وعد الحق سبحانه عباده الصالحين، المؤمنين به وبنبيه صلى الله عليه وسلم بأنهم الغالبون لعدوهم، وجعلهم من حزبه، لكونهم المدافعين عن شريعته والمنافحين عن دعوته، لا يخافون لومة لائم في قول الحق ولو أمام سلطان جائر.

سلاحهم إيمانهم بموعود الله وموعود رسوله صلى الله عليه وسلم، وعدتهم ثقتهم في نصره وتأييده وعونه ومدده، وباعثهم ومحفزهم لنشدان الكرامة والعزة والنصر جنديتهم وإيمانهم بقضاياهم المشروعة والعادلة.

ترى ما هي روح ومعنى الجندية التي يجب أن يتحلى بها جند الله؟ وما الغاية من هاته الجندية؟ وما صفات جند الله من خلال عرض لقبسات من السيرة النبوية العطرة وسيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

معنى الجندية في كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله

يتحدث الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في كتابه إمامة الأمة)، عن ثلاثة معان للجندية، فأشار إلى أن المعنى الأول يجيب عن سؤال الكيف، أي كيف يؤم جند الله الأمة، والمعنى الثاني يبحر بنا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ليتحدث عن مظاهر جندية الأمة في عهد النبوة، أما المعنى الثالث فيطرح الواقع الحالي وما ينبغي أن تكون عليه الأمة في المستقبل، وكيف تقود أمة الإسلام المستضعفين في العالم.

يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في كتاب إمامة الأمة: لِطول ما عانت الأمة من تعسفٍ واستبدادٍ فَقَدَتْ حِسَّ المبادرة، وفقدت القدرة على الاستقلال بالفكر والتدبير، جماهيرُ مهزومة أمامَ الفقر والجهل والمرض، أمامَ هم السَّكَنِ، أمامَ الخوف من الحاكم، أمامَ عادةِ الخمول المتجذرةِ، الموروثة… راضون بكل خسف وضيم منصرفون عن الرجولة) 1 .

ويقول رحمه الله أيضا في نفس المرجع مستبشرا وواثقا في موعود الله تعالى بنصر عباده المستضعفين، وبأنهم الغالبون والمؤيدون من قبل الحق سبحانه: من هذا الغثاء يأذَنُ الله سبحانه وتعالى أن تنبعث أمَّةُ الخلافة الموعودة، من تلكم الأنْفُسِ المُنهَزِمة وَعَدَ الله ورسوله أن تتخلّق أسْدُ العرين، وحماة الدين، وهم جند الله) 2 .

الهدف من الجندية

يقول الإمام المجدد رحمه الله في كتابه إمامة الأمة في باب تعبئة المستضعفين: الهَدَفُ من تجنيد العامة وتعبئة المستضعفين إيقاظُ القلب إلى معاني الإيمان، ورفعُ الهمم إلى نُشدان الكرامة الآدمية وكمال الإنسان، ثم إيقاظُ الفِكر من سُبات الزمان، وبَثُّ الوعي السياسيِّ لِيَهْتَمَّ المستضعفون بما يَجري في الحَدَثَانِ. الهدفُ تحريك الساكن فينا، الخاملِ من أحوالنا) 3 .

ويسترسل رحمه الله محفزا وموجها بقوله: إنَّ حديدنا باردٌ، يحتاج مَنْ يُحْميه على نار الحَمَاس، ثم يصُبُّهُ في بُوتَقَة الجندية، ليصوغ منه النِّصالَ النفاذة، ويطرُقَهُ بمطارِق التربية، لتستوي زُبَرُه على ما نريد من استقامةٍ لله، وصمودٍ للجهاد) 4 .

خلاصة الأمر إذن أن الجندية لها معنى وهدف شامل، تهدف إلى تحقيق التحفيز في الحس الإيماني التربوي والحس الفكري السياسي والحس السلوكي الجهادي، حتى يكون لجند الله تدريبٌ بالنهار على الرجولة الفاعلة في المجتمع، وتدريب بالليل على رجولة العبودية لله تعالى.

صفات جند الله من خلال السيرة النبوية العطرة وقصص صحابته الكرام

من صفات جند الله، الالتزام بالتعهدات والشجاعة والقوة والصبر واليقين، يجهرون بالحق لا يخافون في الله لومة لائم، لا ترهبهم كثرة الباطل وتهديداته، ولا تضعف من يقينهم قلة عددهم وعدتهم، متوكلون على الله أقوياء به.

وحتى تتضح لنا الصورة أكثر نورد قصصا من سيرة رسول الله وصحابته رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، للعبرة والاتعاظ والتحفز وبث روح اليقين في نصر الله.

حرص رسول الله صلى الله على الالتزام بالتعهدات والانضباط في المواعيد

وفي هذا السياق نعرض حديثا مرويا عن عبد الله بن أبي الحمساء يجلي لنا كيف كان القدوة المهداة رسول الله صلى الله عليه وسلم ملتزما بتعهداته وناجزا لوعوده، مربيا الصحابة ومن سيأتون من بعدهم من أمته على الوفاء بالالتزامات والتعهدات.

“عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَمْسَاءِ، قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَيْعٍ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، فَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ، فَوَاعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ بِهَا فِي مَكَانِهِ ذَلِكَ، قَالَ: فَنَسِيتُهُ يَوْمًا وَالْغَدَ، فَأَتَيْتُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَهُو فِي مَكَانِهِ، فَقَالَ: “يَا فَتًى، لَقَدْ شَقَقْتَ عَلَيَّ أَنَا هَهُنَا مُنْذُ ثَلاثٍ أَنْتَظِرُكَ””.

صحابيات مجندات حول الرسول صلى الله عليه وسلم

نختار لكم في هذا الباب إحدى الصور الرائعة من صور الجندية والصمود والثبات على المواقف والمبادئ رغم المحن والإحن.

إنها سمية بنت الخياط والدة عمار ابن ياسر وهي أول شهيدة في الإسلام، كانت من أول الستة الذين اعتنقوا الإسلام في مكة بعد الرسول عليه السلام، ذاقت هي وابنها عمّار وعائلتها أقصى أنواع العذاب حتى ترتد عن الإسلام ولكنّها لم تضعف يوماً، وكان يمرّ عليهم الرسول عليه الصلاة والسلام وهم يُعذّبون ويقول لهم: “صبراً آل ياسر، صبراً آل ياسر فإنّ موعدكم الجنة”.

بقيت سميّة ثابتة على موقفها حتى تحت وطأة أشد العذاب، وروي إنّه مرّة واحدة فقط انهالت دموعها، وظنّ جلّادها أنها تبكي ألماً وقهراً، لكنّها كانت تبكي على ابنها عمّار الذي كان يُعذّب أمامها، وكانت تُردّد له: إيّاك والكفر يا عمار) حتى استُشهدت – رضي الله عنها – على يد أبي جهل عندما سمعها تردد أَحَد، أحد، الله أكبر)، ورفضت الكفر، فطعنها في قلبها، وكانت بذلك أول من استشهد من النساء في الإسلام.

لا يهزم جيش فيه القعقاع

حينما أمر أبو بكر الصديق خليفة رسول الله _صلي الله عليه وسلم _ قائد جيوشه خالد بن الوليد بالتوجه إلي العراق لمواجهة جيوش الفرس، طلب خالد أن يمده بجنود إضافيين من المسلمين بعد أن استشهد عدد كبير من أفراد جيشه في حرب الردة. فأمده أبوبكر بالقعقاع بن عمرو التميمي، فقيل له: أتمد رجلا انفض عنه جنوده برجل؟ فقال أبو بكر: لا يُهزَم جيش فيهم مثل هذا)، في إشارة إلى القعقاع.

يقين ما بعده يقين لدى سيدنا أبي بكر الصديق في نصر الله وتأييده لجنده، وجندية ما بعدها جندية عند القعقاع بن عمرو التميمي.

وفعلا تواصلت مشاركة القعقاع في مواقع كثيرة أبلى فيها خير البلاء وحقق المكاسب لجيش المسلمين وفي فتوحات العراق والشام، وفي معركة ذات السلاسل) بقيادة خالد بن الوليد سيف الله المسلول رضي الله عنه.

الجندية العالية هي سر انتصار المسلمين في غزوة بدر وهم قلة عددا وعدة

انتصار المسلمين في غزوة بدر الكبرى كان بعد توفيق من الله تعالى، بسبب وجود قيادة تتوفر فيها جندية عالية من خلال تمثلها لصفة الربانية التي استمدتها من قوة إيمان القائد والمعلم صلى الله عليه وسلم ويقينه في موعود الله جلت قدرته.

حيث لجأ وأناب الرسول الكريم إلى ربه عز وجل في تلك الليلة وهو في غاية الافتقار إلى الله تعالى يبكي ويتضرع ويستمطر النصر والتأييد ويبسط كفيه عاليا بين يدي مولاه حتى أشفق عليه أبو بكر.

دون نسيان أن القائد صلى الله عليه وسلم كان يُبشر الصحابة بالنصر ويقول لهم: “هنا مصرع فلان هنا مصرع فلان…”.

تحقق الانتصار في بدر لوجود قيادة تؤمن بمبدإ الشورى، لوجود قيادة محبوبة ومطاعة وهنا يكفي أن نورد ما قاله المقداد بن عمرو وما قاله سعد بن معاذ رضي الله عنهما، لنكتشف أن الطاعة للقائد من أسباب النصر في غزوة بدر الكبرى.

“والله لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك…”

هي أسباب ثلاثة نستخلصها من بدر الكبرى، فما أحوج أمتنا إلى قيادة ربانية محبوبة مطاعة غير مستبدة، وما أحوجنا في وقتنا الحاضر إلى الرجال وإلى الطليعة المجاهدة المتصفة بالجندية وفي غاية الاستعداد، التي تقتحم العقبات وتُساهم في بناء ما انتُقض بعد الصحابة الكرام، كما أننا في حاجة ماسة إلى صدق التوكل على الله واليقين في موعود الله عز وجل بالنصر والتمكين.


[1] إمامة الأمة، ص: 45.\
[2] إمامة الأمة، ص: 45.\
[3] إمامة الأمة، ص: 46.\
[4] إمامة الأمة، ص: 46.\