الشباب هي تلك المرحلة المتدفقة نشاطا وحيوية في عمرنا، هي المرحلة الوسط في حياتنا، ودائما وسط الشيء هو أقواه، حيث قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً، يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ 1 . وفي جميع التفاسير نجد أن القوة في الآية يقصد بها مرحلة الشباب. ونجد في القرآن والسيرة النبوية قصصا عديدة تبين مكانة الشباب في الإسلام. ويوم القيامة سيسأل كل منا أيضا عن شبابه، فكيف نتعامل مع هذه المرحلة العمرية؟ كيف نغتنمها لنُجيب عن السؤال الأكبر: “عن شبابه فيما أبلاه”، وليكون الجواب كما نرتجي، جوابا يرفع مقامنا في الجنة بإذن الله عز وجل.

للإجابة عن هذا السؤال يجب الاهتمام بالتربية الإسلامية الإيمانية الإحسانية، وهي أكمل مراتب التربية وتشمل ثلاثة جوانب:

1. الإحسان في العبادة بـ“أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”، وهذه التربية تدخل في إطار إعلاء عباداتنا إلى درجة شبه مثالية، فالتربية أفضل ما يمكن البدء به للشباب، التربية العباداتية الإحسانية، فبها تسهل استقامة الشاب.

2. الإحسان بمعنى البر بالوالدين وذوي القربى والناس أجمعين، والمعاملة بالرحمة والرفق وما إليهما من الأمور التي تجعل الشاب يرقى في تعامله مع الآخر.

3. الإحسان بمعنى الإتقان، ويدخل في إطار الأعمال اليومية، ومنها، بالنسبة للشباب، العمل بجد لتحصيل العلم الذي هو جهاد مرحلتهم. ثم الإتقان في جميع المهمات الموكلة إليهم بعد ذلك وأثناءه.

هذه الجوانب المنبثقة من منبع التربية الإحسانية هي من أهم الركائز التي يجب أن تكون من البداية في حياة كل الشباب. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف؟ وهل في ظل ما نعيشه اليوم من إكراهات يمكن الوصول إلى هذه المطالب الإحسانية؟

أكيد أن عقبات كبرى تحول دون ذلك، وقد ذكر الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله أهمها: النفس، الدنيا، الشيطان وقرناء السوء. وهذا الترتيب لم يأت عبثا، فقد قال الإمام المرشد: أشد الأهوال مظلمات النفس). منه نفهم أن ترتيبه هذا كان لسبب ولم يكن عبثا. فالنفس هي من أشد العقبات، فهي أخبث من سبعين شيطانا، وهناك من النفوس، أعاذنا الله وإياكم، تتساوى وإبليس في خبثها. ثم تأتي بعد النفس فتن الدنيا ومتاهاتها التي لا تنتهي، يأتي بعدها الشيطان، فان أُفسح الطريق للشيطان عن طريق النفس وفتن الدنيا فلا شك أنه سيقبل على الإنسان بشتى الأساليب. ونأتي إلى قرناء السوء الذين ما إن يلتهي الإنسان بدنياه حتى يبحث عن مصاحب له في تيهه، ولعله يكون أشد منه تيها.

فالتربية الإحسانية للشاب، إذن، تستلزم منه الانتباه وأخذ والحذر من هذه العقبات التي ليس سهلا عليه اقتحامها، فإن هو أراد اقتحامها وجب عليه تجديد نية القرب من الله عز وجل، وملازمة رفقاء صالحين يستعين بهم على وسوسة الشيطان وفتن الدنيا وهواجس النفس، ليفوزوا جميعا بسعادة الدنيا والآخرة بما يتعاونون على العمل الصالح عبادةً وبِراً وإتقاناً..


[1] الروم الآية 54.\