لهذه الحضارة أربع خصائص أساسية، وهذه الخصائص تقوم الحضارة بتسويقها ودعمها وترويجها وإخلاء السبل لها وإزالة الموانع عنها، في المقابل تبخس أضدادها وتحط من شأنها وتصغرها أمام الناظر والسامع، وذلك من طبعها وليس غريبا عنها ما دامت مغروسة في أرض المساق، فهي تدفع ما استطاعت – وبكل حولها وقوتها – رياح السياق. أعني أن المساق الشيطاني يدفع السياق الإيماني ويعاديه ويضطهده.

الخاصية الأولى: تسويق الوهم

الوَهْمُ: من خَطَراتِ القلب، والجمع أَوْهامٌ، وللقلب وَهْمٌ .وتَوَهَّمَ الشيءَ: تخيَّله وتمثَّلَه، كان في الوجود أَو لم يكن. ويقال: وَهِمْتُ في كذا وكذا أي غلِطْتُ، والتُّهَمةُ: أصلها الوُهَمةُ من الوَهْم، واتَّهَمَ الرجلَ وأَتْهَمه وأَوْهَمَه: أَدخلَ عليه التُّهمةَ أي ما يُتَّهَم عليه، واتَّهَم هو، فهو مُتَّهمٌ وتَهيمٌ 1 .

الوَهْمُ: من خَطَراتِ القَلْبِ، أو مَرْجُوحُ طَرَفَيِ المُتَرَدَّدِ فيه. ج: أوهامٌ، والطريقُ الواسعُ، والرجُلُ العظيمُ، والجَمَلُ الذَّلولُ في ضِخَمٍ وقُوَّةٍ 2 .

قال الأَزهري: الحَدْسُ التوهم في معاني الكلام والأُمور؛ بلغني عن فلان أَمر وأَنا أَحْدُسُ فيه أَي أَقول بالظن والتوهم. ومن سنن العرب: التوهم والإيهام وهو أن يتوهم أحدهم شيئا ثم يجعل ذلك كالحق منه كقولهم: وقفت بالربع أسأله 3 . ويقولون: كذب الرأي أي إذا توهم الأمرَ بخلاف ما هو به 4 .

الوهم والتوهم والظن والزعم والتخيل والتخمين معان متقاربة تفيد تصور الشيء على غير حقيقته، ومن التخيل الخيلاء أي التكبر: بما يتوهم الشخص أنه أفضل من غيره وأكثر قيمة، كتوهم إبليس أن النار أفضل من التراب.

خاصية التوهم لدى حضارة السوق تتخذ شكلين أساسين: الحسم والتعزيز.

أ‌. الحسم

يقتضي هذا الشكل القبول بالمعتقدات والتصورات المتخيلة والمتوهمة على أنها حقائق مسلمة وأنها حسمت بدلائل قطعية علمية لا مجال للتراجع عنها. وهذه تشمل الأسئلة الأبدية كأصل الإنسان ومصيره بعد الموت والآخرة والدين والأخلاق والعلم والتاريخ والطبيعة والسلوك الاجتماعي والنظام السياسي واقتصاد السوق وغيرها من المعتقدات التي يتحكم من خلالها أبناء الحضارة في مصائر البشرية.

طالع أيضا  سوق الحضارة وحضارة السوق (4)بإزاء القرآن والسنة

هذه حقائق علمية أثبت الزمان وتقادمه نجاعتها فلا مجال للتردد، ولا للتشكيك، ولا للتساؤل أصلا! وكل من يحاول التشكيك أو التفنيد أو التأكد فهو رجعي متخلف في أحسن الأحوال! أو يقصى من معاهد السوق وجامعاته! أو يدعى إلى محاكم معاداة “السامية” وتزوير التاريخ! وما المقصود من “السامية” إلا معاداة الصهيونية! وما حماتها إلا حماة السوق! هم الجلاد وهم الضحية!!

في المقابل يجب تبخيس الأسئلة المصيرية والغايات والإيمان بالله واليوم الآخر والغيب والحديث عن الأخلاق وعن أصل الإنسان والكون، هذه مواضيع ميتافيزيقية لا ينبغي أن يشتغل بها الإنسان الحديث! مواضيع يجب أن يضيق عليها الخناق وأن تمشي في الظلال المعتمة، وإن كان لابد منها فياهلا بها تراثا تاريخيا، وثقافة شعبية، وفضولا فكريا! تنبري بعض المؤسسات لتمويله وإرضائه ودمجه في السوق! فالسوق لا يقصي أحدا!

إننا أمام جبرية حديثة حداثية تجبر الناس على الإيمان بها دون شروط بما تستفز الناسَ بإعلامها ومجلاتها ومختبراتها وجامعاتها ومنابرها السياسية وشركاتها العابرة للقارات. هي إذن عقلانية مسلحة بجميع أنواع الحسم والاستئصال.

ومن الأساليب المعتمدة في الحسم:

– الحياد والموضوعية: العقلانية الجبرية توهم الناس أنها تعتمد الحياد والبحث العلمي الموضوعي، وترتكز على الحس والعقل، والمعرفة من أجل المعرفة والابداع…

– التقليد: يجتهد المجتهدون في المختبرات العلمية ومعاهد الأبحاث والدراسات والمراصد المدعومة أصلا من السوق فيُصْنَع العلم كما تصنع البضاعة ويخرج إلى المستهلكين فيقلدون ويتقيدون بفتوى المجتهدين أصحاب الزمان. فتنشأ أسطورة الإطار التي تحدث عنها كارل بوبر 5 .

– الشك المصنوع كما يسميه أنطوني جدنز 6 : يعني صناعة التشكيك في المخاطر المحدقة من جراء التطور العلمي والتقني وحرية السوق، يعني مزيدا من التحرر من القيود الأخلاقية!

ب‌. التعزيز

أي تعزيز “الاطمئنان الزائف” والارتياح والسعادة وفرض الأمر الواقع وأن البدائل غير ممكنة وأنها ليست بأفضل مما هو كائن. “نهاية التاريخ” نموذج تسويقي لهذا المساق!

طالع أيضا  سوق الحضارة وحضارة السوق (2)المساق الشيطاني

ويعتمد هذا الشكل على أسلوبين جديرين:

– الإيهام أو ذاتية التحقق: أتنبأ بالحدث ثم أراوغ وأجتهد لكي يتحقق كما تنبأت به فينخدع الجمهور) 7 ، بمعنى لابد أن أكون باحثا أكاديميا ألمعيا أتنبأ بالحدث ولا يكفي ذلك حتى أتقن فن التحريش الإيديولوجي وفن الخداع وفن التسويق!

– القابلية للهيمنة: بما أنه لا إكراه في الدين! فلا بد من ابتكار طريقة للهيمنة أكثر قبولا وارتياحا من لدن الجمهور! ولا بد لهذه الهيمنة أن تصبح ضرورة في حياة الناس لا يمكنهم الاستغناء عنها بأية حال! بمعنى أكثر تدقيقا إعادة دمج الافراد في المجتمع دمجا ناجحا وتقوم الثقافة بدور فعال لتسويق هذا الهدف، فتصنع الثقافة أيضا – كما يصنع العلم – فتقدم “حاجات زائفة” لإشباع رغبات زائفة تعتمد صناعة الثقافة هي بدورها أسلوب التشويه والتضليل والتزييف لتصوير حقائق زائفة 8 .

لقد طور أصحاب مدرسة فرانكفورت مفهوم الهيمنة وكيف يتم إشعار الناس بالأمان و”الاطمئنان الزائف”، فيتم توحيد المواصفات القياسية لمنتجات الثقافة، حيث تحاول جميع وسائل الثقافة (سينيما، تلفزيون، أفلام، أخبار، أغاني، فلكلور،… ) التركيز على بث الدعة والاطمئنان، في الوقت ذاته تبدو على هذه المنتجات النمطية مسحة فردية زائفة بحيث تترك انطباعا بحرية الاختيار. ثم يتحدثون عن مفهوم الحاجة إلى الهيمنة أي لابد من سمات معينة لا تكتفي بمجرد الاستجابة للهيمنة بل تبحث عنها وتعتبرها ضرورة حياتية 9 . وهو نفس ما يسميه أنطوني جدنز الاستجابية الآنية الاجتماعية) 10 لكن ليس بحدة نقدية بل يعتبرها أمرا إيجابيا.


[1] لسان العرب ابن منظور.\
[2] القاموس المحيط.\
[3] المزهر في علوم اللغة وأنواعها السيوطي.\
[4] التوقيف على مهمات التعاريف المناوي.\
[5] أسطورة الإطار في الدفاع عن العلم والعقلانية كارل بوبر ترجمة ذ. يمنى طريف الخولي سلسلة عالم المعرفة ع292.\
[6] بعيدا عن اليسار واليمين: مستقبل السياسات الراديكالية، أنطوني جيدنز ترجمة شوقي جلال سلسلة عالم المعرفة ع286.\
[7] الإسلام والحداثة ص 44 عبد السلام ياسين.\
[8] انظر مفهوم الهيمنة عند كل من Herbert Marcuse ,Theodor Adorno (أصحاب مدرسة فرانكفورت).\
[9] انظر كتاب النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس إيان كريب، ترجمة محمد حسين غلوم سلسلة عالم المعرفة ع 244.\
[10] بعيدا عن اليمين واليسار مصدر سابق ص 14.\