مقدمة

ليست الأحداث المعيشة في عالمنا العربي اليوم وليدة انتكاسة ما سمي بالربيع العربي، ولا هي ردة فعل مجردة من طرف “الثورة المضادة” وتحالفها مع القوى المناهضة للتغيير فقط، ولا هي نتيجة تحكم عناصر المؤامرات الخارجية في مفاصل حركة المجتمعات العربية وأجهزتها الرسمية.

هي هذه العوامل مجتمعة في لحظة تاريخية لم يكن العرب في مستواها، لأنهم لم يتوفروا على الوسائل الحقيقية والمواقع المناسبة لقراءتها بالشكل الصحيح لبناء الحركة الصحيحة.

هي، باختصار، نتيجة طبيعية لتدحرج الأمة قرونا من الزمن بين سياقات الانكسار التاريخي منذ الانقلاب الأموي البشع على نظام الحرية والعدل والكرامة؛ نظام القوة والوحدة والاستقلال.

هي، باختصار، نتيجة طبيعية لتحالف آثار الانكسار ومخلفات الاستعمار في كل المجالات؛ المعرفية والثقافية والسياسية والاقتصادية والمالية والتربوية والتعليمية، وغيرها.

هي، باختصار، نتيجة طبيعية لسجن أنظمة التفكير والاجتهاد وبواعث الإرادة ضمن معتقلات الانكسار التاريخي؛ هذا الحدث المؤلم جدا، الذي نتألم اليوم جميعا بشظايا انفجاراته عبر تاريخنا الطويل.

السؤال: هل بعد هذه الانهيارات الكبرى للدولة والمجتمع في عالمنا العربي، وبعد هذه المآسي والجراح، وبعد هذه الإخفاقات في السياسات الوطنية والدولية، وبعد هذا التمزق العلومي الذي جعل منا “كنتينوهات” مغلقة، يقاتل بعضها البعض، ويسفه بعضها البعض، ويحتكر البعض حياة البعض فيحرمه من حق الوجود، وبعد هذا الاستعمال البشع والخبيث لأنواع السلاح في فتك البعض بالبعض، هل بعد كل هذا أمل في النهوض والحياة من جديد؟

حيا الله رجال المقاومة في فلسطين، فهم بلسمنا في الحد من غطرسة الصهاينة الميدانية في فلسطين، أما غطرستهم في ميادين أخرى ففي قلب كل مآسينا لما لم نكن في مستوى اللحظة التاريخية لأمتنا.

نهاية الحرب سياسية عندما تصبح مأساوية

لم نكن في مستوى اللحظة التاريخية، علميا وعمليا، فكنا ضحايا أحداث ليس لنا القدرة على مواجهتها أو صناعة ما يوازيها ويقاومها ويغطي على آثارها من أحداث.

لم نكن إلا ردات فعل غاضبة، وردات الفعل، دوما، لا تصنع تاريخا ولا تسمح بفسحة فهم الأحداث التاريخية وفقه مآلاتها، فضلا عن القدرة على صناعة قواعد مقاومة آثارها القريبة والبعيدة.

بلغت المؤامرة الخارجية مداها، وبلغت دركة الضعف مداها، فحصل الانهيار عند أول رجة كبيرة، ولم يبق إلا السلاح للدفاع عن النفس، فصارت القضية كلها في الدفاع عن النفس!!!

تمترس الكل في مواقعه الضيقة، وحمل السلاح دفاعا عن النفس، كما يعتقد، لكن المؤامرة دخلت حتى جحور النفس ودمرت وتدمر، ومزقت وتمزق. فلم يبق أمام الجميع إلا خيار إلقاء السلاح، لأن الجميع سينهي الجميع، وساعتها سيحتفل الجميع غير الموجود ولا الظاهر في ساحات المعارك، بالانتصار على “الإرهاب”، يومها سيظهر أن هذا المنتصر لم يكن معلوما في واقع الحرب والقتال الدائرة، بل كان في عمليات استحمام مريحة طويلة يستريح فيها من تعب عقود، وربما قرون، مسح فيها الميادين وعرف الخريطة وفهم الطبيعة ودرس النفوس والمعارف والثقافات والتاريخ والجغرافيا.

إنه يراقب من مواقع الاستحمام مجريات الأحداث وسيتعد للحظة النصر المبين.

في التاريخ يُنهي الحروبَ السياسيُ لا العسكري، هذا لما تكون أطراف الحرب معلومة، أما إذا كان الكثير منهم مجهول الهوية والقصد، فكيف ستنتهي هذه الحرب المدمرة؟

سيتجه الجميع في هذه اللحظة إلى اعتماد مزيد من السلاح وشدة الحرب والقتل، لأن هذا هو وسيلة إنهائها، لأن اشتداد الحرب ينتج خسائر إنسانية فظيعة تؤلم الضمير، فيؤدي هذا إلى هزيمة طرف لأنه سيتعرض، خاصة المدنيون منه، لخسائر مروعة تذهب به إلى حد الاستسلام لإيقاف سفك الدم وتخريب الأرض.

لكن السؤال يبقى معروضا، من في هذه الحرب الدائرة في وطننا العربي اليوم يمكن أن يتأثر بهذه الجرائم ضد الإنسانية ويوقف الحرب حتى ولو أدى ذلك إلى استسلامه الكامل؟

ما تثبته الصور والأحداث والتصريحات أن المتحاربين جميعهم يتلذذون بقتل البشر، ولأنهم يتلذذون بهذا القتل فهم ينوعون أشكال البطش والتنكيل ويصورونه ويعلنونه على العالم بتقنيات عالية، وهناك أطراف فُرضت عليها الحرب ولا خيار لها إلا القتال حتى آخر رمق.

من يقتل بالسكين يبدع في التصوير البالغ التأثير. ومن يطلق الصاروخ يبدع في تصوير لحظة إطلاقه من أعالي الأعالي ليرى الجميع فعله في الناس، خاصة النساء والأطفال والعجزة.

نعم، إننا لم نكن في مستوى اللحظة التاريخية، فها نحن نؤدي ثمن عجزنا وضعفنا وتمزقنا.

باختصار: ما نعيشه انهيار مدوي لأنظمة سياسية واجتماعية قادت ما بعد الاستقلال الصوري عن الاستعمار، وهو ضياع كبير لرصيد شعوب قاومت من خلال رجالها المستعمر واضطرته لمغادرة الأرض، وفي نفس الوقت انهيار مروع لمنظومة القيم التي أطرت هذه اللحظة وقادت السياسة فيها وبنت العلاقات بين الأمم والدول والشعوب.

إن هذه الانهيارات مؤشر واضح على حجم الانهيار الضارب في الأنظمة الدولية ومؤسساتها العاجزة عن إيقاف جرائم بشعة ومروعة في حق الإنسانية، ودون مراوغة في حق المسلمين.

اجتمع الغرب يوم قامت حرب بشعة بين أطرافه، في القرن الماضي، وأوقف هذه الحرب ونهض، وفي ظرف زمني قياسي حقق انتصارات كبرى في مجال العلوم الكونية، وفتح الله عليه من أبوب كل شيء.

لكن هذه الحرب الضارية اليوم إنما هي نتيجة طبيعية لاستراتيجياته اتجاه منطقة غادرها مُكرها، وزرع فيها الكيان الصيهوني، بعد هزائمه الكبرى أمام إرادة شعوب عزلاء إلا من اجتماع كلمتها على حتمية حريتها واستقلالها، ووضوح هدفها في الباب وإصرارها على ذلك.

قاتلت هذه الشعوب على أرضية معنوية صلبة وواضحة وحققت الانتصارات مع تفاوت صارخ في موازين القوة المادية.

من هنا يبرز ثقب صغير يمكنه أن يصير بابا عظميا لإنهاء مأساتنا القائمة، والطريق طويل وشاق، لكن الله يطويها كيف شاء وبما شاء إذا توفرت شروط الطي، ومنها القيام بالواجب واستفراغ الوسع فيه ثم لله الأمر من قبل ومن بعد.

القوة المجتمعية قاعدة التحرير وأرضية البناء

أفق الحرب واستعمال السلاح

يعتقد الكثير أن “تنظيمات القاعدة” إذا خسرت الأرض فذلك هزيمة لها، لكن ما يؤكده تتبع خطابات قياداتها أنها لا تخوض حرب تحرير حقيقية، بقدر ما أن استراتجياتها العسكرية تراهن في هذه المرحلة على الاستنزاف الكبير للأنظمة الغربية والعربية عسكريا وفق نفس طويل نتيجته توفير شروط الهزيمة الكبرى أو صناعة توازن الرعب الذي يسمح لها باستثمار وجودها على الأرض.

إنها استراتيجية قادرة على استيعاب ما يمكن أن يتصوره البعض هزائم حقيقية لهذه التنظيمات وخسائر بشرية وميدانية.

لذلك، فهذه التنظيمات لا تراهن على العمل العسكري التحريري في هذه المرحلة، بقدر ما تراهن على العمليات في العمق الغربي وفي العمق العربي تجاه أنظمة معينة، وأن الأرض بالنسبة إليها موقع إعداد لا قيام كيان سياسي مجتمعي، وهو ما يجعلها قابلة بكل أريحية لفقدان الأرض والحفاظ على عناصرها ما أمكن، لا تستسلم لكنها قابلة لفقدان الأرض.

وهو ما يعني عسكريا أن حربها طويلة وعملياتها مستمرة، وأنها لا تراهن على واقع مجتمعي يحتضنها، وهو ما يعني أنها لن تتشبث بخلافة البغدادي أرضا وإن تشبثت بها رمزيا.

كما أن إيران وحلفاءها ستحرص على استثمار هذه اللحظة وتذهب بعيدا من خلال عملها العسكري الذي راهنت فيه على امتدادها المذهبي والثوري في بعض الدول، كالعراق ولبنان وسوريا واليمن، وذلك أن هذه الفرصة مواتية لتحقيق أهدافها الثورية الخاصة لما عجزت عن تصدير الثورة فيما سبق.

إن إيران الثورة اليوم، على الرغم من الأزمة التي تعيشها، في أزهى لحظات تصدير الثورة حيث المناسبة مواتية لاستثمار آثار انتصارات حزب الله اللبناني خلال حروبه مع الكيان الصهيوني.

ولذلك لم تصل إيران إلى لحظة أن تكون هذه الحروب ضاغطة عليها لتضطر إلى عدم المشاركة فيها، بل العكس هو الحاصل اليوم كما يظهر في اليمن والعراق وسوريا، وهو ما يفسر قبولها وحلفاءها بحجم الخسائر المادية والبشرية في هذه الحروب التي راهن بعض العرب عليها للي ذراع إيران وإرغامها على تسوية معينة، وهذا من سوء تقديرهم للواقع السياسي والعسكري وأبعاده المحلية والإقليمية والدولية.

أما الغرب، بما فيه روسيا، فهو كذلك مستفيد بشكل كبير من هذا الوضع الذي تتحقق فيه بالنسبة لأمريكا وحلفائها استراتيجية الفوضى الخلاقة، وبالنسبة لروسيا فرصة العودة إلى امتلاك عناصر قوة ومواقع تأثير في الواقع الدولي سياسيا واقتصاديا، واحتلال مجالات التأثير المباشر في العلاقات الدولية.

وهو ما يعني أن الغرب، بما فيه روسيا، ليسوا معنيين مباشرة، في هذه اللحظة، بإيقاف الحرب، لكن السؤال: هل إذا أوقف الغرب تدخله العسكري المتنوع في المنطقة سيستطيع العرب والمسلمون المتقاتلون إيقاف الحروب فيما بينهم؟

لا يظهر في المدى القريب أن هناك مؤشرات إيجابية إلا إذا توفرت شروط الحسم الثوري، كما كاد يحدث في الواقع عندما فرض النظام السوري على ثورة الشعب، بعامل العنف البشع الذي مارسه عليها، أن تتحول إلى عمل مسلح حيث كاد الثوار أن يطبقوا على دمشق والأسد لولا تدخل إيران وروسيا.

فالواقع أن لا أحد له رغبة حقيقية في إيقاف الحرب، لذلك لما طال أمد الحسم العسكري في سوريا فُتح الباب واسعا أمام تنظيمات القاعدة وأفكارها لتخترق هذا العمل المسلح وتغير اتجاه الثورة ومضمونها؛ فكانت خسارة عظمى للشعب السوري والأمة العربية، وهو ما شجع أطماع “الثورة المضادة” في باقي البلاد العربية لتنقض على أي معنى ثوري، وتجرأت على القمع بشكل بشع وعنف “هستيري”.

نخلص إلى أن أفق الحرب واستعمال السلاح، ولو بحس ثوري صادق، لن يكون طريق الحرية في واقعنا العربي، ولن ينهي الحرب، لأن الكل سيتسلح، والكل سيضطر للقتال، والكل أجزاء مبعثرة لا جامع لها، لذلك سيولد القتال قتالا، والحرب حربا، وهكذا سيتناسل العنف والحرب ويتكاثر زعماؤها.

حيا الله رجال المقاومة في فلسطين؛ عرفوا إلى أين يجب أن توجه البنادق، ولمن تعلق المشانق، وكيف تبقى اليد على الزناد، لأنهم عرفوا المعنى الحقيقي للثورة المسلحة.

واأسفاه أن يقتل خيرة رجال مقاومة حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني في ساحات سوريا في قتال مع المسلمين، ولم يُقتلوا في ساحات معاركهم العظيمة مع الكيان الصهيوني.

واأسفاه. ولله في خلقه شؤون وفي فعله سبحانه ما لا يعلمون.

القوة المجتمعية طريق الحرية

الشعوب العربية ليست شعوبا “خبزية” أفقها “عدالة اجتماعية” و”ديموقراطية سياسية”. فلو كانت كذلك لكفتها ثورات كان ذلك رهانها وأفقها، لكن ما لا ينبغي تجاله أن هذه الشعوب لها الشعور العميق بكيانها الموحد، وإن مزقته تركة الانكسار ومطامع الاستعمار، وصاحب الرسالة الإنسانية التي غيرت وجه العالم.

لذلك لن يجمعها يوما مجرد بحثها عن “ديموقراطية” و”عدالة” و”رغيف خبز”، فكل من كانت هذه وسيلته في التعبئة فليعلم أن أفقه الثوري مسدود، ولذلك لما رفعت تنظيمات القاعدة شعار “الإسلام” التحق بها الشباب غيرة على الإسلام لا على الحرمان فقط، وهو ما جعل العرب وغير العرب يحجون إلى أفغانستان تلبية لنداء الجهاد، وهو ما يعبئ اليوم “الحشود الشعبية” في العراق واليمن لتقاتل “أبناء اليزيد بن معاوية” انتقاما لآل البيت ودفاعا عن رسالتهم كما يفهم ذلك الشيعة، أو بعض الشيعة، وانتصارا للمستضعفين.

نعم وصلت الأزمة مداها لما صارت الأنظمة السياسية تبطش بعنف لا يُتصور بمعارضيها، ولم يبق إلا خيار الثورة، لكن أية ثورة؟

إن المدخل إلى الحرية في عالمنا العربي اليوم يبدأ بتحديد مفهوم الثورة الواجبة اليوم في ظل هذا الانسداد الواسع أمام حركة الأمة وشعوبها.

ما قلناه منذ عقد ونصف العقد، تقريبا، أن زمن الثورة بمفهومها التقليدي قد انتهى، وأن الرهان عليه رهان على سراب في صيف حار فيه ظمأ شديد.

لذلك كان أول مقال كتبته بعد انتفاضة الشعب المصري في ميدان التحرير وتنحي مبارك كان تحت عنوان: “من زمن الثورة إلى زمن الأمة”، وذلك تعبيرا على أن التعامل في هذه اللحظة التاريخية مع انتفاضة الشعوب بالمنطق الثوري التقليدي ذهاب بها إلى خارج حركة التاريخ تماما، ومن ثمة الدخول بها في حروب لا تنتهي، لأن الثورة بمعناها التقليدي، تاريخيا، ارتبطت بالعنف قبل قيامها وعند قيامها وبعد قيامها، ولا ينهي هذا العنف إلا سيادة منطق الحسم الثوري، وهو إن كان ممكنا في ذلك الزمان، فإنه في زماننا غير ممكن حيث سيخلف انقساما عموديا وأفقيا في المجتمع تسمح له معطيات اللحظة المعرفية التواصلية الإعلامية بأن يصبح حربا طاحنة لا أفق لها ولا سقف لها.

إن الخيار الثوري بمعناه التقليدي في هذا الزمان ذهاب بحركة المجتمع إلى جحيم الاقتتال وسفك الدماء وتشريد الأبرياء بلا حدود، وهذا لا يعني الاستسلام لقوى الظلم والاستكبار والاعتداء على كرامة الإنسان وحقوقه الآدمية، بل يدعو إلى التفكير في بناء خيار آخر غير خيارات الاستسلام الكبير للواقع وقواه المهيمنة، أو الركون إلى منطق العنف الثوري الذي جعلت منه تفاصيل اللحظة التاريخية حربا شاملة لا تبقي ولا تذر.

نعم، قد ينهار الجميع، لكن في النهاية تقوم إرادة الشعوب وتنهض من جديد، لكن ما هو المسلك لتجنب الأمة والإنسانية مزالق الدمار والعنف؟

لذلك يقتضي أن يجيب “مفهوم الثورة التجديدي” على هذا الإشكال: كيف تتحرر الشعوب دون الدخول في حرب لا تنتهي ودمار شامل لا يبقي ولا يذر؟

وهذه أم معارك الأجيال، لذلك فالثورة التي نحتاجها اليوم هي ثورة كبرى ذات مضمون قيمي شامل وعمق فكري إنساني كبير وتهدف إلى بناء نظام سياسي، قطري وعالمي، عادل.

هذه هي الثورة المناسبة للحظة التاريخية المعيشة، والمتساوقة مع رسالة الأمة.

فهي كبرى لأنها مبنية على معنى “القوة المجتمعية” ولها تصور لنظام سياسي متكامل يبنى وفق نظرية سياسية كبرى.

وهي ذات مضمون قيمي شامل، لأنه هو الجواب الحقيقي عن حاجة الشعوب للحرية الحقيقية التي تضمن فيها كل ظروف الاختيار الحر، حيث لا إكراه في الدين، لكن لا مكان للاستكبار والمستكبرين في حياة الشعوب ومؤسساتهم المجتمعية والسياسية.

وهي ذات عمق فكري إنساني كبير لأنها تنظم العلاقة بين أهداف الثورة المادية والاجتماعية وبين مقاصدها الإنسانية المعنوية التي تعطي للفعل الثوري قيمته التاريخية والوجودية.

إن فقد أي فعل ثوري لهذه القيمة الفكرية الإنسانية أو عدم وضوحها يعني السقوط في فخ نوع من الصراع السطحي الذي لا ينتهي لغياب القاعدة المعنوية التي ترجح حسمه.

ففقد القاعدة المعنوية في الفعل الثوري يعني خضوعها لموازين القوة المادية والعسكرية التي لم تعد في هذا الزمان وسيلة حسم ثوري أو عسكري كاسح.

فلا يمكن تصور ما فعله الجيش الروسي في أفغانستان، ومن بعده الجيش الأمريكي، ولا يمكن تصور ما فعله الجيش الأمريكي في العراق وما تفعله الآلة العسكرية في سوريا اليوم، وقبل كل هذا ما فعلته وتفعله الآلة الصهيونية في فلسطين، لكن لم تستطع أن تهزم القوة العسكرية والمادية القاعدة المعنوية في كل هذه المواجهات، خاصة لما تستند هذه القاعدة المعنوية إلى شعب واع بقضيته مستعد للدفاع عنها بالغالي والنفيس.

إن القوة المجتمعية المستندة على منظومة قيم واضحة وعلى عمق فكري كبير مؤهلة لفرز القيادة الحقيقية لمسار التغيير الجذري وتدبير مراحله حتى التحرير، ثم الاستماتة والصمود في البناء الشامل والتعبئة العامة.

عناصر القوة المجتمعية ومهماتها الكبرى في مسار التغيير

ولذلك فالقوة المجتمعية ليست هي التحالفات السياسية، وإن كانت هذه الأخيرة من تجلياتها الطبيعية في لحظة من لحظات الزحف، وليست هي فسيفساء ما يسمى بالمجتمع المدني فقط، وليست هي حركة الأحزاب السياسية في مقراتها، ولا حركة أذرعها النقابية والشبابية في مقراتها أو في الفضاءات العامة فقط، وليست هي تكتل النخبة العالمة أو المثقفة أو المفكرة في ردهات تخصصاتها وأريكات معارفها فقط، وليست هي ضوضاء النخبة السياسية المحترفة التي تشتغل ليل نهار على أفق السلطة ومؤسساتها فقط، وليست هي المعارضة السياسية التي تشتغل ليل نهار على تحقيق التداول على السلطة فقط.

هي كل هذه وغيرها لما تصل درجة الوعي بالذات مرحلة متقدمة في بناء حركة تلقائية صادرة من صلب المجتمع وجامعة لكل أطرافه وفق مشروع مجتمعي مرتب المراحل، ويوفر قدرة كبيرة على استيعاب كل لحظات التغيير ومفاجآته، وله القدرة على فرض تنظيم قوى المجتمع بما يعطي قوة لحركته وتحقيق أهدافه.

ومن كفاية ترتيب مراحل التغيير الوعي بأولوياته، وبالقوى الحقيقية الكامنة في عمق المجتمع؛ المعنوية والبشرية والمؤسساتية، والدفع بها إلى مواقعها الحقيقية في التدافع والبناء.

القوة المجتمعية هي تنظيم حركة المجتمع وفق سيرورة بنائية واعية بالذات ومطالبها وأفقها، وذلك بناء على معنى الاصطفاف المجتمعي لا الاصطفاف السياسي، لأن هذا الأخير إذا لم يكن ثمرة طبيعية للأول يؤسس لغموض شديد ومربك في اللحظات الدقيقة من مسار التغيير، ويحرف عمليات التدافع، ويشوش على مضمونا الفكري الذي هو شرط في القوة المجتمعية ووضوح أفقها الكبير، وقد يضرب في الصميم قاعدتها المعنوية القيمية، لأنه لا يصمد لما يكون في غير سياقه وفي غير زمانه، كما أكدت ذلك جل تجارب التحالفات السياسية.

أن تكون القوة المجتمعية صلب حركة المجتمع فذلك يعني أنها محمية من أن يتسرب لها العنف أو اليأس، لأنها ستفرز بالتلقائية قيادتها الحقيقية التي ستقودها إلى تحقيق أهدافها الثورية، ولأن هذه القيادة حقيقية فلن تساوم ولن تغفل عن هذه الأهداف، ولأنها حقيقية فستكون صادقة مع نفسها ومع مجتمعها وستصارحه بكل الحقائق في كل الدقائق، وهكذا ستجر القوة المجتمعية جميع مكونات المجتمع إلى مواقعها الطبيعية لتمارس مهامها الطبيعية حتى لحظة الحسم مع الظلم والفساد وكل أنواع الاستبداد، ولذلك فهي الملاذ والأمان في لحظات الحيرة والاضطراب وحتى في حالة انهيار الدولة والسلطة.

القوة المجتمعية بهذا المعنى القيمي والفكري والحركي التنظيمي هي الملاذ في كل المراحل وفي كل اللحظات، وبهذا المعنى، أيضا، ستكون القوة الضاربة ولن تسمح بممارسة أي صورة من صور العنف، وستكون لها القدرة على احتوائه وتقويضه مهما كان مصدره.

ولذلك فالقوة المجتمعية في مسار التغيير الجذري لا تنجز عمليات سياسية مجردة إلا في سياق إنجاز العمليات التاريخية الكبرى المفضية إلى تقويض أركان الاستبداد والفساد وعناصرهما ومحاصرتها حتى تحقيق الحرية وبناء النظام السياسي المناسب، كما لا تقبل أي نوع من أنواع الترف الفكري أو الحركي أو السياسي أو الاجتماعي، لأنه إما معرقل لمسار التغيير والإصلاح أو محرف له.

القوة المجتمعية عينها على السلطة لتطهرها من الاستبداد والفساد ومتجهة لذلك مباشرة لا طلبا للسلطة وإنما لتحريرها بإرادة شعبية لصالح المجتمع، لكن أياديها، بوعي كامل وبرفق شديد، تشتغل على تنظيم المجتمع والسهر على أن تتخذ كل قواه أماكنها الطبيعية لتقوم بمهامها الطبيعية في مسار التغيير والتحرير والبناء، لذلك لا تقبل القوة المجتمعية، البتة، من أي طرف أن يقوم بغير مهامه الطبيعية وفي مواقعه الطبيعية، لأن هذا إذا حصل ضياع للجهد وتفريط في المواقع وثغرة كبرى تستثمرها مباشرة القوى المضادة للتغيير والرافضة له والمعادية لمقاصده.

خاتمة

أدخلت الأحداث الجارية في أغلب دول ما سمي بالربيع العربي الوعي والشعور العربيين في حيرة شديدة، وعند البعض في متاهات معقدة وغير محدودة.

كان من أخطر تجليات هذه الحيرة تسرب الشك الكبير في إمكانية التغيير الجذري والإصلاح الحقيقي لمجتمعات دخلت مرحلة الحد الأقصى من التأزم الذي ما بعده إلا الانهيار الكبير.

فهيمنة السلاح على مجريات الأحداث ودخوله في مراحل تبين من الصعب أن تكون فيها القدرة للسياسي على وقف نزيف الحرب والاقتتال بالنسبة للحروب التي لها رؤوس سياسية، أما التنظيمات التي وُجدت للقتل والقتال فلا تعرف نهاية للحرب إلا حينما تصبح جميع أجسام “العدو” ممرغة في الدماء أو مستسلمة على أرض محروقة تماما، وهذا بعيد المنال ومستحيل التحقق في الظروف الراهنة.

لذلك، فلا تفكير في إعادة تجربة مريرة إنسانيا ومعقدة سياسيا وفكريا، وهذا ما أسميه ب”اختيار الاستسلام الكبير” حيث يجد المرء نفسه أمام هذا الخيار الوحيد حتى وإن لم يكن مقتنعا بمآلاته.

فهل هناك باب آخر يمكن الدخول عبره على آفاق الحرية والكرامة والعدل والقوة والوحدة والاستقلال؟

فكريا يجب الاقتناع بأن زمن الثورة بمعناها التقليدي قد انتهى، ومن ثمة فإن الشكل التنظيمي الذي تعتمده لم يعد مناسبا للمرحلة، كما أن أسلوبها الذي لا ينفصل عن العنف لم يعد مناسبا نظرا لتكلفته الباهظة مع غموض شديد في أفقه إذ لم يعد مضمونا تحقيق الأهداف الثورية عبره.

هنا يبرز مفهوم جديد للثورة مضمونا وأسلوبا وهدفا ومقاصد وغاية، وهو ما حرص هذا المقال على بيانه، حيث يجمعه مفهوم “القوة المجتمعية” المستندة على قاعدة معنوية كبرى؛ هي منظومة قيم سامية تشكل ماهية المجتمع وحقيقة وجوده، ولها أفق فكري عميق يغطي جميع مراحل التغيير والتحرير والبناء، ومستوعب لكل مفاجآته، ولها تصور لنظام سياسي متكامل قائم على العدل الشامل، وتتحرك على قاعدة إعادة تنظيم المجتمع حتى يحتل كل طرف موقعه الطبيعي ويقوم بمهامه الطبيعية في تناسق دقيق وتكامل بديع، ومن مقتضيات هذا أن تحارب هذه القوة المجتمعية جميع الأعمال التي قد تشوش على مسار التغيير أو تربكه أو تعرقه.

إنها حركة تلقائية واعية لتنظيم المجتمع ومؤسساته وتصعيد حركته حتى يستلم بإرادته السلطة المغتصبة ويسخرها لخدمته وخدمة قضاياه الوجودية والمجتمعية والإنسانية، وبهذا يمكن فتح آفاق جديدة للتغيير في مجتمعاتنا التي أنهكها الاستبداد والفساد.

وما ينبغي أن يشار إليه في الختام أن القوة المجتمعية بما أنها لا يمكن أن تكون عنيفة، لأنها قوية، فلا يمكنها أن تكون حركة انتقامية، لأنها حركة بنائية مستندة على مفهوم “التوبة الجماعية” الذي يعني الحرص على أن توظف جميع طاقات الأمة الحقيقية دون استثناء في خدمة الأمة وخدمة مصالحها.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين