات الله وسلامه عليه الذي لا ينطق عن الهوى ويراد منا أن نقبره لنكرس بذلك اليأس في النفوس ونتحول إلى حطام بلا أمل ولا ماض ولا مستقبل، إنها الهزيمة النفسية. عجيب كيف يفكر بعض الناس ولا يتدبرون مآلات بعض الأفكار التي يدعون إليها.

ألا تعتقد أن على الدائرة السياسية للجماعة أن تأخذ مسافة من مثل هذه التصورات التي تطرحها الجماعة ومنها تصريح السيد العبادي؟ ما هو دور الدائرة السياسية؟

هذا سؤال غريب يفترض أن الجماعة تتبنى تصورا منكرا، ولو كان الأمر كذلك لغادرناها منذ زمان إلى أرض الله الواسعة، ولو علمنا أن للأستاذ محمد عبادي موقفا يناقض تصور الجماعة لما سكتنا عن ذلك. فالجماعة كيان واحد وتستند إلى تصور واحد، وإذا كانت هناك مؤسسات تتمايز في وظائفها، فإنها تتفق في تبني التصور العام المعتمد. والدائرة السياسية هي واحدة من هذه المؤسسات، تتصدى للعمل السياسي بحكم التخصص والوظيفة المنوطة بها، وليست كيانا مستقلا بوسعه أن يسلك طريقا مغايرا لمنهاج الجماعة وتصورها العام.

تتحدثون دائما عن استبداد النظام وتطرحون في مقابله الخلافة أو مفهوم القومة، هل ما زال هذا المفهوم مستمرا في أدبيات الجماعة، وكيف تتعاملون أنتم مع هذا المفهوم داخل الدائرة السياسية؟

نعم نحن نتحدث عن استبداد النظام، ولا نبالغ ولا نفتات، إنما نصف واقعا يعرفه أكثر الناس، ولا يجادل فيه منصف، ويتحدث عنه كثير من الباحثين والمراقبين للشأن المغربي، وتؤكدها السياسات المتبعة التي تنتقد يوميا في وسائل الإعلام بكل أنواعه، وتكرسها وثيقة الدستور وما يتفرع عنه من قوانين وممارسات على أرض الواقع تشهد كلها بطبيعة النظام الاستبدادية، ولكننا لا نقدم في مقابل ذلك، كما تقول، الخلافة، لسبب بسيط وهو أن الخلافة تعني الأقطار الإسلامية كلها، لما يكون قرارها بيدها، ولا يمكن أن تكون أولوية في بلداننا المجزأة المهزومة، وهذا ما تجده في مكتوبات الجماعة إن كنت تريد التأكد أو التفصيل.

ما نطرحه في مقابل استبداد النظام الحالي هو نظام سياسي مغربي، لا تهم المسميات، يكون فيها المغاربة أحرارا في اختيار من يحكمهم ويمثلهم، وتصان فيه كرامتهم وتحفظ حقوقهم، ويتم فيه التداول السلمي على السلطة، وتكون مؤسسات الدولة من حكومة وبرلمان وغيرهما تتمتع بسلطات حقيقية، ويكون فيها القضاء مستقلا، وغير ذلك من المزايا التي تتمتع بها البلاد المستقرة ديمقراطيا، وتتجاوب مع ديننا وثقافتنا وحضارتنا، فهل في هذا المطلب من عيب؟ لا يمكن أن نرضى بأقل من ذلك. وهذا لا يعني أننا نريد أن يتحقق التغيير طفرة واحدة، أو أننا نرفض التدرج، لكن الأهم عندنا أن تتوفر إرادة سياسية حقيقية للإصلاح وأن تكون هناك بداية صحيحة.

ألا ترى بأن الخطاب السياسي للجماعة ما زال يعرف شيئا من الغموض ويخلق تخوفا في المشهد السياسي، ويجعل الجمود هو سيد الموقف؟

خطاب الجماعة السياسي ليس غامضا، ولو كان الأمر كذلك، لما كان لها هذا الامتداد في المجتمع المغربي ومن كل شرائحه. فهل هؤلاء أغبياء لا يعرفون أين يسيرون أو أنهم ممن يستهويهم الـــــغموض ويحبون المغامرة؟ وإذا كان الغموض تقنية مفيدة تجذب الناس، فلماذا لا تستعمله بعض الأحزاب التي أصبحت فارغة إلا من حفنة من المنتفعين، ألأنهم أكثر تقوى وأشد خشية لله؟ الواقع أن هذا التوصيف مجانب للصواب، والذي يقول به إما أنه لم يأخذ الوقت الكافي لدراسة مكتوبات الجماعة وتصريحات مسؤوليها، وما أكثرها، وإما أنه منافس يروج علينا كلاما غير دقيق، والإنصاف بين المتنافسين في هذا الزمان قليل، وإما أنه موصول بالأجهزة الرسمية التي يعرف الجميع كيف تتعامل مع المعارضين، فتخترع التهمة تلو الأخرى للتشويش والتشويه. إننا في الحقيقة نؤدي ضريبة الوضوح وضريبة التجاوب الكبير مع تصورنا ومواقفنا ومسارنا السياسي الذي تؤكد الأيام والأحداث أنه يسير في الاتجاه الصحيح. ولو كان المقام يتسع لذكرت لك العشرات من الأمثلة التي كان بعض الناس يعتبروننا فيها على خطإ ثم تبين لهم صواب ما ذهبنا إليه، وكل ذلك مكتوب وموثق حيال قضايا ومناسبات كثيرة.

سأحاول أن أرجع معك إلى الدور الذي من المفروض أن تلعبه الدائرة السياسية في إنتاج خطاب سياسي يمكن أن يخرج الجماعة من حصارها كما تقولون دائما، هل تعتقد أنكم قادرون على مراجعة مساركم السياسي بعيدا عن الجماعة؟

جماعة العدل والإحسان اختارت أن تكون مستقلة في إرادتها، واضحة في مواقفها، وما فتئت تؤكد في كل مناسبة بأن أصل الداء والبلاء في هذا البلد العزيز يكمن في الفساد والاستبداد، وتؤكد أنه ما لم يتم معالجة هذا الداء العضال فلن يكون لا إصلاح ولا تنمية ولا خروج من الأزمات الخانقة التي يعانيها بلدنا. فهل هذا الكلام غامض؟ ثم لنتساءل هل الحصار المضروب على الجماعة يرجع إلى عدم وضوح خطابها، أم العكس هو الصحيح؟ ومرة أخرى أقول إذا كان خطابنا غامضا وأدى بزعم البعض إلى عزلتنا وعدم تجاوب الناس معنا، فلماذا لا يتركوننا نعمل بحرية؟ ما ضرهم أن نتمتع بحقوقنا في التعبير والتجمع والحركة؟ لماذا لا يتركوننا وشأننا إن كانوا واثقين أن خطابنا يفضي بنا إلى عزلة؟ فهل التضييق والملاحقة التي تستهدف الجماعة منذ التأسيس وإلى اليوم غيرة علينا ورحمة بنا ولمساعدتنا للخروج من العزلة التي ضربناها على أنفسنا لعي في ألسنتنا وعجز عن التواصل مع الناس؟ لنكن جديين، وقليل من الإنصاف يكفي لمعرفة السبب الحقيقي وراء حصار الجماعة.

هناك من حاول أن يشبه تصريحات السيد العبادي وهو يتحدث عن مفهوم الخلافة مع ما تطرحه داعش مثلا، هل يمكن الحديث عن مفهوم واحد للخلافة الإسلامية تشترك فيه داعش مع غيرها من الإسلاميين حاليا، هل لك أن توضح لنا هذا الأمر؟

ليست هذه هي أول فرية يرمى بها الأستاذ محمد عبادي خاصة والجماعة عموما، ولا هي أول حملة تشويه ضد الجماعة للأسباب التي شرحتها، ويكفي دليلا على تخبط أصحاب هذه التهم عدم استقرارهم على رأي، حتى إن منهم من يقول الشيء ونقيضه دون أن يكترث لذلك، أو ربما لأنه لا يريد، فمرة يقولون إن الجماعة تدعو إلى العنف، ومرة يقولون إنها بالغت في السلمية حتى أصبحت كثلاجة مانعة للشباب من الانتفاض لفرض التغيير الذي تحتاجه البلد، ومرة يقولون إنها وراء الاحتجاجات التي تخرج هنا وهناك، ومرة يقولون إنها مجرد زاوية عصرية، وهلم جرا.. وهكذا تتغير التهم والمواقف حسب الظروف أو التعليمات أو المزاج والله أعلم بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. أما معنى الخلافة الذي تسأل عنه ففي ظني أنه معلوم لدى كثير من المسلمين، لاسيما المطلعين على إسلامهم وحضارتهم من مظانها الصحيحة، وليس من مكتوبات الماكرين قديما وحديثا. الخلافة مضمون قبل أي شيء آخر، وليست شكلا جامدا. الخلافة عدل وشورى وحفظ للكرامة الآدمية واختيار حر للحاكم وتوزيع عادل للثروة، أما الشكل فإن الإسلام لم يلزمنا بشكل معين، وإنما ترك ذلك لاجتهاد المسلمين حسب ظروفهم وزمانهم. ولذلك فبأي طريق تتحقق تلك الأهداف فذلك هو المقصود. ولسنا ممن يستهويه الدخول في معارك جانبية لا طائل من ورائها. ومن القواعد المشهورة أن العبرة للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.

صحيح أن مصطلح الخلافة قد تعرض لتشويه فظيع، وليست داعش هي أول من اختطفه وشوه معناه. فقد فعل تلك الفعلة قبلها ملوك وأمراء وسلاطين كثر ليضفوا على حكمهم شرعية يعلمون أنها لم تكن متوفرة بسبب التغلب والتسلط على رقاب المسلمين بغير مشورة ولا رضى منهم. ولكن التميز بقي قائما بين الخلافة التي تعني أن الحكم شورى بين المسلمين وبين الحكم القائم على نحلة التغلب والوراثة.

و على كل حال فالذي يعنيني هنا هو التأكيد على أنه ليس من المعقول الزهد في فكرة إن كانت نبيلة بحجة أن بعض الناس انتحلوها زورا وشوهوا مدلولاتها. فهذا لا يقول به عاقل. وقد بينت لك من قبل فساد هذا منطق الذي لو سلمنا به، لكان لزاما أن نعرض عن كثير من المبادئ القيمة التي أسيء فهمها أو تطبيقها من قبل بعض المنحرفين والغالين.

بعيدا عن هذا النقاش مع قرب الاستحقاقات التشريعية القادمة، هل تفكرون في الدخول إلى هذه الانتخابات؟

وهل تحسب أن الباب مفتوح للجميع والدخول ممكن لمن يريد؟ وهل يخفى عليك أن الأمر مسيج بإحكام ولا يمكن أن تلج إليه إلا إن أبديت استعدادا لتغيير جلدك أو قبلت بزاوية مظلمة ودور هامشي لتبقى اليد الطولى والكلمة الفصل لمن بيدهم القرار الحقيقي، وهم كما يعلم الجميع خارج مؤسسات الواجهة من حكومة وبرلمان وغيرهما، فالسؤال ليس هل نفكر في الدخول إلى الانتخابات، ولكن هل الدخول ممكن، وإن كان ممكنا فلأي هدف؟ فإذا كان الهدف هو الإصلاح والتغيير، فقد رأينا من خلال الحكومات المتعاقبة أن ذلك غير ممكن لغياب الإرادة السياسة ولعوائق دستورية وقانونية تتحكم في مخرجات العملية الانتخابية برمتها، وبالتالي فإنه يتعذر انبثاق خريطة سياسية معقلنة تفرز حكومة منسجمة وقادرة على تنفيذ برامجها. إذن فما الجدوى من الدخول، اللهم إذا كان الهدف هو الدخول من أجل الدخول أو لتمكين بعض الأفراد من تحسين وضعهم الاجتماعي.

لماذا تضعون الشروط للمشاركة في العمل السياسي؟

لا نضع شروطا، وإنما نريد أن يكون للمشاركة في العمل السياسي معنى، وللانتخابات جدوى، كما هو الحال في البلاد التي تحترم شعوبها. إني أقرأ في الصحافة المغربية الورقية والإلكترونية انتقادات كثيرة للوثيقة الدستورية وللقوانين الانتخابية التي تكرس البلقنة، وتفضي حتما لتحالف هجين، وتترك هامشا ضيقا جدا للحكومة والبرلمان، مما يتعذر معه القيام بوظيفتهما الحقيقية. فماذا تنتظر منا والحالة هذه؟ هل المطلوب هو أن نلغي عقولنا، وندوس على مبادئنا، ونقبل بمشهد عبثي، وأن نزكي الاستبداد ونساهم في الترويج لوهم الإصلاح؟

ما هو تقييمكم للمشهد الحزبي والسياسي عامة، وهل أنتم راضون على أداء حكومة عبد الإله بن كيران الذي تقتسمون معه المرجعية الإسلامية؟

المشهد الحزبي والسياسي عامة محزن، ويشكو من أعطاب بليغة. لا نحس أن هناك إرادة حازمة للإصلاح، هناك كلام يقال وشعارات عريضة، ولكن الواقع شيء آخر. وهناك معارك هامشية تستهلك فيها الجهود، بينما الأسباب الحقيقية لأزماتنا لا يقترب منها إلا القليل وأقل من القليل، وعلى رأسها مشكلة احتكار السلطة والثروة. أما تقويم أداء الحكومة فقد كفتنا تلك المهمة تقارير محلية رسمية وأخرى دولية، فضلا عن المعاناة اليومية التي يكتوي بلظاها أكثر المغاربة في السوق والإدارة والمستشفى والمعمل وفي التعليم والسكن والشغل وفي سائر المجالات. إني لا أقول إن الحكومة لا تتوفر على كفاءات، أو ليس فيها من يريد الإصلاح، ولكنها مكبلة عمليا بشروط مكتوبة وغير مكتوبة، والعيب هو أن تقبل بتلك القيود التي قلصت حريتها إلى أبعد الحدود، وأن تعد مع ذلك بمحاربة الفساد وإنصاف الفقراء والمحرومين وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المأزومة وغير ذلك من الوعود التي بذلت بسخاء غداة الانتخابات. فإن كانوا وعدوا ثم اكتشفوا أنهم كانوا حالمين وغير واقعيين، فتلك مشكلة، وإن كانوا قد قدموا وعودا وهم يعرفون أن احتمال الوفاء بها ضعيف جدا فالمشكلة أعظم.

هل يستمر خطابكم السياسي مستقرا ولا يتفاعل مع بعض المتغيرات التي طرأت على الساحة وبالنظر للتحديات التي تواجه المغرب في ملف كالصحراء مثلا، هل سنتوقع أي جديد في هذا الإطار؟

نحن نتفاعل مع الأحداث بشكل متواصل، ونعبر عن رأينا كلما عنت لنا الفرصة، وما فتئنا ننبه إلى المخاطر التي تحيط ببلدنا. وقد ذكرنا غير ما مرة بأن أفضل السبل لمواجهة هذه التحديات هو تحصين الجبهة الداخلية وتقوية التماسك المجتمعي، وذلك بإقرار العدل في الحكم والعدل في توزيع الأرزاق، وصون الحقوق والحريات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وفتح المجال للمغاربة لتكون لهم الكلمة المحترمة والنافذة في تدبير شؤونهم. للأسف الشديد لا يزال العناد هو سيد الموقف، ولا يزال الإعراض عن دروس التاريخ قديمه وحديثه هو السمة الغالبة. ربما تفيد هذه السياسة النظام كما يشير العلامة ابن خلدون، في كسب أعوام إضافية، ولكنها لا تفيد في تأجيل إلى ما لا نهاية المصير المحتوم الذي عرفته دول وأنظمة كانت ثم بادت لما طغت في البلاد، وتحدت سنن الله الكونية، ولم تستفد من الحكمة البشرية. وما ربك بظلام للعبيد.